مِنَ الحريِّ بمكان أنْ نُشِيْر في بداية هذا الاستطلاع إلى أنَّ الجهودَ المبذولة من قبل بُؤر الثقافة في السلطنة قد أدَّت لتطور ملحوظ في منسوب الحراك الثقافي؛ فالنادي الثقافي ببرامجه المتنوعة، وجمعية الكتاب والأدباء، والمنتدى الأدبي، ومعهد جلالة السلطان للفنون، والجمعيات الفنية المتنوعة والمتاحف، والصالونات الثقافية -على قلتها- والمجلات والملاحق الثقافية، أوجدتْ جميعهاً نشاطا ثقافيًّا جيدا لا يُمكن إغفاله. ووجود أكثر من أربعين عنوانا عُمانيا في معرض مسقط الدولي الأخير للكتاب دليلٌ على النمو الذي يحصل في ميدان الثقافة.

إِلَّا أنَّ المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والحراك المعرفي في السلطنة يأملون بلوغ أفق أعلى من ذلك.

—————————————————-

 استطلاع: شرق غرب – خاص

—————————————————-

ناصر الحامد، علَّق يقول: الجانب الفني في الساحة الثقافية العُمانية ينقصه الحداثة، فيما يتعلَّق بتواصله مع الثقافات الأخرى في مجالات الفن والعلوم الإنسانية.. أجد أنَّ هذا الجانب ينبغي تعزيزه.
العمل المُؤسَّساتي
وَيَنْبَغي أيضاً تعزيز مفهوم الثقافة الإيجابي على مستوى العائلة والمدرسة. وبالطبع؛ تستطيع العائلة والأسرة أن تُؤسِّس أولى اللبنات الثقافية في الطفل، وهذا يُعزِّز مكانة هذا الجانب في المجتمع. ولكنْ أمهلني لأن أشرح لك مقصودي من كلمة الثقافة؛ فهذه الكلمة لها مفهوم ضيِّق مُترسِّخ في الأذهان، في حين أن تغييره إلى مفهوم شمولي تواصلي وتعاوني عوضا عن مفهوم الأحادية والانعزالي سوف يعمل على جَعْل النتاج الثقافي أغزر. ستعمل الثقافة الشمولية على مزيدٍ من تلاحم كل أشكالها في مكونات النسيج العُماني للوصول إلى هُوية جامعة مانعة دافعة وحاضنة للتميز.. أتمنى أنْ أرَى اندماجَ الشباب في أُطر متنوعة للثقافة تتمثَّل في تبادل الأطروحات والنقاش على أساس ناقد يستند إلى أساسيات معرفية صلبة.
وَأَضَاف الحامد يقول: في الجانب التنظيمي والإداري لتفعيل الحراك الثقافي، من الضروري أن يتحوَّل العمل الثقافي إلى مُؤسَّساتي؛ يرتكز على رعاية الكتاب والأدباء، وتشجيعهم؛ وذلك بتبني مشاريعهم الإبداعية والكتابية.
لا حكر على الفكر
وأَقْتَرح هُنا أن يتم إطلاق مشروع “لا حكر على الفكر”، مُتخذا من كلمات جلالته في هذا المجال أثناء لقائه بالطلاب في جامعة السلطان قابوس، قاعدة ينطلق منها. سوف يَرْعَى هذا المشروع حُرية التعبير على المستوى الأدبي والصحفي معا، ولا شك سيعمل على إيجاد تنوُّع كبير في مواد الثقافة. وضمن بنود هذا المشروع، بالإمكان إدراج تكريم الكتاب والأدباء العُمانيين والاهتمام بهم.
وَأَقْتَرح كذلك إطلاق مبادرة “اقرأ”، تتبناها الحكومة لتشجيع المواطنين على القراءة الإبداعية. وبالطبع؛ هذا يتطلَّب أن تتواجد مكتبات كبيرة حديثة في المحافظات تحتوي على إبداعات الكتاب العُمانيين والمهتمين بالثقافة، وأيضا تحتوي على مختلف الكتب في كل المجالات، مع توفير الكتب بأسعار رخيصة؛ بحيث يرتاد هذه المكتبات الرجال والنساء، ويُسمح لهم بمطالعة الكتب في المكتبة واستعارتها.
أَيْضًا، لا مانع من وجود قناة فضائية تهتم بالثقافة بمختلف أنواعها، والعُمانية خاصة، تقوم بمتابعة ورعاية الكُتَّاب والمبدعين العُمانيين.
تدعيم الهياكل الثقافية
لذلك فإن تدعيم الهياكل الثقافية و بناء مرتكزاتها كالمكتبات والأندية والمراكز والفروع وتفعليها بواسطة أكفاء من ذوي الإدارة و الإرادة يقرأون الواقع قراءة منصفة و يستوعبون تحدياته و يخططون لمستقبل يكون من أولوياته تمكين الوعي الثقافي و الحضاري للمواطن.. و ما أحوجنا في هذه المرحلة إلى المشاريع الثقافية المتراصفة مع الثقافة الإنسانية كالترجمة و الاتفاقيات الثقافية وغيرها من القنوات التي تتيح للأقلام العمانية أن تعبر بواسطتها و أن تستقبل أصواتا من أقاصي الأرض تشترك في النقاء و العطاء الإنساني.
و سيكون لتلك الهياكل و المرتكزات تنويرا متصلا بما تأسس به المواطن في تكوينه الأول في المدرسة و المنزل و بما رفده منهما من تعلق بقيم المعرفة و اكتساب لمهارات البحث الذاتي و النقد المنهجي.

—————————————————-

دار للترجمة لنقل المعارف

وَكَانَت لمياء القبطان أيضاً على قائمة من تَحدَّثنا معها حول تعزيز البُعد الثقافي والحراك المعرفي العُماني؛ فقالت: لا بد أولا من ضخ الثقافة في الأجواء، وجعلها متأثرة بالمعرفة عبر مكتبات عامة؛ لأنها التي تلعب الدور الأساسي والكبير في صقل المجتمع بالمعرفة، وغيابها -كما هو حاصل الآن مع الأسف- مُؤثِّر سلبا على التنمية الثقافية في السلطنة. وبَعْد ذلك، ينبغي أن يكون الكاتب محطَّ اهتمام كبير. ومن أشكال الاهتمام به إعانته على طباعة كتبه.أَيْضًا، أقترح أنْ تتواجد دار للترجمة توفِّر نقل المعارف العالمية إلى العربية، والأعمال العُمانية المتميزة إلى مُختلف لغات العالم. دار الترجمة لها أهمية فائقة في تلاقح المعارف وتنمية الثقافات، وأجدها ضرورية للغاية.
أمَّا الصالونات الثقافية؛ فهي أيضا مُهمَّة جدًّا، والسلطنة تفتقر إلى مثل تلك الصالونات، كما لا يوجد قانون يتولى بيان شروط تأسيسها وتنظيمها.. تعمل الصالونات الثقافية ومرافئ المعرفة على تشكيل ظاهرات معرفية وتدفع الثقافة العُمانية إلى مزيد من التطوُّر والإثراء. إنَّها تحتضن المناقشات المعرفية والحوارات الثقافية، وتستطيع طرح العديد من البرامج التثقيفية المتنوعة والدورات الأدبية؛ من قبيل: تأليف الشعر، والقصة، والرواية…وغيرها من الفنون الأدبية.

—————————————————-

المكتبات العامة
وَتَحدَّث الكاتب مُحمَّد بن رضا اللواتي عن وجهة نظره فيما ينقص الخدمات الثقافية؛ قائلاً: لنتحدَّث أولا وقبل أي شيء آخر عن المكتبات العامة، هذه بغيابها حرمت الناس من معايشة الجو الثقافي. بالطبع؛ الكلُّ مسؤول عن اهتماماته الثقافية فليقرأ ما شاء متى شاء كيفما شاء، ولكن تلعب المكتبات العامة دورًا مميزًا في ضخِّ أجواء المعرفة وتحفيز الهمم للاطلاع وتداول الشأن الثقافي. المكتبات العامة الذكية منها تستطيع أن تقدِّم حزمة من الأنشطة التي تقوم بتقوية الأبعاد الثقافية في المناطق التي تتواجد فيها: قراءة أسبوعية في كتاب، مسابقات معرفية، ندوة ثقافية، استضافة كاتب، جوائز تحفيزية للشباب في حالة ارتيادهم للمكتبة وقضائهم ساعتين فيها على كتاب أو أكثر.. وهذه كلها تُوْجِد جوًّا جاذبًا للناس إلى المعرفة.
وَبْعَد عِدَّة سنوات، ستشهد المنطقة التي تتواجد فيها مكتبة عامة ذكية أحداثا ثقافية حقيقية، وحينها يمكن الحديث عمَّا ينقصنا أكثر من الخدمات الثقافية. سيسهل على الناس التعرف على النواقص بسهولة.. فلنؤسس للخطوة الأساسية أولا، وليس بالضرورة أن تتحمَّل الحكومة مسؤولية توفير هذه المكتبات وحدها، بل يستطيع القطاع الخاص -وضمن مسؤولياته تجاه التنمية الاجتماعية- أن يُسهم في ذلك معها.
وَلْيَكُن من مسؤوليات الوزارة المعنية بالشأن الثقافي توفير الأرض، وتسهيل وتبسيط الإجراءات الأخرى المتعلقة بإنشاء المكتبات العامة، ثم تتم دعوة مؤسسات القطاع الخاص لتولية بقية الأمور من مُنطلق مسؤولياتها الاجتماعية. حدَّثني بعضُ رؤساء مؤسسات تجارية كبرى عن استعدادهم للدخول في هذه التجربة، وتقديم معلم معرفي كبير لولا أنَّ ما يُثبِّطهم هو غياب الدعم من الوزارة المعنية بالثقافة في هذا الصدد تحديدا.

—————————————————-
مَقَاهي خاصة للقراءة
الكَاتِبَة سلوى العامرية كان لها رأي حول الموضوع؛ حيث قالت: “أتمنَّى أنْ أرى مَقَاهي خاصة للقراءة، تتوافر فيها الجلسات التي تعكس الاهتمام العام بالشأن الثقافي.. ستعمل هذه المقاهي على جذب شرائح الشباب وتحفِّزهم على القراءة. ولاحقا؛ بإمكان هذه المقاهي أن تتحوَّل إلى حاضنة لأنشطة المفكرين والمثقفين؛ فتقام فيها ندوات للقراءة، ومناقشات في شتى مجالات المعرفة. كما تستطيع هذه المقاهي أن تُصبح محطات ترويجية لكُتب العُمانيين، وبالإمكان كذلك أن تكون لها أنشطة متنوعة جدًّا في المستقبل.

—————————————————-

مظلة ثقافية مدعومة
أمَّا وداد المانعية، فعلقت بقولها: لا شكَّ أنَّ السلطنة واكبتْ مُختلف التطورات الثقافية في الآونة الأخيرة، وهو ما انعكس على منسوب الوعي لدى الفرد العُماني. وقياساً على ذلك، فإنه بالإمكان اتخاذ معرض مسقط الدولي للكتاب نموذجاً للاطلاع على إحصائيات مُتنوعة تحدِّد اتجاهات الفرد العُماني القارئ ومدى اطلاعه. كما لا يخفى على الأغلب الأنشطة الثقافية المتنوعة التي تقيمها الجامعات والكليات، إضافة إلى الفرق التطوعية التي تحاول المساهمة في بث الوعي في المجتمع.
وَلَكِن.. هل يُمكن الاعتداد بمعرض مسقط كمصدر رئيسي، والأنشطة المتنوعة كمصدر فرعي؛ لاعتبارها مورداً لنشر الثقافة فقط؟ بالطبع لا؛ فنحن نحتاج إلى مظلة ثقافية مدعومة، تضم تحتها الفرق القائمة على نشر الوعي، إضافة إلى تسهيل إجراءات المبادرات الشبابية الطامحة في هذا المجال؛ وذلك بإقامة الدورات التثقيفية، وإبراز المواهب المختلفة في القطاع الثقافي.

—————————————————-

الواقع الثقافي .. و المأمول
وقال الكاتب والشاعر خميس قلم: شخصيا أرى أن الهياكل الثقافية متنامية في البلاد و أن دائرة الوعي الثقافي متواسعة فلا يمكن أن نغض الطرف عن جهود المؤسسات الرسمية والمدنية كالنادي الثقافي ووزارة التراث والثقافة وضمنها المنتدى الأدبي ومناشط الجامعات والكليات ودور جامع السلطان قابوس الأكبر وفعاليات الجمعيات الأدبية و الفنية وغيرها من المؤسسات والمبادرات الصالونات الخاصة غير أن الطبيعة الإنسانية تحتم علينا أن لا نضع سقفا لطموحنا في العمل الثقافي فتطلعنا للحراك الثقافي يزداد يوما عن يوم خصوصا أن المشاق في التعامل مع الذات و الجماعة في الداخل و الخارج تتفاقم يوما عن يوم.
لذلك فإن تدعيم الهياكل الثقافية وبناء مرتكزاتها كالمكتبات والأندية و المراكز والفروع و تفعليها بواسطة أكفاء من ذوي الإدارة و الإرادة يقرأون الواقع قراءة منصفة ويستوعبون تحدياته ويخططون لمستقبل يكون من أولوياته تمكين الوعي الثقافي والحضاري للمواطن.. وما أحوجنا في هذه المرحلة إلى المشاريع الثقافية المتراصفة مع الثقافة الإنسانية كالترجمة و الاتفاقيات الثقافية وغيرها من القنوات التي تتيح للأقلام العمانية أن تعبر بواسطتها و أن تستقبل أصواتا من أقاصي الأرض تشترك في النقاء و العطاء الإنساني.
وسيكون لتلك الهياكل والمرتكزات تنويرا متصلا بما تأسس به المواطن في تكوينه الأول في المدرسة و المنزل و بما رفده منهما من تعلق بقيم المعرفة و اكتساب لمهارات البحث الذاتي و النقد المنهجي.

1,522 total views, 2 views today