أحمد عمر زعبار

هذه مُلاحظات، أكثر منها يوميات بالمعنى المعروف.. آراء ومشاعر عِشتها ودوَّنتها خلال زيارتي لعُمان، ورغم كثرة أسفاري، إلا أنَّني لم أدوِّن -ولو مرة واحدة- يوميات لتلك الأسفار، رُبما لتشابُه ردَّات فِعلي النفسية وتشابه الحالات.. عُمان حالة مُميزة ومُختلفة، مُختلفة جوهريًّا وليس ظاهريًّا، في مُحيط عربي مُمتد الأطراف، ساخن ومتوتر، وضمن الجغرافيا الخليجية المتشابهة: تاريخا، وثقافة، وعادات، ومجتمعا، تنكشفُ عُمان للزائر كحالةٍ خاصَّة مُميَّزة وفريدة لا شبيه لها. كتبتُ هذه التدوينات كمحاولةٍ للتفسير والتحليل، ومن أجل أنْ أفهمَ الواقع العُماني بطريقة أفضل، كتبتها لنفسي، ولم تكُن فكرة نشرها مطروحة، إلا أنَّ أحدَ الأصدقاء -محمد بن مصطفى- نصحنِي بعد اطلاعه عليها بنشرها، وكان ذلك كذلك.. أنشرها كما هي باستثناء بعض التصحيحات البسيطة.

الأحد – 17 ديسمبر 2017م
ما يُقارب الثماني ساعات في رحلة ليلية بلا نوم، تأخذ منك الكثير، وتجعل مزاجك أقرب إلى الشدِّ والتوتر، خصوصًا وأنَّ شرطة المطارات في كل أنحاء العالم تنظرُ إليك بحياد شديد وحتى بنوع من التوجُّس. اقتربتُ من شرطي الحدود: “أهلا بك في عُمان” قال مُبتسما. استلمَ جواز سفري، ثم سألني عن الرحلة كيف كانت، وكما لو أنَّه قرأ ملامح التعب على وجهي،، قال مبتسما: “إن شاء الله تنسيك مسقط تعب السفر”. تمَّت إجراءات الدخول دون تعطيل، وبسرعة ملحوظة (من مدرج الطائرة، إلى مربأ السيارات؛ حيث ينتظرنا مُضِيفي، مرورا بإجراءات الفيزا، وشرطة المطار، وانتظار الحقائب، استغرق ذلك حوالي نصف الساعة لا أكثر).

أفتح هاتفي الجوال، وأكتب: “الثامنة صباحا.. مسقط تستقبلنا بأشعة شمس طرية ودافئة بحنان.. مسقط تستيقظ بهدوء دون صخب ولا ضجر، كأنَّ هموم العالم لا تعنيها”.

الإثنين – 18 ديسمبر 2017م
كان يومًا حافلًا وممتعًا بزيارة معالم مسقط وحدائقها..
أنا ابن تونس الخضراء، المُقِيم بلندن المدينة المعروفة بكثرة حدائقها الخضراء الجميلة، أجدني مُنبهرًا بحدائق مسقط، نظافتها، جمالها، هندستها، اتساعها، جمال ورودها. لكنني أستغربُ عدم اكتظاظها بالرواد وبالعشاق رغم جمال الطقس.. هل ثقافة ارتياد الحدائق العامة ليست مُحبَّذة في عُمان؟.. لا أدري!!

الحدائق الجميلة في عُمان ليست مُقتصرة على الأماكن السياحية، كما هي الحال في أغلب دول العالم، بل تجدها في الكثير من المناطق الداخلية البعيدة عن السواحل وعن المناطق السياحية.

الأربعاء – 20 ديسمبر 2017م
في عُمان
أرى رؤية العين والقلبِ
وطنًا من نُبوءة الحب
أرى بوضوحْ
وطنًا له جسدٌ ورحْ

الخميس – 21 ديسمبر 2017م
أكتشف بعد كل هذا العمر -الذي تجاوز نصف القرن بخمس سنوات- وبعد كل هذه التجربة في الحياة، أن آرائي ورؤيتي كانت محكومة دائمًا بالموقف السياسي وتابعة له، أكتشفُ هذا الآن، اختلاف عُمان عن كل دول الخليج الأخرى ودول المنطقة جعلني أدرك أن آرائي السابقة بخصوصها كانت مُتسرِّعة وغير مبنيَّة على تحليل منطقي ومدروس. في السياسة -كما في شؤون الحياة الأخرى- توجد مناطق بين الأبيض والأسود، لا أعنى المناطق الرمادية، أعني مجالات التحرُّك بين الأبيض والأسود، بين نعم ولا، بين خطأ وصواب، هي مجالات واسعة بل وضرورية للحركة والمناورة؛ لأنَّ الواقع السياسي العربي مُعقَّد إلى درجة يستحيل معها اتخاذ موقف صلب، ورفض كل المواقف الأخرى، يجب أن نناور أحيانا، ونراوغ العاصفة حتى تمر، مُجرَّد موقف تكتيكي وليس إستراتيجية عامَّة، بل تكتيك مُؤقَّت من أجل تحقيق أهداف الإستراتيجية البعيدة.

تُوْجَد عُمان في منطقة مضطربة، ربما هي أكثر مناطق العالم اضطرابا، نجحت رغم ذلك في تجنب كل الحروب والاضطرابات والقلاقل، بل أكثر من ذلك: أسَّست لدولة عصرية مستقرة وآمنة.

في واحدة من زياراتي لعاصمة عربية شرق أوسطية، سألني سائق التاكسي عن رأيي في عاصمة بلده؟ وكان من جملة ما ذكرتُ له أنها آمنة ليلا ونهارا.. كان ردُّه بنوع من السخرية والمرارة: “كيف لا تكون آمنة وربع ساكنيها مخابرات سرية، هو الخوف وليس الأمن!! هناك توتر لن تراه إلا إذا عشت هنا، ويظهر بأشكال مختلفة في التشنج الذي تراه بين الناس وفي حواراتهم وأصواتهم المرتفعة، وفي العِراك الذي يحدث بينهم لأتفه الأسباب..”. كلام السائق دقيق، وينطبق على أكثر من عاصمة عربية، لكنه لا ينطبق على مسقط، ولا على عُمان ككل. الأمان لا الأمن (الأمان النفسي، والاجتماعي، والمعنوي، الإحساس بالطمأنينة والراحة والارتياح، وليس الأمن الراسخ في المُخيَّلة العربية في شخص رجل الأمن المُخِيف). امانٌ مبني على الثقة في الحاضر، واطمئنان للمستقبل، وليس القائم على الخوف والرعب.. هذا ما تشعرُ به في عُمان، وتقرأه على وجوه العُمانيين وفي نفسياتهم.

الخميس – 21 ديسمبر 2017م
اليوم.. ولأول مرة، ألحظ وجود مُدخن في الشارع العام، شاب ربما في الثلاثينات من عمره يُدخِّن سيجارة أمام أحد المنازل.. كُنَّا في منطقة القرم -إحدى مناطق العاصمة مسقط- طبعا التدخين ليس ممنوعًا في عُمان، وعلب السجائر تُباع في المحلات الغذائية والأكشاك، وليس هناك تضييق على التدخين من قِبل السلطات، لكن: أين المدخنون في الشوارع والأماكن العامة في المدينة؟!!.. أمرٌ آخر لفت انتباهي؛ وهو الهدوء الذي يلف العاصمة مسقط، حتى الشوارع المكتظَّة بالسيارات ساعات الزحمة لا تكاد تسمع فيها زمامير السيارات، أو تشنج السائقين، صحيح أن الشوارع والطرقات واسعة، وأنها منظمة جيدا بإشارات المرور، لكنَّ الصحيح أيضًا أنَّ هناك عقلية واضحة تعوَّدت على احترام القانون. ورغم ذلك، أعتقد أنَّ المسألة تتجاوز مجرد احترام القانون إلى انسجام المواطن العُماني مع واقعه، ونفسه، ومجتمعه.

كلُّ من عرفتهم ممَّن زاروا السلطنة، حدَّثوني عن هدوء العُمانيين، وطيبتهم، وأريحيتهم، وسعة صدورهم. والآن، أرى بنفسي، وأشهد أنَّ العُمانيين حالة استثنائية غير مُكرَّرة في العالم العربي، ورُبما في العالم بأسره. لستُ أتحدَّث هنا عن الكرم والترحيب بالزائر الأجنبي المعتبر في ثقافتنا ضيفًا كريمًا، أتحدث عن مجتمع بأسره يمتلكُ روحًا جماعية تكاد تخلو من التوتر الداخلي.. هي مرآة لأجمل وأنقى ما في الروح البشرية.

كيف يُمكن تفسير ظاهرة الهدوء والأريحية في الإنسان والمجتمع العُمانيَيْن؟! يحتاج الأمر إلى مُختصين في المجالات الاجتماعية والنفسية والتاريخية لتحليل أعمق.
سلطنة عُمان الحديثة.. دولة فتية (هي أصغر مِني سنًّا)، النقلة التاريخية (الولادة الجديدة) حدثت سنة 1970، السنة التي استلم فيها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -حفظه الله- مقاليد الحكم، واستطاع خلال أقل من خمسين سنة إنشاءَ دولة حديثة بكل ما تحمل كلمة حديثة من معنى، بنية أساسية عصرية ومتطورة، اقتصاد متماسك، منظومة مالية قوية ومحترمة، جيش قادر على حماية الدولة، مدن جميلة ونظيفة، احترام التراث والتطوير بالاستفادة منه، اهتمام بالثقافة والتعليم، مدارس وجامعات عصرية، وأهم من ذلك كله بناء الإنسان.

ما قامَ به السلطان قابوس مُنذ استلامه الحكم، كان رؤية لم تتبلور لدى غيره من الحكام العرب.. بداية سبعينيات القرن الماضي، انقلابات، صراعات، حروب ومؤامرات.. في مرحلة مضطربة متوترة، اهتمَّ السلطان قابوس بن سعيد ليس باستقرار حكمه على حساب استقرار بلده، ولا على حساب أمن واستقرار المواطن العُماني.. أدرك السلطان الشاب مبكرا أن استقرار الدولة هو في يد شعبها، وفي وعي شعبها، خصوصا في علاقة الحب والاحترام؛ وبالتالي في الثقة المتبادلة بينه وبين وشعبه. وعلى عكس غيره من حكام عصره، اهتمَّ ببناء البلد وبناء الإنسان، وركز مشاريعه على القوة الداخلية، على الإنسان العُماني كما على بناء علاقات حُسن جوار مع دول المنطقة، وليس على التآمر عليها. القوة الناعمة -التي أسَّس لها السلطان قابوس على مدى فترة حكمه- كانت قوة بناء الدولة الحديثة العصرية، وبناء الإنسان العصري المتسامح الخلاق؛ لذلك لم تشهد عُمان الحديثة صراعات مع جيرانها، ولا توترات بينها وبين بقية الدول.. سياسة الحياد الإيجابي اقترنت بحكمة تقدِّم النصح وتتجنَّب أسباب المشاكل، حتى لا تضطر للتعاطي مع تلك المشاكل، أو إضاعة الوقت والطاقة في إدارتها؛ مما قد يضعف حتما من حصانة الدولة في الداخل.

ابتعاد عُمان عن الصراعات، وإضافة لحالة الاستقرار والراحة والأمان، إلى جانب قيم التسامح التي عرفها المجتمع العُماني عبر تاريخه، هي التي تفسِّر هدوءَ العُمانيين، وحبهم للناس، وحب الناس لهم.

الجمعة – 22 ديسمبر 2017م
في أبوعبالي، القريبة من مسقط، حثَّني مضيفي على السرعة حتى لا تفوتنا صلاة الجمعة.. وصلنا مع بداية الخطبة، الإمام الشاب يقرأ من ورقة بيده كلاما مُكررا منقولا بحرفيته من أحد الكتب القديمة، لا يشرح ولا يفسر ولا يربط بين محتوى كلامه والواقع، طريقة خطابية مقلدة عن حياة الأقدمين وروعتها ومثاليتها. تأسفت على حال رجال ديننا.. لا شعوريا انتقل ذهني الى المقارنة بين أئمة مساجدنا وبين الآباء في الكنائس في بريطانيا حيث أقيم وأعمل، يصغي الأب المسؤول في الكنيسة لمشاكل رواد كنيسته، وتتحدد إجاباته ونصائحه بحسب خصوصية كل حالة، وكأنك أمام طبيب نفسي يسعى للعلاج، وحتى قُدَّاس الأحد ينطلق من معالجة شؤون الناس المرتبطة بوقائع معينة عاشوها خلال الأسبوع، في حين يردِّد معظم أئمتنا كلاما عاما مكررا من مئات السنين.

انتهت الصلاة.. صافحني الشاب الذي على يميني والشاب الذي على يساري، ثم صافحا بعضهما، وكثرت المصافحات والعناق بين المصلين، أنا سُنيٌ أقفُ بين أباضي على يميني وشيعي على يساري، في مسجد واحد، وصفٍّ واحد.. هذه الصورة طبيعية جدًّا في عُمان، الشاذ هو أن تسمع أحدا يتحدث بمنطق طائفي.. هذا التسامح وقبول الآخر طبيعي عند العُمانيين. عرفت أيضًا من مُضيفي أنَّ الدولة سنَّت قوانين صارمة ضد كل خطاب طائفي؛ وذلك كإجراء وقائي، خصوصا إذا ما أخذنا بعَيْن الاعتبار ما يحدُث في دول المنطقة من تجييش طائفي.. حرية الاختلاف هنا مكفولة بأمرين: بقوة القانون، وبروح العُمانيين المتسامحة والقابلة للآخر.

أُلاحظ أيضًا أنَّ الأمرَ لا يقتصر على الاختلاف الديني، فالاختلاف السياسي مسموح به هنا، ويتمتع العُمانيون بدرجة عالية من حرية الرأي والتعبير، دون خوف، أو متابعة، أو ملاحقات.

بعد العودة إلى مسقط، حدَّثت أحد أقارب مُضيفي عن روح التسامح التي شعُرت بها في المسجد، والتي تغمُر المجتمع العُماني، فأخبرني أنَّ الحكومة قامت بتغيير اسم وزارة الأوقاف، من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية؛ وذلك احترامًا للأقليات الدينية الأخرى في السلطنة، وحفاظا على حقوقها. أحسستُ بشعور بالفخر والراحة، قد يبدو تغيير الاسم مسألة شكلية لدى البعض، عندي أنها رؤية عميقة وجوهرية، ودليل على خصوصية عُمانية بعيدة النظر.. بعيدة النظر جدًّا.

السبت – 23 ديسمبر 2017م
مُضِيفي من عائلة الرئيسي، أحد أفخاذ قبيلة البلوش، وهي واحدة من حوالي 250 قبيلة يتكون منها المجتمع العُماني، والبلوش قبيلة معروفة على نطاق واسع؛ بأمرين: الشجاعة والإخلاص، وأمرهم في هذا معروف، وقصصهم مذكورة في تاريخ عُمان وغير عُمان (قلعتي الجيلالي والميراني مثال على ذلك). مُضِيفي فخور جدًّا ببلده، وبحاكم بلده، ويحرص أن أرى وأزور أكثر ما يمكن من المدن والمناطق خلال أيامي القليلة هنا. لفتَ انتباهي بوابات المدن، لكلِّ مدينة مدخل جميل، بوابة بهندسة تاريخية وجمال أثري.

المدن العُمانية إضافة إلى هندستها الحديثة، واتساعها، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، وتَوافر كل المرافق فيها، تمتاز بأمرين: عدم وجود بنايات شديدة الارتفاع، وثانيا: جمالية هندسة المباني والمنازل التي لم أرَ كثيرا مثلها في أيِّ بلد عربي آخر -ربما باستثناء صنعاء- هُنَا يتآلف الماضي والحاضر، بيوت هي مثال جميل وحي على اندماج الأشكال الهندسية التراثية بالهندسة الحديثة في تناسق وليس في نفور أو تنافر. استطاع التراث هنا أن يطوع جماليات الهندسة العصرية، ويستفيد منها، فتتكامل معه في وحدة وانسجام وتناسق يُثري تراث البلاد ولا يُهمله أو يُنكره.
جَمَال المساجد ساحرٌ، يحتاج إلى مقال خاص من خبير في الفن، أو مختص في علم الجمال.

الأحد – 24 ديسمبر 2017م
المرأة العُمانية موجودة في كل مكان: الإدارة، التعليم، الرياضة، الصحة والأسواق (طبعا)، أعجبني أنها غير مسكونة بعقدة الرجل، ولا تعاني من الإحساس بالدونية، لها حضورها الجميل، حضورها المستقل، لها إحساس بذاتها بلا عقدة نقص.. أنوثتها غير مشوهة بعقد الماضي، ولا بطغيان استنساخ الرجولة أو تحديها، أنوثتها غامرة مع رقة وأناقة وخفر وثقة بالنفس.. أحب أنوثة المرأة العُمانية.

الإثنين – 25 ديسمبر 2017م
للطبيعة هنا شغفٌ بالفن
الزمن يرسمُ
النسائم تعزفُ
يرقصُ الشجرُ
هنا القدرُ
يبتسمُ ويغني

الثلاثاء – 26 ديسمبر 2017م
قصر السلطان يُوْجَد في مسقط القديمة (أجمل مناطق المدينة)، بلا حِرَاسة مرئية مُشدَّدة، وأنا أقترب من بوابته خطر ببالي أمران: عدلت فأمنت فنمت، والثاني: قصر باكنجهام بلندن، مع فارق السماح لزائر قصر السلطان بالاقتراب كثيرا لمركز القصر، في حين ليس بإمكان زائر قصر باكنجهام إلا النظر عن بُعد من خلف البوابة الحديدية.
نعم.. عُمان هي البلد العربي الأكثر جمالا ونظاما، ويبدو أنني أصبحت أفضِّله على الدول الغربية، وأجده أجمل وأكثر (إنسانية) منها.

الأربعاء – 27 ديسمبر 2017م
أعُود من الشارقة إلى مسقط بعد زيارة قصيرة (يومين ونصف اليوم)، مرور سريع على دبي وأبوظبي.. أشياء كثيرة يُمكن ان تُكتب وتُقال عن الشارقة خصوصًا، عن حاكمها سلطان القاسمي، هو أيضًا شخصية استثنائية مُختلفة، حاكم مُثقف وصاحب رؤية، يشترك مع السلطان قابوس في أنه يجب دراسة تجربة كلٍّ منهما في الحكم، والاستفادة منهما، مع مراعاة اختلاف حجم وخصوصية تجربة كل منهما.
السلطان قابوس شخصية فريدة وغير مكررة، تُثبت الوقائع والأيام أنه كان ينظر للواقع بعين المستقبل، وفعلا صدقتْ رُؤيته، ونأى بعُمان عن كل مكروه، ووضع بلده في المكان الذي تستحقه.

الخميس – 28 ديسمبر 2017م
أحببتُ القاهرة، وعشِقت دمشق، وارتحتُ كثيرا في الرباط.. مُدن أخرى كثيرة عربية وغير عربية زُرتها، وتجولت في شوارعها، وأتذكر أيامي فيها بحبٍّ وابتسامة ورغبة في تكرار الزيارة، أغلب المدن التي زُرتها أستطيب الإقامة فيها لمدة أسبوع على الأكثر، قبل أن تبدأ الرغبة الخفية في المغادرة، والعودة للندن تُلِّح عليَّ وتشغلني.. أغلب المدن تبدو لي جميلة إذا زرتها لمدة لا تتجاوز الأسبوع أو العشرة أيام، وتفقد جمالها إذا أقمت فيها مدة أطول.. مسقط تختلف، مع الوقت تحس معها بالود والإلفة، كأنك تتعاطى مع كائن حي، وليس مع مدينة كالمدن التي ليست أكثر من حجر وأسمنت وبشر مُسْرِعين أو منشغلين لا أكثر.
في السفرِ
لا أبحث عن مبنى
أبحث عن معنى
في السفرِ
أبحث عني في روح المكان وفي البشرِ

الجمعة – 29 ديسمبر 2017م
(قبل إقلاع الطائرة، عائدا من مسقط إلى لندن)
سأحفظها جمالا في عيوني
وأُبقي بعض روحي في المكان
فإنْ مر الزمان وعدت يوما
وجدت روحي في روح عُمان
وإني اذ أرى مرآة نفسي
أراها في فؤادي إذْ أراني

لندن – 17 يناير 2018م
بعد اقتراح مُحمد أنْ أنشر هذه “التدوينات”، أعدتُ قراءتها، وبدت وكأنها حديثٌ إيجابيٌّ ومثاليٌّ عن عُمان، أُدرك أنني لست أصِف جنة، أو أتحدث عن دار النعيم.. فالكمالُ لا يُوجد على الأرض، أكيد أنَّ لعُمان إشكالات ومشاكلَ يجب العمل على حلها وتجاوزها، وهو أمر عادي تعيشه حتى أكثر دول العالم تقدمًا. كتبتُ ما رأيته، وأحسست به، بصدق وموضوعية، وقد تكون رؤيتي هذه شخصية جدًّا (وهي كذلك)، وقد يرى البعض أنها رُبَّما مُتسرِّعة وهذا من حق هذا البعض، لكن وفي كل الأحوال هي رؤية صادقة، ومن القلب، وبعيدة عن المجاملة.

أخيرا.. يجب أن أعترفَ أنَّني أشعر أحيانا ببعض قلقٍ خفي، هذا بلد استثناء يجب أن نعتزُّ ونفتخر به، كان لقيادته رؤية أوصلته لشاطئ آمن، تبقى مسؤولية المستقبل وحماية هذه المكتسبات، وحماية روح التسامح، مسؤولية أبناء عُمان وشبابها.. أملنا فيهم كبير بقدر حجم المسؤولية وأكبر. كثيرا ما سمعت العُمانيين يتحدثون عن بلدهم وحبهم له، وعن اعتزازهم بتاريخهم وتجربتهم الفريدة وعصر السلطان قابوس، وعن ضرورة مواصلة نفس النهج الذي أثبتت الأيام والوقائع صحته، وفهمتُ منهم أنَّ التمسك بنفس الرؤية والمنهج هو الخيار الطبيعي لهم. هذا يُطمئِنني، ويحُد إلى حدٍّ ما من قلقي.. فنحن محكُمون دائمًا بالأمل.

2,418 total views, 2 views today