shutterstock_197276366

◄ رشا البلوشيَّة: “سوق الأيادي” جعلني أبحث في تفاصيل القضية الفلسطينية

◄ بدر الجهوري: “في سبيل التاج” بمثابة انطلاقتي في حبِّ القراءة

◄ هلال الزيدي: الكتب لا تؤثر في مسار شخصيتي فهي كتب عابرة تنتهي بانتهاء الفصل الأخير منها

◄ سعيد البوسعيدي: “المستطرف في كل فن مستظرف” كان صديقاً لي أثناء دراستي بالمرحلة الثانوية

◄ أحلام الحضرميَّة: “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين!” هو الكتاب الأهم في مشوار قراءاتي

◄ محمد الضبعوني: “البخلاء” ساهم في زيادة ثقافتي واتساع مداركي وفهمي للحياة

القراءة فنٌ، لا يُدرك جمالَ مُعانقته سوى من يعشقه، أو يعتاد عليه؛ فما إن يعتاد الشخص على مُلامسة أنامله لأوراق الكتب، أو مُداعبة الأسطر والكلمات لنظراته؛ حتى يصبح من الصَّعب عليه مُفارقة الكتب أو الابتعاد عنها. ومع هذا، فقد تقرأ مئات الكتب، ولكنها قد لا تترك أثراً عليك، بينما كتابٌ واحد قد يغيِّر مجرى حياتك، أو يدفعك لاقتناء المزيد من الكتب، ربما في نفس المجال أو في مجالات تختلف، إلا أنه يُساهم بطريقة ما في توطيد العلاقة بينك وبين القراءة بشكل عام.

وفي الاستطلاع التالي، نُحاول أن نلقي الضوء على أهم الكتب التي غيَّرت من حياة الأشخاص الذين التقيناهم، أو ساهمتْ -ولو بشكل جزئي- في مَوْلد علاقة عشق بينهم وبين القراءة بشكل عام، والكتب بشكل خاص.

استطلاع – علي بن صالح العجمي

بداية؛ تقول الإعلامية رشا البلوشية: إنه لطالما كنت أتحايل في صغري بهدف الدخول إلى مكتبة أخي لأقرأ؛ فالقراءة هي بمثابة المَدَار الرَّحب الذي يسبح فيه الإنسان من أجل أن ينظر للعالم برؤية أكثر اتساعاً وشمولية، وما زلت مُؤمنة بأنَّ الكتاب الورقي لا يزال يتربَّع على عرشه كما كان دائمًا؛ لأن القراءة من الشاشة قد تتعب القارئ وترهقه؛ لذلك أرى أن الكتاب الورقي يبقى له سحره ورونقه. فما أجمل أن يطل عليك الكتاب من مكتبتك، وكأنه يُحاورك كلما ألقيت نظرك تجاهه (!). وعودة إلى سؤالك عن الكتاب الأكثر تأثيراً في حياتي، فإنني أرى أنه من الصعوبة أن أختار كتابًا واحدًا لأقول إنه الأكثر تأثيرا في حياتي، ولكنني سأختار مجموعة من الكتب التي قرأتها، وأرى أنها كان لها الأثر الأبرز في تغيير بعض الأفكار والرُّؤى لدي؛ أول تلك الكتب هو كتاب “سوق الأيادي” للكاتبة فاطمة الشريف، وهو يحكي باختصار عن أنه جاء في الأساطير الرومانية أنه حُكم على رجل بالحرق، فأشعل يده اليمنى ليظهر عدم خوفه من الحكم المسلط عليه ومن النار التي ستبيده؛ فعُفي عنه، واستحق البقاء. هذا الرجل يُدعى “مرسيوس سكانيولا” (اسمه يعني: الأيسر؛ وذلك نتيجة فقدانه لليد اليمنى).

وتضيف رشا: هذه الرواية نشرتها مؤلفتها قبل قيام ثورات الربيع العربي، والتي انطلقت شرارتها بعد أن أشعل التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه؛ احتجاجاً على وضعه الاقتصادي المتأزم، وعلى الظلم والاستبداد؛ ليشعل معه ثورة بلد بحاله، لتمتد منه الثورات إلى بلاد عديدة. ابتدأتْ المؤلفة الكتاب بقصيدة رثاء؛ حملتْ عنوان “كحل الوصية”؛ حيث رَثَت فيها الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والذي يُعتبر رمزَ النضال للقضية الفلسطينية، وركَّزت الكاتبة على القضية الفلسطينية؛ كونها الهم الأكبر والدائم لكافة الشعوب. طبعاً هذا الكتاب أثر بي أيما تأثير؛ كونه يعكس الوقع المؤلم الذي يعيشه الوطن العربي؛ حيث شعرت أثناء قراءتي لهذا الكتاب بمَدى أهمية الالتفاف حول الحلم العربي، الذي يجمع بين شعوب الوطن العربي، بل وحلم كل مسلم؛ وهو: تحرير القدس؛ حيث بتحرير القدس فقط تكتمل كرامة الإنسان المسلم.

وتنتقل رشا البلوشية إلى الحديث عن التغيير الذي أحدثه الكتاب في حياتها؛ حيث تقول: هذا الكتاب كان بمثابة الدافع لي للبحث والنبش حول تفاصيل القضية؛ من خلال قراءتي لبعض الكتب التي تُلقي الضوء على القضية الفلسطينية، وتسعى لتفسير الأحداث المتعلقة بها. وتُكمل البلوشية حديثها بالقول: بطبيعتي؛ لا أحبُّ إعادة قراءة نفس الكتاب. الكتاب الوحيد الذي أحرص على تكرار قراءته هو القرآن الكريم، ولكن رُبما يدفعني جَمَال كتاب لقراءة كُتب مشابهة له، مع الإشارة إلى أنني متنوِّعة في قراءاتي؛ حيث تجذبني الكتب السياسية تارة، وتجذبني الروايات البوليسية تارة أخرى، إضافة إلى الكتب العاطفية والأدبية الثقافية، وأستمتع بالقراءة عن حياة الأدغال. ومن الكتب التي قرأتها مُؤخرا، أذكر كتاب “تناقضات المؤرخين-دراسة التاريخ في زماننا” للمؤلف بيتر تشارلز هوفر، “أخطبوط اسمه الموساد” تأليف حنان أبو الضيا، “مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية” للمؤلف أندرو هيود، ورواية “العاصي” تأليف ميادة أبو يونس. كما أنني في مجال الرواية تأثَّرت بروايات إحسان عبدالقدوس، والكاتب إبراهيم عبدالمجيد. وفي السياسة تأثرت بمحمد حسنين هيكل، كذلك من الكتب التي أثَّرت في كتاب “فلسفة الثورة”، والذي يحمل أفكار الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وهو من تحرير وصياغة محمد حسنين هيكل.

“في سبيل التاج”.. انطلاقة الجهوري في حب القراءة

ومن جانبه، يقول الكاتب والمترجم بدر الجهوري: إنه من الصَّعب اختيار كتابٍ واحد أضعه على قمة هرم قراءاتي، لكلِّ كتاب ذكرى خاصة؛ فبمجرد ذكر اسم الكتاب أعود للحظة قراءته؛ فأستشعرها بكل حواسي. سأظلم كثيراً منها إن اخترت واحدًا على أساس الموضوع أو المؤلف.. مُستدركاً: لكنني اليوم سأختار واحدًا؛ لأنه كان بداية انطلاقتي الحقيقية نحو حبِّ القراءة. والسبب أنَّ الكتاب جاء هدية من أحد أعظم أساتذتي رحمة الله عليه. عرفني -وأنا الطفل في الصف السادس الابتدائي- بالأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي. ولما رأى فضولي الطفولي، قال لي: اقرأ كتاب “في سبيل التاج”. وهنا كانت البداية.

ويضيف الجهوري: الرواية رغم تعدُّد ثيماتها، تتلخَّص في الصراع النفسي الذي يعيشه أمير مملكةٍ ما، يكتشف خيانة والده الملك الذي يُريد تسليم المملكة لخصومها؛ فلا هو يريد لمملكته أن تسقط، ولا يريد تلويث سمعة والده.. مشيراً إلى أنه وبعيداً عن الحبكة الرائعة للرواية فإنَّ أكثر ما شدَّه هو أسلوب المنفلوطي المميز في وَصْف الحزن، “تلك الثيمة التي لازمته في جميع كتاباته تأليفاً كانت أو ترجمة؛ فمن الصعب أن تنهي “الفضيلة” أو “الشاعر” أو “تحت ظلال الزيزفون” أو “العبرات”، إلا وقد سالت عبراتك”.

ويحاول الجهوري أن يختصر حكايته مع المنفلوطي.. قائلا: باختصار، المنفلوطي رائعٌ في كآبته. مضيفاً: “في سبيل التاج” دفعني لقراءة الرواية العربية، وتحديداً عصر النهضة؛ فتنقلت بين: توفيق الحكيم، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس…وغيرهم. وكان هذا الكتاب الجذوة التي أوقدتْ في حبَّ القراءة، والتي ما زال ضوؤها يُنير طريقي إلى اليوم.

كتب عابرة

بينما بدأ الإعلامي هلال الزيدي حديثه بالقول: الكتاب هو خير جليس، وخير معين وصاحب، ومع انحسار الفكر واختلاط الأيديولوجيات بعضها ببعض، أصبحت الحصيلة الثقافية متشابهة جدًّا، أو إن جاز لي التعبير هي مُستنسخة مع اختلاف السياق الذي تأتي فيه؛ فالإصدارات كثيرة لكن سمينها قليل، وما تبقَّى فهو حشو بلا معنى، أو دعني أسميه “لعب بالمصطلحات”، وميل البعض إلى فلسفة الكلام الذي لا يعرف وجهته.

مضيفاً: بالنسبة لي، ومع تسارع وتيرة الحياة، وشن التكنولوجيا غاراتها علينا، أرى أن حركة النشر كثيفة، لكنها تفتقد لعناصر الكتاب وثقافته والفوائد التي تقدِّمها للقرَّاء؛ لذلك -ومع هذا الزخم- لم أجد الكتاب الذي أستطيع أن أسقط عليه عاملَ التأثير على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، إلا كتاب واحد فقط وهو كتاب قديم جديد، صالح لكل الأزمنة والأمكنة، إنه كتاب الله عزَّ وجل “القرآن الكريم”؛ فهو الكتاب الذي غيَّر مسار مليار مسلم في هذا الكون، وهو الدستور الذي بنيت عليه الحضارة الإسلامية. وعليه؛ فإنَّ ارتباطي وارتباط كل مسلم بهذا الكتاب الرباني يجعلني لا أفضِّل غيره، ولا أسلّم حواسي وخضوعي إلا له؛ لذلك فإنَّ التغيير الذي يُحدثه لا يختلف عليه اثنان؛ فهو واقع لا محالة إذا أقبل عليه المسلم بكل جوارحه؛ فمع قراءتنا المستمرة له فإننا عندما نقرأه مرة أخرى كأننا نقرأه لأول مرة.

ويواصل الزيدي: إذا عرَّجت على الكتب الوضعية (البشرية)، فإنني قرأت الكثيرَ منها، وأفضِّل دائما الكتب السياسية، أو ما تسمى بـ”الرواية السياسة”؛ لأنها تحمل مصداقية وواقعًا أكثر من الكتب الأخرى، هذا إلى جانب بعض المسرحيات التي تغوص في أعماق المجتمع، وتضع الفكرة في قوالب الخشبة. ومع ذلك؛ فإنَّ تلك الكتب لا تؤثر في مسار شخصيتي؛ فهي كتب عابرة تنتهي بانتهاء الفصل الأخير منها، لكن بعضها يُفتِّح أفكاري في الجانب المعلوماتي بشيء من الحقائق التي تدفعني إلى التمحيص والبحث عنها في مؤلفات أخرى. وهنا؛ عليَّ التأكيد على نقطة مهمة؛ وهي: ليس “كل ما يتناثر على الورق ليُصبح كتابا” كفيلًا بأن يُؤثر في القارئ، وليس من الاشتراطات أن تكون هذه الكتب مُؤثرة حتى نقول إننا استفدنا منها، ولكن على المرء أن يعوِّد نفسه على القراءة في شتى الجوانب؛ لأنها -وهي القراءة- مطوِّر وموجِّه.

الكتاب الصديق

ومن جانبه، قال المسرحي سعيد البوسعيدي: كتاب “المستطرف في كل فن مستظرف” لمؤلفه الشيخ شهاب الدين أحمد، هذا الكتاب كان بمثابة الكتاب الصديق لي أثناء دراستي بالمرحلة الثانوية؛ حيث أنهيت قراءته أربع مرات قبل أن أنهي المرحلة الثانوية، على الرغم من ضخامته وكِبَره؛ مما فتح لي آفاقًا كبيرة جدًّا من حيث المعلومات والثقافة بطرق وأساليب أدبية مختلفة كالقرآن والحديث والشعر والقصة في نفس الموضوع، حسب مواضيع الكتاب المتنوعة؛ لذلك كان هذا الكتاب سببًا لحبِّي الشديد للقراءة في المرحلة التالية من حياتي، خاصة مرحلة الدراسة الجامعية، وهو الأمر الذي استمرَّ معي في المرحلة التي تلت تخرجي في الجامعة.

مضيفاً: لقد ساهم هذا الكتاب -بشكل واضح- في حبِّي للقراءة والاطلاع بشكل أكبر، مما أحدث نقلة نوعية في جانب تخطيطي لشتى الجوانب المختلفة في حياتي؛ بسبب الأمثلة والقصص الواقعية التي ورد ذكرها في الكتاب. وفي المُجمل، أعدتُ قراءة الكتاب نحو ست مرات؛ لذلك أستطيع القول بأن هذا الكتاب كان سببًا في اقتنائي لجميع الكتب التي قرأتها من بعده؛ من حيث: المعلومات الاجتماعية الحياتية، وأيضا من حيث تنوع الطرح من أساليب أدبية مُختلفة.

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين!

الشاعرة أحلام الحضرمية قالت إن كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين!” لأبي الحسن الندوي، هو الكتاب الأهم في مشوار القراءة الذي تعشقه كثيرا. وترى أحلام أنَّ هذا الكتاب اختصر جُملة المتغيرات التي تحدُث في حياة الإنسان العامة والخاصة؛ فمن حيث الحياة العامة أشار الكتاب إلى تاريخ الحضارات منذ بدايتها وأسباب نموِّها وازدهارها، والأسباب التي قادتْ إلى اضمحلالها، وكذلك بيَّن أثر الديانات على إنسان تلك الحضارات، وكيف أنَّ الدين يُوازن بين علاقة الفرد بالآخر، وعلاقته بخالق الكون. وبعد قراءتين متأنيتين لهذا الكتاب، أستطيع القول بأنَّ فكرة الكتاب التي دار في فلكها؛ هي: “كلما جنح الإنسان إلى المادية، انحدر من إنسانيته وانحط عنها”، وهذه الفكرة استطاعتْ أن تقنعني بأنَّ اتباع منهج الوسطية في الحياة.. (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (سورة القصص:77). ذلك التوازن النفسي في داخلي، وأنَّ أي ميل عن هذه الوسطية كفيل لدفع الثمن!

أما عن التأثير الذي تركته قراءة هذا الكتاب على نوعية الكتب في المرحلة التي تلت قراءتها له، تقول أحلام: على الرغم من إعجابي الشديد بهذا الكتاب، إلا أنه لم يؤثر على توجهي في اختيار نوعية الكتب التي قمتُ باقتنائها فيما بعد.. ولو حدث أن قرأت في ذات المجال؛ فلأنني أعود بعد فترة؛ بحكم أنني أحب تنويع قراءاتي في المجالات المختلفة؛ فتارة أقرأ في الدين، وتارة في التاريخ، وتارة أخرى في السياسة، وقس على ذلك أي كتاب يُصادفني، لا لوقتٍ معين، ولا لمكان محدد.

القراءة تثري شخصية الإنسان بصورة تراكمية

ويقول المسرحي محمد الضبعوني: بداية؛ أودُّ أن أؤكد أن القراءة بشكل عام تساهم في إثراء شخصية الإنسان، وإن كان هذا الأمر يحدث بصورة تراكمية، وقد لا يشعر به الشخص؛ كونه يأتي مع مرور الزمن، ومع تعدُّد القراءات. ولكن لأن سؤالك يطلب تحديد كتاب معين، أو الكتاب الأكثر تأثيرا على حياتي، وإجابتي هي كتاب “البخلاء” للجاحظ؛ وذلك لكونه كتابًا يحتوي على نوادر وطرائف جميلة، كما أن لغته راقية جدا، وهو يستعرض مسيرة من التاريخ العربي. قراءتي لهذا الكتاب ساهمتْ -بشكل كبير- في زيادة ثقافتي واتساع مداركي وفهمي للحياة وللأمور والمواقف التي أعيشها يوما بعد آخر، ولشدة إعجابي بهذا الكتاب فقد أعدت قراءته 3 مرات، وهو بكل تأكيد ساهم في تحديد نوعية الكتب التي قرأتها في المرحلة التي تلت قراءتي له، والتي سأقرأها مستقبلا.

3,371 total views, 2 views today