مهدي محمد رضا اللواتي

كُنتُ أسكُن في بَلْدَة كانت تبعُد عن واشنطن بأميالٍ عَدِيْدة جدًّا، ومع ذلك فإنَّ أبي كانَ يُصرُّ أنْ يأخذني وأمِّي وأختي وأخي الصغير إلى العاصمة الأمريكية كل 23 يوليو، طوال السنوات الخمس التي قضيناها هُناك.
كَانَ يَطْلُب مِنَّا أنْ نلبس ملابسَ ألوانها نفس ألوان علم بلادي “عُمان”، ثم نَقْطَع مسافة شاسعة بالسيارة، أحياناً كانت تستغرق 5 ساعات، حتى نصل واشنطن؛ لنُشَارك في الاحتفال الذي يُقِيمه الطلاب العُمانيون في الجامعات الأمريكية؛ بمناسبة ذكرى يوم 23 يوليو المجيد.
وَذَات يَوْم، سألت والدي: أبي، لماذا تُصرُّ أنْ نقطع كلَّ هذا الطريق لكي نصل واشنطن، ونُشارك في هذا الاحتفال؟
فَرَدَّ يقول: يا ولدي، لأنَّه في 23 يوليو قادَ جلالة السُّلطان قابوس بن سعيد المعظم النهضةَ العُمانيةَ المباركةَ، فأَخْرَج عُمان إلى عَصْر الظلام إلى عَصْر النور.
فَسَألتُه مُجدَّدا: ما الذي تَقْصِده بعصر الظلام وعصر النور؟
أَجَابَنِي يقول: عِنْدَما لا تكُوْن هنالك مدارس لكَي تتعلَّم فيها، وعِنْدَما لا تكون هنالك مُستشفيات لتعالَج فيها، وَعِنْدَما لا تكون هنالك شوارع لكي تقُوْد سيارتك فيها، وَعِنْدَما لا تكُوْن الكهرباء مُتوفِّرة في منزلك!! ألستَ تتفِّق مَعِي بأنَّ هذه الحالة ظلامية، وليست نوريَّة يا “علي”؟
فَأَجَبْتُه مَذْهُولا وغير مُصدِّق: وَهَلْ أَتَى عَلى عُمان الحبيبة وقتٌ لَم تَكُن فيها المدارس ولا المستشفيات ولا الشوارع؟
أَجَابَني مُبتسما بالإيجاب..!
فقُلْتُ: ولا حتَّى الكهرباء؟ وَكَيْف كانوا يَنَامون بلا مُكيِّفات؟ ولا يُشَاهدون التلفاز؟
ضَحِك أبي، وقال: لَمْ يكُوْنُوا قد سَمِعُوا عَن المكيِّف ولا التليفزيون يا علي.
صِحْت: بالتأكيد، إنَّ ذاك كان عصر ظلام.
فَقَال أبِي: كلَّ هذا الذي تُشاهده اليوم قد تحقَّق في 23 يوليو، الذي نُسمِّيه “يوم النهضة العُمانية”. ألا تتَّفِق معي يا علي بأنَّه ينبغي علينا المشاركة في هذا الحفل، ونُبْدِي فيه فَرْحَتنا وسُرُوْرنا لمَقْدِم جلالته وقيادته للنهضة؟
لَقَدْ تغيَّرت مشاعِري تمامًا، ولم أشعُر بالتعب لطول الطريق. لقد فَرِحْتُ كثيراً؛ لأنَّني حضرت الحفل، وشاركت تخليدَ هذا اليوم المجيد في ذاكرتي.
وَرَغْم طُوْل الطريق، إلا أنَّنا فَرِحْنا وابْتَهَجْنا كثيراً؛ فالعيدُ الوطنيُّ عيدٌ مجيدٌ ومُبهج جدًّا لكلِّ مُوَاطن أيْنَمَا كَان في شَرْق العالم أو في غَرْبه.
شُكْرًا لأبي، وَيَحْيَا جلالة السُّلطان قابوس المُفدَّى.

361 total views, 2 views today