د. حيدر بن أحمد اللواتي

عَلَى الرَّغم مِنْ أنَّ العلومَ الطبيعيَّة تُشكِّل حجرَ الزاوية في جميع التقنيات التي نستخدمها في حياتنا اليومية، بدءًا من الهاتف النقال، وانتهاء بالقنابل النووية، إلا أنَّ تاريخَ هذه العلوم لا يلم به الكثيرون، ولا تأخذ حيِّزا من اهتماماتنا بشكل عام. ومن اللافت للنظر أنَّ اهتمامَنا ينصبُّ على دراسة تاريخ الحروب والصراعات البشرية، ولكنَّنا -وبالمقابل- لا نَعْلِّم أجيالنا الحضارة البشرية السامية التي أوْصَلت البشرية إلى التطوُّر العلمي البديع الذي نعيشه في حياتنا اليومية.

إنَّ الاطلاعَ والتعرُّف على تاريخ العلوم له أهمية قصوى؛ فمن خلاله نستطيع أنْ نستشرفَ المستقبلَ، وأن نُخطِّط له؛ سواء لحياتنا الشخصية أو لمجتمعاتنا أو التخطيط على مستوى اقتصاديات الدول؛ لأنَّ الاطلاع والإلمام الدقيق، ثم التدبُّر والتأمُّل فيه، سيقودنا -ودون عناء كبير- إلى معرفة الاتجاه الذي ستسير عليه هذه العلوم، ومن ثمَّ نستطيع أنْ نُوجِّه استثماراتنا نَحْو التقنيات المناسبة، والتي -وكما نعلم جميعاً- تعتمدُ كليًّا على هذه العلوم وتطوُّرها.

إنَّ جُزءًا من أسباب التخبُّط الذي نَعِيْشه في المجال التربوي، يعُوْد إلى عَدَم وُضُوح الرُّؤية لدينا حول مُستقبل العلوم وكيفية تطوُّرها، وعادة يتم اللجوء إلى ما هُو مُتناول في الدول الأخرى، ودراسة تجاربهم، ومن ثمَّ وَضْع المخطط المناسب حسبما نراه، وهذا يُولِّد لنا جيلا مُلمًّا بالواقع الحالي، ولكنَّه لا يُلم بعلوم وتقنيات المستقبل الذي سيُواجهه. وهكذا، فإنَّ اعتمادنا على هذا النوع من التخطيط لن يُوْصِلنا مُطلقا إلى التقدُّم الذي ننشده، وإذا أردنا أن نقُوْم بالتخطيط السليم للمستقبل لإعداد جيل يتسلَّح بعُلوم الغد، فلابد لنا من دراسة تاريخ العلوم وتطوُّرها؛ لأنَّ تاريخ العلوم سيدلنا على السبيل الأمثل لوضع مُخطَّط واضح حول مستقبل العلوم، وما يجب أن نُركِّز عليه، وما يجب الابتعاد عنه.

وَعَلى الرَّغم مِنْ أنَّنا نَتَناول إسهامات العرب والمسلمين في تطوُّر العلوم وتقدُّمِها، إلا أنَّ ذلك غير كافٍ على الإطلاق، بل لابد من إكمال الصُّورة، ودراسة تاريخ العلوم الحديثة، وهذا وللأسف الشديد غائب وبشكل كامل عن منهاجنا الدراسية؛ سواء المدرسية أو الجامعية.

إنَّ أهميةَ دراسة تاريخ العلوم لا تقتصر على الأبعاد الاقتصادية والتربوية فحسب، بل لها أهمية كبيرة على المستوى الاجتماعي أيضًا؛ لأنَّ هذه العلوم تؤثر -وبشكل كبير- في العلاقات الاجتماعية. وغنيٌّ عن القول كيف أنَّ ثورة الاتصالات والتواصل الإلكتروني أحدث تغييرات كبيرة جدًّا في البُعد الاجتماعي؛ حيث نجد أنَّها أثرت في نظام الأسرة وبشكل كبير؛ فهناك أسر تكوَّنت من هذا النوع من التواصل، وأخرى تهدَّمت، كما نجد أنَّ نمطَ العلاقات الاجتماعية قد تغيَّر تماماً عمَّا كان سائداً من قبل.

أمَّا على المستوى السياسي، فقد كشفت الأحداث الأخيرة في العالم العربي قوَّة وأهميَّة شبكات التواصل الاجتماعي؛ حيث تمَّ توظيفها في عددٍ كبير من هذه الأحداث ولأغراض مُختلفة، وهذه الشبكات الاجتماعية نتاجٌ من نتاجات التطوُّر العلمي كما هو معلوم.

بَل إنَّ تأثيرَ العلوم الطبيعية تغلغل حتى في الأبعاد الفقهية والعقدية أيضًا؛ فالخلافُ الفقهيُّ في تحديد بدايات الأشهر العربية كان نتيجة لتطور العلوم الفيزيائية والفلكية؛ حيث إنَّ هذه العلوم تجاوزتْ المعرفة بولادة الهلال إلى تحديد الشروط التي تُمكِّننا من رؤية الهلال بالعين المجردة، وأحد أسباب الخلاف الفقهي القائم هو القيمة الشرعية لإمكانية الرؤية، وهل هي كافية لإثبات بداية الشهر أم لابد من تحقُّق الرؤية واقعا. كما أنَّ ثورة الاتصالات، وقدرتنا على التواصل مع مُختلف أرجاء العالم وبشكل مباشر، أدت إلى تعقيد المسالة أكثر؛ حيث طرح السؤال عن الرؤية في بلد ما في أقاصي العالم، وهل هي كافية لإثبات الرؤية في بلد آخر يبعُد عنه آلاف الكيلومترات.

كَمَا كَان لهذه العلوم الأثر الأكبر في البُعد العَقَدي، خاصة في أوروبا؛ فالبعضُ مثلاً رَأى أنَّ نظرية الانفجار العظيم تثبت أنَّ هُناك خالقا لهذا الكون، ورأى آخرون أنَّ نظرية تعدُّد الأكوان تدلُّ على عشوائية محضة في أصل الخلقة؛ وبالتالي تنفي وجود إله خالق لهذا الكون، إضافة إلى ما أنتجته العلوم البيولوجية، خاصة علم الأجنة، من إشكاليات عديدة حول الجبر عند الإنسان، وهل لديه حُرية اتخاذ القرار، أم أنه مجبور على اتخاذ قرارات معينة نتيجة لخريطته الجينية!!

وَمِن هُنا، فإنَّنا نَرَى أهمية القيام بطرح تاريخ العلوم وتطورها في المراحل المدرسية والجامعية المختلفة، لكننا نُؤكِّد في الوقت ذاته على أهمية التركيز على الطرح الذي يتناول الموضوع، لا كحدث تاريخي يُسْرَد ويحفظه الطالب ليقدم امتحانا يسترجع فيه ما تم حفظه من أحداث وتواريخ؛ فذلك لن يُوْصِل إلى الغاية المطلوبة، بل لابد من طرح المادة العلمية ومناقشة الأفكار ونقدها نقدًا علميًّا قويًّا ودقيقًا، كما لابد من الإشارة إلى التأثيرات الاجتماعية والدينية والاقتصادية…وغيرها على تطوُّر العلوم الطبيعية والعكس، حتى نستطيع أنْ نُنْشِئ جيلا يفكر تفكيرا صحيحا، ويستطيع أن يستشرف المستقبل ويخطط له تخطيطا جيدا. ولابد من الالتفات إلى أنَّ المتصدِّي لطرح هذه المادة العلمية يملك من القدرة والكفاءة العلمية ما يُمكِّنه من طرح هذه المادة العلمية بشكلها الصحيح، ومن أهم مواصفاته أنْ يمتلك ذهنية تحليلية قوية يستطيع من خلالها تفكيك المسائل بشكل مُذهل، والتخلص بقدر كبير من خلفيته التي نشأ عليها لينظر إلى الأمور بحيادية كبيرة نسبيًّا.

إنَّ طَرْح تاريخ العلوم الطبيعية، سيُحتِّم علينا التعرُّض -ولو بشكل مُبسَّط- إلى ما يُعْرَف بـ”فلسفة العلوم”، والتي يُقصد بها تحديد الطرق التي يكسب من خلالها البشر المعرفة العلمية، وما هي حدودها وأوجه القصور فيها؛ وبالتالي تحديد كَوْن هذا العلم أو هذه النظرية قائمة على أسس علمية أو غير علمية من حيث القواعد المعرفية وطرق الاستدلال وأدوات النقد.

إنَّ التحدِّي الذي نُواجِهه، والمحاولات القائمة التي يتم التركيز فيها على المواءمة بين سوق العمل والمخرجات الأكاديمية، لا يُمكِن الوصول إليه دون التعرُّض إلى هذا النوع من الدراسات، والتي ستُخْرِج لنا جيلاً مُفكِّرا ينظرُ للمستقبل نظرات ثاقبة، ويستطيع أن يوجِّه بوصلته إلى الجهة الصحيحة.

626 total views, 8 views today