الثقافة أحد أهم المكونات الخمس لهوية المرء إلى جانب الوطن والدين والعرق والتخصص المهني

حوار

– “لا نجد حضارة إلا وقد نشأت وليدة ثقافة حية استأثرت ذاتيًّا بتقدم معرفي، وبمراس على التنظيم، وبوفرة في الإنتاج، وبرقي في الأخلاق.. بهذا المعني: الثقافة أم الحضارة؟ لكننا نجد البنت سُرعان ما تتفوَّق على الأم عندما تحضر “الحضارة”، بأفق أوفى وأشمل؛ نظرا للشأن الإنساني؛ حيث تتجاوز إطار الثقافة التي انبثقت من رحمها بادئ الأمر”.
– من دروس التاريخ الحديث: الثورة الثقافية في الصين على امتداد عقدٍ بين الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ألحقت بالبلاد أفدح الأضرار. ومن بعدها؛ نهجت الصين نهجًا تطويريًّا في الإصلاح”.
– كتطلع شخصي، أودُّ أن أرى في أدبنا تركيزًا على البعد المعرفي؛ تأكيدا على البعد الخلقي، شجبا للأثرة والفساد، وحضًّا على التوجه الإصلاحي في جميع مساحات الشأن الوطني”.

حاوره – عقيل عبدالخالق اللواتي

المفكر، الباحث، والسياسي المحنك الذي يُغريك اطلاعه، وسلاسة أفكاره، وأسلوب عرضه، ويُسحرك -في الوقت ذاته- تواضعه وعفويته بكل بساطه ودون تكلُّف. تعد إنجازاته الثقافية عابرة للحدود؛ من خلال مساهماته الواسعة في المواسم والمؤتمرات والندوات والبرامج الثقافية في الوطن العربي والخارج. هو من أبرز المؤسِّسين لمركز الحوار العربي في واشنطن عام 1994م -وهو المركز المعروف بعنايته بالفكر والحوار الحضاري- كما أنَّه أحد الخبراء المرموقين في الشأن الأمريكي؛ نظراً لإقامته الطويلة هناك لما يقارب الثلاثة عقود، فضلاً عن دراسته وقراءاته المتعمِّقة في الفكر والتاريخ، والفلسفة والدين، وملاحظاته الدقيقة في شؤون السياسة والمجتمع.. إنه الدكتور صادق جواد سليمان.
وفي هذا الحوار، تحدَّث المفكر العماني صادق جواد سليمان عن قضايا راهنة؛ عن: علاقة الثقافة بالحضارة، وهل نحتاج لاستراتيجية ثقافية؟، وعن مستقبل التطور الحضاري في العالم، وحول تأثير وتأثر الثقافات المختلفة في سياق التطور المرتقب، إضافة إلى دور المثقفين العرب في إحياء الثقافة العربية، داخل أوطانهم وعبر الوطن العربي الكبير.. وإليكم نص الحوار.

ما تعريفك للثقافة؟

للثقافة معنيان متمايزان، لكنهما مُتواصلان؛ أحدهما: عام، والآخر: ذو مدلول محدد. في المعنى العام: نقصد بالثقافة عُموم خبرة المجتمع، الحاضرة والموروثة؛ أي: النمط الكامل لحياة المجتمع -بما في ذلك لغته، وأدبه، وفنونه، ونمط عيشه، وسلوكه الاجتماعي، وترتيبه لأولوياته- وطريقة تعامله مع قضاياه واهتماماته.
وبهذا المعنى العام، نستطيع القول بأن كلَّ مجتمع وطني -كبيرًا كان أو صغيرًا- يعيش ثقافة خاصة به، بصرف النظر عن جدارة ثقافته، وأن هناك مئات الثقافات عبر العالم تتمايز عن بعضها في الموروث من الخبرات والعقائد والأعراف، وتتفاوتْ في حاضرها بمقدار: استقرارها الاجتماعي، نضجها السياسي، انضباطها الخلقي، ومحصولها من المعرفة ومهارات التنظيم والإنتاج.
وبهذا المعنى أيضًا تشكِّل الثقافة أحد أهم المكونات الخمس لهوية المرء، إلى جانب: الوطن، الدين، العرق، التخصص المهني. على أنَّ الثقافة والعرق هما الأدل على الهُوية؛ كونهما الأعمق جذرا في تكوينها، فقد يستبدل امرؤ -إذا ما شاء- وطنا بوطن، دينا بدين، مهنة بأخرى، لكنه لا يملك أن ينسلخ من ثقافته أو عرقه بمجرد أن يريد.
أما المعنى الآخر للثقافة، فيدلُّ -تحديدا- على نصيب موفور من المعرفة والتهذيب، يتحلَّى به شخص ما فنقول عنه -أو عنها- إنه -أو إنها- شخص مُثقف. وفي النسق نفسه، عندما نعهد في شخص ما تميزاً معرفيا وخلقيا، نقول إنه -أو إنها- على ثقافة عالية. ومن ذلك تتضح لنا مفارقة طريفة: مع أننا بالمعنى العام للثقافة نستطيع القول بأن لكل مجتمع ثقافة، في المعنى الآخر لا نستطيع القول بأن كلَّ فرد ضمن أيما ثقافة شخص مثقف. هذه الثنائية في معنى الثقافة نجد ما يُوازيها في اللغة الإنجليزية: فكلمة (culture) تعني خبرة المجتمع ككل، كما تعني الوفر المعرفي والصقل الخلقي على صعيد الأفراد.

ومن المثقف؟

هو الشخص الذي يمتلك قدرا وافيا من المعرفة بقضايا العصر: وطنية، وعالمية؛ بحيث يستطيع أن يكوِّن رأيا حصيفا إزاء ما يهمه منها، وأن يُعبر عن رأيه ويدعو اليه الآخرين إذا شاء. لا يكون المثقفون بالضرورة على توافق في آرائهم، كما لا يكون جميعهم على نفس درجة الاهتمام والالتزام بالقضايا العامة. لا ضَيْر ولا غرابة في ذلك؛ فللناس رؤاهم، والمثقف -كأي واحد منهم- مُواطن حر، إذا شاء ساهم في قضايا مجتمعه، وإذا شاء عزف.

وما علاقة الثقافة بالحضارة؟

من نظرنا في التاريخ، لا نجد حضارة إلا وقد نشأت وليدة ثقافة حيَّة استأثرتْ ذاتيا بتقدم معرفي، ومراس على التنظيم، بوفرة في الإنتاج، ورقي في الأخلاق. بهذا المعني، الثقافة أم الحضارة، لكننا نجد البنت سُرعان ما تتفوَّق على الأم عندما تحضر “الحضارة”، بأفق أوفى وأشمل نظرًا للشأن الإنساني؛ حيث تتجاوز إطار الثقافة التي انبثت من رحمها بادئ الأمر. هكذا تحصل في الخبرة العربية الإسلامية عندما تحضَّرت الثقافة العربية بالإسلام، ولاحقاً استقبلت معارف حضارات أخرى: معاصرة، وسابقة. هكذا تعدَّت الثقافة العربية حدودَ ذاتها، وأنجبت حضارة الإسلام.

وما العلاقة بين: الثقافة العربية، والقومية العربية؟

“العروبة”: قومية ثقافية، بقدر ما هي ثقافة قومية؛ لذا نفي وجود القومية العربية، كما نسمع ادعاءَ ذلك أحيانا من البعض، في الحقيقة هو نفي لوجود الثقافة العربية التي ارتبطت بها ولا تزال هوية الإنسان العربي داخل الوطن العربي وفي المهجر.
وفي واقع الحال المتشخص بالقومية العربية، مُتشخص بالثقافة العربية، والعكس صحيح؛ بصرف النظر عن فارق عرق أو دين أو لون أو منشأ وطني. ذلك أن العروبة يومَ أن تحضَّرت بالإسلام خفَّضت العرق، وأعلت الأخوة في الدين، شجبتْ التفاضل بالمال والجاه والسلطة، وباركتْ التمايز بالتقوى والعلم وخدمة الناس. إثر فتح مكة، أعلن النبي العربي الفصم بين الماضي الجاهلي المؤكِّد لعصبية العرق، والحاضر الإسلامي المؤكِّد لكرامة الإنسان؛ فدعا قومه إلى ترك الاستعلاء بالنسب، وأصَّل بينهم المساواة. قال مُخاطبا قوما ما عَرفوا قبلاً سوى العصبيةَ القبلية قاعدةً للحياة: “يا معشرَ قريش، إنَّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب”.
وبذلك، أخرج نبيُّ الإسلام قومه من عروبة عرق ونسب قبلي، إلى عروبة ثقافة رحبة، مُتوائمة مع عالمية الإسلام وإنسانية مقاصده. وبذلك، أهَّل العروبةَ لتكون الثقافة المركزية في الإسلام، لتكوّن أمة وسطا شهيدة على نفسها وشاهدة على الناس، ولتسلك بذلك مسلكَ القدوة بين الأمم. وقبل ذلك، وصف القرآن الكريم نفسه مكررا بعربي، لا انتساباً لعرق، وإنما اتصافاً بثقافةٍ شرحة بليغة خيِّرة.

وهل نحتاج لاستراتيجية ثقافية؟

نعم نحتاج؛ ذلك لأن حفظ الثقافة بالنسبة لنا يعني حفظ الهوية الوطنية والقومية بسواء. ومن هنا، ضرورة أن يكون لدينا عمل نشط وهادف لأجل تعزيز الارتكاز الثقافي وتوطيده. ومن أهم استحقاقات المرحلة الراهنة -على ما أرى- تأصيل ثقافة المعرفة في خبرتنا الوطنية؛ بمعنى: إحداث حراك ثقافي يعرِّض أفقنا الفكري، وينمِّي رصيدنا المعرفي، ويطوِّر قدراتنا العملية، ويُمكننا من إنجاز تقدم كمي ونوعي معا في ترادف واتساق. ذلك يعني تأصيل المعرفة كقيمة مُتصدرة بين القيم التي نعتد بها، نحتكم إليها، ونستبصر بمعطاها في تدبير ما يَعنينا من شؤون عامة وخاصة. وبذلك؛ نولي ثقافتنا الوطنية -الموصولة طبعا بالثقافة العربية عبر الوطن العربي الكبير- وجهة معرفية تتطوَّر بها مع الزمن إلى ثقافة معرفية بامتياز، قادرة على دعم تنمية وطنية إنسانية، جامعة ومستدامة. وإجمالا: أرى أن يكون التركيز الثقافي وطنيا وعربيا، على الأبعاد التالية:
البعد الفكري: لأجل ضمان سلامة منهجية التفكير.
البعد المعرفي: لأجل إنماء ثقافة المعرفة.
البعد الاقتصادي: لأجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع بترادف واتساق.
البعد الخلقي: لأجل تأكيد ضرورة الاستقامة في الحياة.
البعد الإصلاحي: لأجل تفعيل التوجه الإصلاحي كواجب وطني مستدام.
البعد العروبي: لأجل تعزيز الثقافة العربية بمضمونها الحضاري.
البعد الإنساني: لأجل تأكيد المشترك الإنساني عالميا.

وماذا يتطلب العمل لأجل تفعيل هذه الأبعاد في الثقافة العربية؟

يتطلب وعيًا جماهيريًّا بأهمية الثقافة كحاضنة جامعة ترتبط بها الهوية الوطنية والقومية معا. يتطلَّب رعاية من الدولة من حيث توفير مُمكنات النماء الثقافي. يتطلَّب إسهاما فاعلا من المثقفين من خلال أعمالهم الأدبية والمعرفية وعموم نشاطاتهم المدنية. يتطلب غرسا مبكرا من خلال المناهج التعليمية؛ لتنشأ الأجيال مُثمِّنة ثقافتها العربية الإسلامية التي شُكِّلت تاريخيًّا، ولا تزال أحد أثرى الروافد في تنظيم الشأن الإنساني وترشيده عبر العالم.

لتحقيق ما ذكرت، ألا ترى أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية على غرار الثورات السياسية مُؤخرا في بلدان الربيع العربي؟

لا أراني مائلا إلى خيار الثورة من أي نوع للتعامل تصحيحيًّا مع أيما شأن وطني.. فالثورة قلَّما تكون مأمونة العواقب، بل إنها في الأعم تتلف أكثر مما تفتح مجالا للتعمير؛ ذلك أنَّ الإتلاف سهل. أما الإعمار، فشاق ومكلف. تجارب العالم العربي بالثورات مريرة ومخيِّبة على امتداد الحقب الأخيرة، والأجدى أن نثابر بإصرار على مسار الإصلاح بمنهجية مؤسسية تطويرية مستدامة.. خيرٌ أن نتقدم حثيثا ضامنين سلامة ما نُنجز، من أن نخاطر بفورة ثورية يصعُب التحكم في مسارها، ودرء ما قد يحدث من تلف.
فمن دروس التاريخ الحديث: الثورة الثقافية في الصين على امتداد عقدٍ بين الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ألحقت بالبلاد أفدح الأضرار. ومن بعدها، نهجت الصين نهجا تطويريا في الإصلاح.

وماذا ترى في مستقبل التطور الحضاري في العالم، وتأثير وتأثر الثقافات المختلفة
في سياق التطور المرتقب؟

في سياق التطور الحضاري الذي أرصده عبر العالم، أرى توجُّها مُتسارعا نحو مماثلة مؤسسات الحكم وأطر حقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة (من جهة)، ومماثلة أنماط العيش والإدارة والإنتاج والتجارة والتعليم…وسواها من مرافق الحياة (من الجهة الأخرى). وإجمالا: أرى -إن شئت- عولمة بامتياز. ومن ذلك أستشرف تبلور حضارة عالمية ذات معايير ومواصفات إنسانية موحَّدة، تتناغم تحت سمائها سائر الثقافات بفاعليات متفاوتة بمقدار ما تمتلك كل ثقافة من عناصر التقدم وقدرات التأثير. ومن هنا، أرى فرصة أمام مختلف الثقافات؛ من خلال إسهامات إيجابية وفاعلة، أن تجعل حضارة الغد حضارة جامعة، راسية في مبادئ وقيم أخلاقية عالمية، ومُلتزمة بمقاصد عليا تخدم الشأن الإنساني بأسره، كما في مجالات: ضمان حقوق الإنسان، حفظ الأمن، نشر العلم، تحقيق اليسر المعيشي، حفظ البيئة الطبيعية، توفير العناية الصحية…وسواها من الأمور الحيوية التي تسعى لتحقيقها في أوطانها سائر الشعوب.
وإجمالا: أطمح أن أرى حضارة الغد حضارة إنسانية بامتياز: رحبة ونبيلة، مستوعبة وراعية لتنوع خبرات الشعوب؛ فمع أن الحال الإنسانية في جوهرها حال واحدة، وهي: الفطرة التي فطر الله الناس عليها، حال تصلح بذات الأسباب وتفسد بذات الأسباب مهما كانت الفوارق الثقافية، إلا أن خبرات الشعوب تتنوع، وفي التنوع -تكامليًّا- إفراز لخير ما يُمكن أن يحققه الإنسان على مدرج الارتقاء. إن تاريخ الحضارات -من حيث نهوض كل حضارة بدفع من حضارة سبقتها أو زامنتها- يشهد لمثل هذا التدافع الإيجابي المستدام بين الأمم.
الثقافة العربية -بمركزية موقعها في حضارة الإسلام- تأتي بمخزون حضاري وفير يُؤهلها لأن تشكل رافدا عظيما من روافد حضارة الغد الجامعة، لكن هذا لن يتأتى من حال الركود العربي الراهن. فلكي يكون للثقافة العربية إسهامٌ جدير في حضارة الغد، لا بد لأهلها أن يُحدثوا أولا تحولا ذاتيا في ثلاثة أمور حيوية:
– عليهم أن يتضامنوا، فيطوِّروا مجتمعا عربيا متواصلا، متكاملا ومتعاونا في تفعيل شتى إمكانات الحياة الإيجابية، ومن ثم أن ينجزوا تنمية إنسانية شاملة ضمن الأوطان وعبر الوطن العربي الكبير.
– عليهم أن يرتقوا إلى نظام ديمقراطي واف وشفاف، نظام قائم -وُضوحا- على مبدأ المشاركة العامة في صنع القرار العام.
– عليهم اقتباس معارف العصر، ومن ثم إنماؤها ذاتيا، وانتهاج المنهج المعرفي في تدبير الشأن الوطني والقومي بأفضل ما يُستطاع، وعمل هذا كله بتواؤم مع المشترك الإنساني الذي ينبغي أن تنتهي إليه وتصبُّ في إنمائه الإسهامات البناءة من نتاج جميع الثقافات.

وبرأيك، ما دور المثقفين العرب في إحياء الثقافة العربية، داخل أوطانهم وعبر
الوطن العربي الكبير؟

إحياء ثقافة أيما أمة لا يكون خارج إطار إصلاح وإنماء وضع تلك الأمة ككل، وإنما يأتي شقًّا حيويًّا من برنامج الإصلاح والإنماء. لقد جاء تراجع الأمة العربية وانحسار ثقافتها ضمن تراجع الخبرة الإسلامية عامة، وجاء مُسبَّبا بأربع: بتجزؤ الوطن، بهجر الشورى، بالانصراف عن الاجتهاد المعرفي، وبالاختصام الداخلي. إعادة بناء وضع الأمة وإحياء ثقافتها يتطلَّب نقضا لعناصر التراجع تلك: يتطلَّب -تحديدا- توجيه الأوطان والأمة ككل وجهة التضامن والحوكمة الرشيدة والتقدم المعرفي والوئام الاجتماعي. وذلك بدوره يتطلب ريادة تاريخية فائقة من المثقفين العرب، بل وتثبتا شجاعا في الصدق والصبر واللاعنف، مع الاستعداد طردا لبذل جهد جهيد ومديد.
العروبةُ ثقافةٌ ثريةٌ خيرة: في طيها سمين أكثر كثيراً من زبد، طيب أكثر كثيراً من غث، صالح أكثر كثيراً من طالح. حريٌ بهذا السمينِ والطيبِ والصالحِ أن يُستظهر، وخليق بعرب هذا العصر أن يدَعوا الزبَدَ والغث والطالح ويُعنوا تحديدا بما يصلح ويفيد. لا تتقدم ثقافة -بل لا تتعافي- دون أن تتجاوز سلبيات ماضيها، ودون أن تستحضر إيجابياتٍ انبنتْ فيها من قديمٍ، فتحي تلك من جديد. ولو أن كل جيل آثر قعودا قي ماضيه على نهوض في حاضره وطموحِ صعودٍ في مستقبله، لما خطت أمةٌ خطوةً إلى الأمام.

– وماذا ترى في اختيار مدينة نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية لعا م 2015؟
نزوى مدينة عريقة، وهي تستحق هذا التكريم بامتياز؛ لما لها من مكانة مرموقة ترتبط ابتداءً بنشأة الحضارة العمانية القديمة، ثم بالريادة المعرفية في علوم الدين مع بداية العهد الإسلامي. وهي مدينة ما برحتْ تنتج أجيالا من العلماء والفقهاء والمؤرخين والأدباء والشعراء حتى يومنا هذا، وقد كانت لقبت ببيضة الإسلام في أواخر القرن الثاني الهجري؛ تثميناً لدورها الريادي في بناء المعرفة الإسلامية ونشرها في الخارج.
اختيار نزوى عاصمة الثفاقة الإسلامية لعام 2015 من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، حصل عام 2010، ومنذ ذاك التاريخ تحضير جيد -على ما أتابع- يجري على قدم وساق للاحتفاء بعراقة نزوى وسبقها الثقافي، وأيضا بنهوضها مجددا في هذا العهد الميمون بمعارف ووسائل هذا العصر؛ من خلال فعاليات دينية وعلمية وأدبية متنوعة ومثرية على امتداد عام الاحتفاء ستتوافر للجميع فرصة نفيسة للاستفادة والاستمتاع والتعارف في ربوع هذه المدينة المتميزة بتاريخها الثقافي الحافل الغزير. ولعل أهم ما يجدر أن يؤكَّد عبر بعض تلك الفعاليات: ثقافة التسامح التي يتحلى بها مجتمعنا العماني.
وفي محادثاتي مع عديد من المفكرين العرب في عدد من العواصم العربية، التي زرتها مؤخرا، لمستُ تقديرا خاصا لما بدأوا يُلاحظون لدينا من رحابة النظر، ورصانة المنهج في مجال تعزيز الوئام داخليا بين المذاهب الإسلامية المتعايشة في ربوعنا، وخارجيا بين الإسلام وسائر الأديان.

وكيف تقرأ المشهد الثقافي العماني؟

بصراحة، لم أعد مُواكبا للمشهد الثقافي العماني، كما أتيح لي مُواكبته عن كثب خلال رئاستي الجمعية العمانية للكتاب والأدباء عام 2010 و2011. إلا أنني ما زلت ألمس نماءً في المجهود الثقافي لدينا بشكل مستطرد. ففي معرض الكتاب الأخير، بلغت إصدارات الكتَّاب والأدباء العمانيين على ما علمت حوالي 150 إصدارًا؛ بينها مؤلفات معرفية جادة، بعضها تناولت بكفاءة وتركيز موضوعات وطنية صميمة. وكتطلع شخصي، أود أن أرى في أدبنا تركيزا على البعد المعرفي، وتأكيدا على البعد الخلقي، وشجبا للأثرة والفساد، وحضًّا على التوجه الإصلاحي في جميع مساحات الشأن الوطني. وإجمالا: أود أن أرى المشهد الثقافي العماني مشهدًا متناميًا، زاخرا كمًّا ونوعًا بكل مفيد وممتع ومحفز على النهوض الحضاري. وأود أن أرى إنتاجنا الثقافي مقروءًا برواج عبر الوطن العربي الكبير.

5,477 total views, 20 views today