IMG-20140525-WA0008

د. حسن أحمد جواد اللواتي

استعرضنا في الجزء الأول من المقال، خلاصة مُوجزة جدًّا عن متن النظرية وآليتها، وطرحنا إيضاحا عن الفارق بين المعنى العرفي لمصطلح (النظرية) والمعنى الاصطلاحي له، والفارق بين النظرية والفرضية، كما تعرَّضنا لبضعة مقدمات منهجية عن أنواع الأدلة المستخدمة للبحوث العلمية؛ وبالذات في العلوم الطبيعية، على أن نقوم في هذا الجزء بعرض أدلة النظرية باختصار.

أدلة نظرية التطور

تنقسمُ الأدلة على النظرية إلى مجموعات، وسنقوم بشرح كل مجموعة بإيجاز، وقد نطرح مثالاً على كل نوع، على أن نترك التفصيل في الأمثلة للكتب المختصة بهذا البحث، وسوف نطرح في نهاية المقال قائمة مختصرة بكتب مفيدة في هذا المجال.

الأحفوريات:

هي بقايا أو آثار حيوان أو نبات محفوظة في الصخور، أو مطمورة تحت طبقات الأرض خلال الأحقاب الزمنية، وتُظهِر لنا أشكالَ الحياة بالأزمنة الماضية؛ وبالتالي فإن الأحفوريات التي يتم العثور عليها في الطبقات الأكثر عمقا من الأرض تكون لكائنات حية عاشت في فترة أكثر قدما من تلك التي يتم العثور عليها في الطبقات الأقرب للسطح. وبدراسة الأحفوريات ومقارنتها بالعمق الذي تمَّ العثور عليها فيه، نستطيع تكوين فكرة عن الترتيب الزمني الذي عاشت فيه تلك الكائنات الحية، ونعرف بالتقريب الفترة التي عاشتها والزمن الذي انقرضت فيه، ونعرف الكائنات التي عاشت قبلها وتلك التي عاشت بعدها. وعند مقارنة تلك الكائنات ببعضها، نجد أن الكائنات الأبسط والأقل تطورا كانت تعيش في فترات أسبق من الكائنات الأكثر تعقيدا وتطورا، وهذا التسلسل الزمني -المتسق مع درجة التطور بالكائنات الحية- دليل على أن الكائنات الحية تتطوَّر مع الأحقاب الزمنية. وهناك سبب آخر لاعتبار هذا الدليل مهمًّا جدًّا في نظرية التطور؛ وذلك لأنه يوفر عنصرا مهما جدا يجب توفره في النظريات العلمية؛ وهو: القابلية للتخطئة (أو التكذيب)؛ فالنظريات العلمية يجب أن تكون قابلة للتخطئة؛ أي يجب أن توفِّر لنا طرحا يمكن تحديه ومنازلته من خلال البحث عن الأدلة التي تُظهر عكس ما تدعيه النظرية. فإنْ لم تكن النظرية قابلة للتخطئة، فإنها لا تعتبر نظرية علمية، وتكون أقرب للآراء والتحليلات الشخصية. والأحفوريات توفر لنا القابلية للتخطئة في نظرية التطور؛ فكما أسلفنا أنَّ الكائنات الأقل تطورا تكون أحفورياتها في الطبقات الأكثر عُمقا، في حين أنَّ الكائنات الأكثر تطورا تكون أحفورياتها في الطبقات الأقل عمقا؛ وذلك لأنها تتبع التسلسل الزمني للتطور؛ وبالتالي فإنْ حدث ووجدنا كائنا متطورا في طبقات عميقة، فإن ذلك سيدل على خلل في التسلسل التطوري ويهدم النظرية، وقد حدث وأن وُجِّه سؤال إلى عالم الأحياء هالدين عن الدليل الذي يُمكن أن يهدم نظرية التطور (أي عن العنصر الذي يجعل النظرية قابلة للتخطئة)؛ فأجاب بأنْ “عثرت على أحفور أرنب في فترة العصر ما قبل الكامبري” (وذلك لأن الأرانب أكثر تطورا مما يتوقع العثور عليه في تلك الفترة الزمنية)، وبالفعل فقد استمر جوابه كنوع من التحدي العلمي لتخطئة النظرية وهو أن تعثر على الكائن المتطور في طبقات الأرض التي ترجع للفترة الزمنية الأكثر قدما مما تتوقعه النظرية.

(الصورة 1: الخط الزمني للأحفوريات والمتوافق مع درجة تطور الكائنات بها)

التشريح المقارن والأعضاء الأثرية

تخيَّل أنك تُريد تجديد وتطوير منزلك وتوسعته وإضافة غرف أخرى به؛ لديك اختياران: إما أن تنتقل إلى مسكن مؤقت آخر وتدع العمال يهدمون ما يتطلب هدمه ويبنون ما يتطلب بناؤه حتى يكتمل المنزل وتعود للسكن به، وإما أن تظل تسكن في نفس المنزل وتسمح للعمال بإجراء تجديدات محدودة؛ وذلك لأنَّ سكنك بالمنزل أثناء العمل به يضع قيودا على ما يُمكن عمله به، كما أنَّه يجبرك على أن تبقي على بعض الأمور القديمة دون تجديد، أو على الأقل أن تحاول إيجاد وظيفة جديدة لأشياء قديمة. وهذا النوع الثاني من التجديد هو نفسه ما يحصل في عملية التطور؛ لأنَّ الكائنَ الحيَّ لا يستطيع ترك بدنه أثناء التطور؛ ويضطر بالتالي لتجديد ما يُمكن تجديده والإبقاء على الهياكل القديمة دون وظيفة، أو إيجاد وظيفة أخرى لها غير التي كانت تستخدم لها سابقا.

التشريحُ المقارن هو دراسة أوجه الشبه وأوجه الاختلاف في تشريح الأنواع المختلفة من الكائنات الحية، ويبيِّن لنا التشريح المقارن وجودَ تشابه غريب بين الهياكل البنيوية للأنواع المختلفة؛ فتجد أن هناك نفسَ العظام التي تشكل اليد في الإنسان موجودة في قدم الكلب وزعنفة الحوت وجناح الطائر، ولكن بشكل مختلف إلى حد ما؛ مما يوحي لك بأنَّ هذه العظام قد تعرضت لعملية تطور من شكل لآخر مع بقائها في مواقعها في مختلف الكائنات، بالرغم من أنه كان من الممكن أن يتم تصميم تلك الأعضاء -مثل الزعانف والأجنحة- بشكل مختلف تماما، ودون وجود تلك العظام.

(الصورة 2: التشابه التشريحي للبنية الداخلية للأعضاء المختلفة خارجيا في مختلف الكائنات الحية)

الأعضاء الأثرية:

هي بقايا أعضاء كانت لها وظائف محددة في الكائنات الأقدم، ولكنها فقدت وظيفتها مع تطور الكائنات الحية، أو أنَّ الكائن الجديد استخدمها في وظائف جديدة غير التي كانت لها أصلا. ومن أمثلتها: بقايا عظام الأطراف في الثعابين، وبقايا عظام الحوض والفخذ في الحيتان، والعضلات الصغيرة التي يفترض أنها تحرك الأذنين في الإنسان في اتجاهات مختلفة كما تفعل الكلاب والقطط، والعضلات الصغيرة التي يفترض أنها تنصب شعر الإنسان في حالات الكر والفر، كما في القطط مثلا وهكذا. والجدير بالذكر أنَّ بعض الأعضاء الأثرية تكتسب وظائف جديدة مع مرور الزمن، ولكن تأمُّل بنيتها الأساسية يجعلنا ندرك أنها كانت تؤدي وظائف مختلفة في وقت سابق من التطور، وبتأمُّل هذه الأعضاء يدرك المرء أن ذلك الكائن بأعضائه الأثرية هو أشبه بالمنزل الذي تم تجديده وتطويره دون أن يُغادره سكانه؛ حيث بقيت بعض الهياكل في المنزل على حالها بالرغم من عدم احتياج التصميم الجديد لها، ووجودها دليل على أن ذلك الكائن الحي إنما تعرض لعملية تطور من كائن أقل تطورا، وإلا فلو كان قد خلق كما هو لما احتاج للبقايا القديمة من الكائنات الأقدم والأقل تطورا منه في جسمه.

(الصورة 3: بقايا عظام الحوض بالحوت)

جـ التوزيع الجغرافي والزمني للكائنات الحية في الأرض:

عند حديثنا عن الأحفوريات، تعرَّضنا لموضوع التناثر الزمني للكائنات الحية عبر تاريخ الكرة الأرضية؛ حيث نجد أحافير الكائنات الأقل تطورا في حقب زمنية أقدم من تلك التي نجد فيها أحافير الكائنات الأكثر تطورا؛ بحيث أننا إن استعرضنا خط الزمن لتاريخ الأرض لوجدنا كائنات حية مختلفة متفاوتة في درجتها التطورية بشكل متسلسل وتدريجي بدءا من الأقل تطورا إلى الأكثر تطورا.أمرٌ آخر يُعطينا نفسَ الإيحاء وهو التوزيع الجغرافي للكائنات الحية؛ فمثلا الجرابيات موجودة في القارة الأمريكية الجنوبية وأستراليا ونيوغينيا، وبالطبع ستوجد فيها اختلافات حسب مكان وجودها، وقد يتساءل المرء عن الطريقة التي استطاعت بها هذه الحيوانات التنقل من قارة لأخرى، عابرة محيطا هائلا من المياه، ولكن تاريخ الأرض يظهر لنا أنه بفعل حركة الصفائح التكتونية للأرض، فإن أستراليا ونيوغينيا والقارة الأمريكية الجنوبية وحتى المتجمدة الجنوبية، كانت كلها عبارة عن قارة واحدة متصلة في فترة من فترات الأرض وتسمى بجوندوانا؛ حيث عبرت أجداد تلك الحيوانات عبر الأراضي التي هي موجودة حاليا في قارات مختلفة، وكان لها تركيب متماثل، ولكنها بعد أن انفصلت في قارات مختلفة أخذتْ طُرقا وتشعُّبات تطورية مختلفة جدا؛ لأنَّ كلَّ مجموعة منها أصبح لها منطقة نفوذ خاصة من مصادر الغذاء ومصادر الخطر مختلفة عن تلك التي للمجموعات الأخرى؛ وبالتالي تعرَّضت لضغوط تطورية مختلفة من الانتخاب الطبيعي، وهكذا نرى أنَّ انفصال الأفراد سمح بتشكل خطوط مختلفة من شجرة التطور في أماكن مختلفة من تلك التي كانت متحدة في الماضي.

(الصورة 4: رسم توضيحي لموقع القارة الموحدة جوندوانا)

(الصورة 5: بالرغم من أن الجرابيات قد انحدرت من موقع جغرافي قديم واحد بقارة جوندوانا، إلا أنها بعد انفصال القارات أخذت أشكالا وبُنى مختلفة حسب بيئاتها الجديدة)

دالأدلة الجينية

بالرَّغم من أنَّ الأدلة والشواهد السابقة تعطينا اطمئنانا جيدا جدًّا بصحة النظرية، إلا أن الأدلة الجينية ترفع سقف القناعة إلى مستوى أعلى بكثير من كل ما سبق، هذه الأدلة لم تكن متوفرة لدى تشارلز دارون ولم تتوافر إلا حديثا.

المادة الوراثية (DNA) أو (الجينات) -كما أسلفنا- هي الخريطة التي من خلالها تستطيع الخلايا بناء الجسم وتكويناته ووظائفه، وهي التي تحمل صفاتنا الوراثية من جيل إلى جيل؛ وبالتالي نستطيع أن نعلم درجة القرابة بين شخصين من خلال مقارنة المادة الوراثية لهما؛ حيث يصل التشابه في المادة الوراثية بين إنسان وآخر مثلا إلى حدود 99.9%، ويكون التفاوت بينهما محصورا في 0.1% فقط؛ وبالمثل نستطيع أن نستعمل درجة الشبه في المادة الوراثية بين الأنواع المختلفة من الكائنات الحية، ونقارن ذلك الشبه الجيني بالتشابه الذي افترضناه من خلال الأدلة الأخرى التي سبق ذكرها في المقال، وهي تؤيدها وتزيدها دقة، ولكن الأمر المثير هو أنَّ كمية التشابه في المادة الوراثية للإنسان مثلا مع الكائنات الأخرى كبيرة جدًّا وتصل إلى حوالي 98.8% (مما يعني أنَّ التفاوت هو بمقدار 1.2% فقط)، وهو ما يجعلنا نُؤمن أكثر وأكثر بأنَّ الكائنات الحية نشأت بآلية تطورية مشتركة، وتفرَّعت في فترات زمنية مختلفة مع الاختلافات المشهودة في المادة الوراثية.

وهناك المزيد.. لنرجع إلى مثال الإنسان والشمبانزي، الفارق التطوري الزمني المطروح بينهما هو ستة ملايين سنة فقط، وهي فترة وجيزة جدًّا في عُمر التطور. وبالرغم من هذه الفترة التطورية الوجيزة بينهما، إلا أن عددَ الكروموسومات (حاملات المادة الوراثية) في الشيمبانزي هو 24 كروموسوم، في حين أن عددها في الإنسان هو 23 كروموسوم، وهو في الوهلة الأولى دليل على خطأ نظرية التطور؛ لأنَّه لا يمكن أن يختفي كروموسوم كامل مع العدد الكبير من الجينات فيه خلال ستة ملايين سنة فقط، ولكن البحث الدقيق في كروموسومات الإنسان أظهر شيئا آخر؛ حيث تبين أنَّ الكروموسوم رقم 2 في الإنسان هو عبارة عن اثنين من الكروموسومات المندمجة مع بعضها لتشكيل كروموسوم واحد، وهذا أمر تمَّ التحقق منه بشكل لا يترك مجالا للشك. وبإمكاننا أن نقبل حدوث اندماج بين اثنين من الكروموسومات خلال ستة ملايين سنة، والتفسير الأبسط لهذا الأمر هو أن فردا انتقاليا بين النوعين حدثتْ فيه طفرة دمجت بين الكروموسومين وانتقلت نتائج الطفرة في ذرية النوع الإنساني.

وهناك المزيد.. هناك ما يُسمَّى بـ”الجينات المعطلة”، وهي جينات كانت لها وظيفتها في مرحلة زمنية ما من التطور، وفقدت تلك الوظيفة في مراحل لاحقة، ولكنها بقيت موجودة في المادة الوراثية، وهو أمر يُذكِّرك بالأعضاء الأثرية التي ذكرناها سابقا كبقايا لأعضاء كانت ذات وظيفة أساسية في مرحلة ما، كما يُذكِّرك بأنَّ عملية التطور البيولوجية تشبه إجراء تطويرات بالمنزل الذي تسكنه دون أن تغادر ذلك المنزل، الجينات المعطلة قد تحتفظ بوظيفة جزئية مثل تنظيم استنساخ جينات أخرى، ولكن بشكل عام تظل معطلة، هذه الجينات تنتج عادة بشكل عشوائي حسب الأسباب الآنية التي تنتجها؛ لذلك فإنَّ وجود تلك الجينات المعطلة في أكثر من نوع من الكائنات الحية يجعلك مضطرا لأن تفترض أنَّ هذين النوعين لهما أصل مشترك واحد؛ وذلك لأنَّ هناك ما يزيد على ثلاثة وعشرين ألف جين في المادة الوراثية، وفي كل جين هناك في المعدل ألف وثلاثمائة وخمسين وحدة بنائية يُمكن أن يحدث فيها الخطأ أو الطفرة المسببة للجين المعطل، وفي كل موقع هناك عدة أشكال من الطفرات التي يمكن أن تسبب الخطأ المسبب للجين المعطل. أو بعبارة أخرى، فإنَّ هناك حوالي 3 بلايين موقع في المادة الوراثية، وكل منها يحتمل الخطأ والطفرة؛ لذلك فإنَّ وجود نفس الشكل من الطفرات في نفس الموقع من الجينات وفي نفس الجينات في أكثر من نوع من الكائنات الحية، أمرٌ لا يُمكن تفسيره عقلانيًّا بالصدفة التي تسبَّبت بنفس الخطأ مرتين، كما لا يُعقل تفسيره عقلانيًّا بأنه خطأ مقصود مُصمَّم لينتج لنا جينا معطلا، وأبسط تفسير له منطقيا هو أن طفرة حدثت في نوع مشترك بين نوعين من الكائنات الحية، ثم حمل كل منهما ذلك الجين المعطل معه في مادته الوراثية، وهو ما لوحظ في أحد جينات البروتين بيتا من الهيموجلوبين الموجود في الإنسان والشمبانزي والغوريلا؛ حيث توجد طفرة معطلة للجين في نفس الجين ونفس الموقع ومن نفس النوع.

وهناك المزيد.. هناك ما يُسمَّى بالفيروسات التراجعية الداخلية، وهي أشبه بالأحفوريات الدقيقة في داخل المادة الوراثية؛ حيث إنَّ بعض الفيروسات التراجعية (أو القهقرية) تدمج نفسها في المادة الوراثية للخلايا الحية للكائنات لتتمكَّن من التكاثر، أحيانا يهاجم الفيروس خلية جنسية مثل الحيوان المنوي أو البويضة، ويدخل مادته الوراثية في مادتها الوراثية، ولأنَّ وظيفة الحيوان المنوي أو البويضة نقل المادة الوراثية من جيل لآخر، فإنَّ تلك المادة الوراثية الفيروسية يتم تناسخها ونقلها من جيل لآخر كجزء من المادة الوراثية الأصلية لذلك الكائن الآخر، ويقدر بأن ما بين 1-8% من المادة الوراثية لدى الإنسان هي مادة فيروسية الأصل من الفيروسات القهقرية التي بقيت لدينا، المثير أنَّ لدى الشمبانزي سبعة من تلك الجينات الفيروسية القهقرية نفسها التي لدى الإنسان، وهي موجودة في نفس الموقع بالضبط؛ حيث توجد في الإنسان أيضا ولديها نفس التركيب بالضبط. هذا قد يُمكن تفسيره على أن دخول الفيروس للمادة الوراثية حدث إمَّا عدة مرات مستقلة في أكثر من نوع من الكائنات الحية، وهو أمر غير مقبول عقلانيًّا لضعف احتماله؛ حيث -كما ذكرنا- إنَّ المادة الوراثية بها أكثر من 23 ألف جين، ووجود جسم غريب بنفسه في نفس الموقع بالضبط يقرب احتماله من الصفر، في حين أنَّ تفسيره بانتقال المادة الفيروسية إلى نوع مشترك سابق بين النوعين أقرب للقبول العلمي.

هـنحن نفعلها كل يوم:

بالرَّغم من أن عملية التطور تستغرق أحقابا زمنية بالغة الطول لإنتاج نوعيات جديدة من الكائنات الحية تصل إلى مئات الملايين من السنين؛ بحيث لا يُمكننا أن نشاهدها وهي في طور الحدوث بشكلها الاعتيادي بالطبيعة، إلا أنَّ الآليات التي تستخدمها لا تتطلب منا كلَّ ذلك الانتظار إن أخذنا الأمور في يدنا؛ فالهندسة الوراثية والتهجين والتربية الاختيارية لأنواع معنية هي آليات نشاهد من خلالها حلقات متفرقة من التطور بأعيننا، كما أنَّ تطوُّر أنواع من الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية أو تطور أنواع من الحشرات المقاومة للمبيدات الحشرية حلقات أخرى نراها بأنفسنا من عمليات التطور التي استغرقت وقتا أقصر بسبب تدخلنا البشري في تسريع بعض العمليات التطورية.

(الصورة 6: الانتخاب الصناعي بتربية الحيوانات ينتج أنواعا مختلفة جديدة)

(الصورة 7: الهندسة الوراثية والمحاصيل المعدلة جينيا تطبيق آخر لقدرتنا على تغيير الكائنات الحية)

(الصورة 8: العلاج الجيني مثال آخر على القدرة التغييرية الهائلة للجينات)

(الصورة 9: المقاومة الناشئة في الجراثيم ضد المضادات الحيوية مثال واضح على التطور المستمر)

ما أوْرَدناه من شواهد على النظرية كافية لندرك أنَّ الأمر ليس مجرد تكهنات وفرضيات، وإنما نظرية صلبة قائمة على أدلة حسية مُتطورة تتطلَّب مشاهدات مضنية وعملا طويلا يشمل عدة فروع من العلوم التطبيقية ويمزج عصارة عقول من مختلف فروع العلم.

وفي الجزء المقبل من المقال، سنستعرض بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة وغيرها الفلسفية التي طرحت على النظرية، وسنحاول مناقشتها.

10-1

10-2

1,894 total views, 2 views today