أ.د عادل عوض أستاذ المنطق ومناهج البحث العلمى كلية الآداب / جامعة المنصورة / مصر.

 

 


 

هل الوعي مرتبط بالإلكترون والكوارك؟

لقد اختزلت التفاعلات بين الجسيمات لتصبح تفاعل جسيم منفرد مع أخر، مثل هذا التفاعل جعل البعض يفترض أن الوعي قد يكون مرتبط مع هذا التفاعل أو التصادم الجسيمى أو التفاعل الموجى بين هذه الجسيمات. ومهما لعب الوعي أى دور في التفاعلات الخاصة بالجسيمات الأولية وارتباطه بها، فلا يمكن أن يكون وعينا المرتبط بالوظائف المخية مرتبطاً بأحدث هذه التفاعلات.

   ماذا عن المكان والزمن؟ فالتواصل بين الوعي والعمليات الفيزيائية لايمكن شرحه في ظل وجود محدودية في الاحداثيات المستعملة. وتوصيل الوعي يجب أن يتجسد في كل المكان والزمان، وكل هذه الشروط لم تعطى شىء مشتركا في هذا المجال الواسع، ومدنا بالمعلومات التى نحتاجها. فالزمكانية  دون تمثيل للجسيمات والمجالات لا تعطينا أى شىء ويجب أن نبحث في موقع آخر([i]).

كيف يرتبط الوعي مباشرة مع التركيب المعتاد للعالم الفيزيائى، هكذا يقوى المؤلف مثل الفراغ والزمن والكتلة والجسيمات أو أى من القوى الأساسية الكونية. بالطبع هناك اتصال مع كل هذه الأشياء ( كل منها يعد مادة لوعينا) . نحن نفترض أن الشئ الذى لم ناخذه فى الاعتبار هو بعض عمليات ميكانيكا الكم. ولابد أن نجد نقطة البداية للإجابة عن هذا اللغز المحير عن الوعى. يجب أن نستطيع تحويل أفكار ميكانيكا الكم إلى معانى حقيقية يمكن اختبارها والتنبؤ بالنتائج. فإن افترضنا أن الوعى هو كمية غير فيزيائية لايمكن قياسها، نكون قد خرجنا عن الموضوع وجعلنا العقل بعيداً عن دائرة البحث العلمى. يجب علينا تحديد الأرقام التى تعد البداية لاكستاب المعارف عن كينونة الوعى. بواسطة هذه الأرقام يمكن تطوير النظريات التى تساعدنا على فهم الظواهر الفيزيائية المرتبطة بالعقل. على سبيل المثال يمكننا قياس ( الغضب)، فبدلاً أن نقول أننا نشعر أكثر غضباً عن الأمس يمكن القول كنا أكثر غضباًعنه فى اليوم السابق، وقد يستمر هذا الغضب الشديد إلى صباح غد. نلاحظ هنا وجود أربعة درجات للقياس، اثنين منهما يمكن استعمالهما لقياس الغضب، أنه مقياس نسبى، كما تعملنا من أينشتين عن ضرورة القياس كدالة فى الزمن والفراغ([ii]).

 دعنا نتحدث عن أى نوع من الأرقام تكون مرتبطة بالوعى. إننا نبحث أولاً عن نتائج تربط بين التأثير الفيزيائى على المخ الذى ينتج عنه ممارسة الوعى، ثم نسجل رد الفعل لممارسة الوعى وقياس نوع وسعة التفاعل الكهربائى على المخ، أو أى شئ مرتبط به.

فما يحدث للمخ ما هو إلا تغيير فى منسوب أنشطته والتى يمكن أن يرتبط بأعداد تصف لنا مقدار مستوى هذا النشاط والتى تسهم فى تضيق دائرة البحث عن ميكانزم الوعى. فالوعى ما هو إلا ظاهرة نوبية.

إحدى هذه النوبات متعلق بطريقة نوم الوعى. ففى الأحلام، يكون الفكر نائماً، ويكون العقل غير متيقظ ، وهذا يعد إحدى ممارسات الوعى ، وهناك بالطبع أنواع مختلفة من الوعى، تختلف فى المحتوى والكثافة. والجدير بالذكر أن التغير فى أنشطة المخ بين النوم والإدراك يمكن التحكم به عن طريق التراكيب المخية والتى تسمى (بالبناء الشبكى). وبالقطع يوجد بالمخ بعض الدوائر الذكية التى تتحكم فى استيقاظه وتبادل الرسائل بين أجزاؤه العديدة.

فالنوبة هى البداية ، وعندما نفكر فى الوعى، نتنبه إلى وجود كميات أخرى ، ونتساءل ما العمق الفيزيائى للوعى وما حدوده؟ وبعيداً عن الحماقة الفلسفية والمعتقدات الميتافيزيقية، يكون سؤالنا ذو معنى، أننا نرغب فى معرفة العمليات الفيزيائية لرسم حدود الوعى([iii]).

لكى نفهم العالم. يجب أن نفهم الكمية ولكى نفهم ميكانيكا الكم لابد أن نعرف ما هو الوعى. لقد اكتشفنا ميكانيكا الكم وصيغتها وتجاربها فى معامل الفيزيائين، ويبدو أن الوعى هو شئ حقيقى من صحتها…

أين يكون العقل فى المخ؟ أين تكون شرارة الحياة؟ أين نكتشف توهج الوعى؟ وماذا يعنى أن نحاول اكتشاف الربط بين ميكانيكا الكم والمخ؟ ويضيف المؤلف يجب علينا أن نجيب عن سؤالين هما:

أولاً: كيف تبدو العمليات فى ميكانيكا الكم؟ أى ماذا نعنى بهذا الحد؟

ثانياً: أين يتواجد هذا التواصل؟ وأين نبحث داخل المخ؟

فالذى يفصل بين العمليات الكمية عن العمليات الكلاسيكية هو طريقة حركة الأجسام. ففى حياتنا اليومية يتحرك الجسم بهدوء من مكان لآخر ، خطوة بخطوة ، نقطة بنقطة على طول المسار الذى يربط بين المكانين. وفى ميكانيكا الكم تتحرك الأجسام تبعاً لاحتمالية إنسياب الموجات ، وتبعاً لذلك فإن الجسم يمكنه أن ينتقل من الموقع A إلى الموقع B حتى لو اعترضه عائق ويمكنه أن نخرج من زجاجة دون أن ينزع غطاؤها([iv]).

فإذا وجدنا شئ يحدث بالمخ مثل ذلك، لكان لدينا شئ يشبه الكم ويرتبط الوعى به، إن هذا قد ييبن كيف تتفاعل الأحداث فى المخ مباشرة. ولكن أين نبحث عن هذه العمليات الكمية داخل المخ؟ وأين نتوقع حدوث الاختراق النفقي؟ فكل جزء مهما كان صغيراً أم كبيراً يؤدى دوره فى الفكر . ولكن هناك جزءان أساسيان: الأول هو وجود خطوط انتقال عصبية من خلايا المخ العصبية وهى المسئولة عن تحديد مسار المعلومات خلال المخ. الثانى: يوجد شبكة من المحولات بالمخ تقوم بمعالجة المعلومات ويتعدى عدد نقاط الالتماس بالمخ عشرة بليون عصب. هذه الشبكة هى التى تقرر وتفكر بالمخ  بابت ببابت. فالأعصاب تشبه الأسلاك فى جهاز الكمبيوتر وهى ضرورية لتوصيل المعلومات إلى المحطة الرئيسة للتشغيل وهى تتكون من بوابات ومحولات وترانزستورات مخية، أنه عملية نقل النتائج لتوليد فكر جديد. هنا بالمخ يوجد 5,23 تريليون من الشبكات التحويلية التى تعمل على تدفق المعلومات من عصب إلى عصب  ويتخلق الفكر. هنا يجب أن نكتشف الوصل بين المخ والعقل فقط، إذا عرفنا كم من النتائج لأحاسيسنا تعالج بالمخ لتصبح سيل وعينا .حينئذ يجب أن يقع الاختراق النفقى الكمى فى مركز هذه المحولات فى المخ، هناك تبدأ شرارة الحياة([v]).

أما الشبكات العصبية فهى شئ مختلف. فالشبكة هى الموصل بين الأعصاب. فالموقع الذى يحدث فيه تأثير الدفعة فى عصب ما يؤثر على وظائف العصب التالى. وفى بعض الشبكات مثل العضلة العصبية والشبكات العصبية الكبيرة عادة يسبب وصل الدفعة إلى اشتعال الشبكة. فعندما تصل الدفعة إلى الشبكة فإن بعض الكيماويات العصبية الناقلة، تغير قابلية الأغشية العصبية فى المنطقة. فى هذه الحالة تسبب الكيماويات تقلص العضلة، وفى بعض الأحيان يحدث توهج للعصب ذاته وتنطلق هذه الكيماويات على هيئة رزم تسمى (( الأوعية)). وفى الشبكات العصبية الصغيرة فى حدود قطر يساوى 1 ميكرومتر( جزء من المليون من المتر) لا يحدث توهج. وسلوك الشبكة العصبية أو بالأحرى الخلايا العصبية، يعتمد على معاملات فى المقياس الصغير التى تتضمن تأثيرات ميكانيكا الكم خاصة جعل إنهيار متجه الحالة لكى يؤدى دور ما. وبالتالى، فإن القرار اللحظى للتوهج من عدمه له حالتان جهديان يمكن أن يتم بهما التشابك بين الأعصاب . وهذا يفتح المجال إلى إمكانية تأثر السلوك المخى بمنهجية ميكانيكا الكم ويجعل المشاهد مميزاً لعالم الكم. ويبقى السؤال عن كيفية معالجة المخ للمعلومات عن طريق عمليات ميكانيكا الكم؟ وما تأثير  الضوضاء الكمية العشوائية على المخ؟ فى الغالب يحدث صداع أو يصبح المخ غافلاً([vi])!

قد يعتقد المرء أن الإلكترونات والبروتونات والميزونات والنيوترونات جميعها يختفى بصفة مستمرة عند موقع ما ثم تظهر عند موقع آخر. وكذلك موضوع الاختراق الكمى النفقى يكون مرتبطا بتوهج  الشبكات العصبية فى المخ ويتضمن فى الوعى. فالجسيمات لاتنتقل من الداخل إلى الخارج ، ولكنها تنتقل من موقع لآخر، فهى تختفى فى مكان ثم تظهر فى مكان أخر. والقوانين الفيزيائية لم تعالج فقط هذه المسألة، بل تحكمها خلال تشكيل هذه  القوانين. ويقول المؤلف هذه ليست نهاية القصة، لكى نفهم ماذا يجرى، يجب علينا أن نفهم العالم الدقيق من غرائب الكم الذى يؤثر فى احسسنا بالعالم. يجب أن نفهم كيف تبين ميكانيكا الكم طبيعة الوعى والإرادة([vii]).

فعندما يتصادم جسيمان ذريان يكون الناتج مجموعة من الاحتمالات وليس احتمالاً واحداً. وجميع هذه الاحتمالات تتواجد فى وقت واحد كجهود ، وعندما نقيس أو نلاحظ ما جرى فى الموضوع، يلاحظ أنها جميعاً((تقفز)) إلى إحدى هذه الحالات الممكنة من الواقعية. فإذا كنا فعلاً نرى العالم الذرى، لتمكنا من رؤية عملية القفز من مكان لأخر، ولكن الحقيقة مختلفة. ولهذا السبب تعد معادلة شرودنجر مهمة هذا الموضوع . فهى تجعلنا نرى حقيقة ماوراء ظهور الأشياء . فنحن نرى الشئ عند موقع ما عندما يصل إليه جسيم ضوئى الذى يبين موقعه. وبعد تعرض الشئ للضوء يتحرك بعيداً فى مسارات لا نهائية. جميعا حقيقى ولكنها تتواجد كحالات جهدية. وإذا نظرنا للأمر على المقياس الميكروسكوبى. فإن متوسط القفزات على هذا المقياس الكبير يبدو عادة كحركة مستقرة، كما هو الحال فى حركة الكواكب فى اتجاه عقارب الساعة فى مداراتها حول الشمس. هذا هو عادة ما نراه([viii])!

تعقيب

*- العلاقة بين ميكانيكا الكم ووظائف الدماغ الأعلى موضوع جدلي بين مجموعة مختلطة من الأكاديميين والمتخصصين . ومع ذلك ، فهو أيضا مسألة كثيرا ما تطرح في المؤتمرات العلمية الدولية ، وعند التفكير في الحقائق النهائية. ولذلك ، من الصواب فهم هذه المسائل على أساس سليم، من خلال محاولات البحث المستمرة والمتطورة حتى يمكننا الوصول إلى حقائق يقينية.

*- من وجهة نظر تطورية أو بيولوجية، لم يعد التطور ينتقى الناس الأذكياء على الأقل ليس بالسرعة التى كان يقوم بها منذ آلاف السنين. هناك أيضاً إشارات من قوانين الفيزياء إلى أننا قد وصلنا إلى الحد الطبيعى الأعظمى للذكاء، بحيث إن أي تطوير لذكائنا لابد أن يأتى من وسائل خارجية. يستنتج العلماء الذين درسوا علم أعصاب الدماغ أن هناك مقايضات تمنعنا من أن نكون أذكى بكثير مما نحن عليه الآن. وفى كل مرة نتخيل فيها دماغاً أكبر أو أكثف أو أكثر تعقيداً تصطدم بهذه المقايضة السلبية.

*- يمكن للمرء أن يضيف وصلات بين العصبونات. لكن هذا مرة أخرى يزيد من استهلاك الطاقة وتوليد الحرارة مما يجعل الدماغ أكبر وأبطأ في هذه العملية. لذا، ففى كل مرة نبحث داخل الدماغ، نصطدم بالمشاكل .

*- الفيزياء المستقبلية المفترضة المكتملة لها محتوى ضئيل للغاية ، وليس هناك ما يضمن أن الفيزياء المستقبلية المكتملة لن تضطر إلى دمج الميزات غير الفيزيائية. وبالتالي، ليس من الواضح ما إذا كان معارضو الفيزياء لديهم ما يدعو للقلق.

*- الشبكات العصبية هى الشبكة الموصلة بين الأعصاب. فالموقع الذى يحدث فيه تأثير الدفعة فى عصب ما يؤثر على وظائف العصب التالى. وفى بعض الشبكات مثل العضلة العصبية والشبكات العصبية الكبيرة عادة يسبب وصل الدفعة إلى اشتعال الشبكة. فعندما تصل الدفعة إلى الشبكة فإن بعض الكيماويات العصبية الناقلة، تغير قابلية الأغشية العصبية فى المنطقة. فى هذه الحالة تسبب الكيماويات تقلص العضلة، وفى بعض الأحيان يحدث توهج للعصب ذاته وتنطلق هذه الكيماويات على هيئة رزم تسمى (( الأوعية)).


([i])محمد زكى عويس: فيزياء الوعي، كراسات علمية ، المكتبة الأكاديمية ، القاهرة ، 2002 ، ص50.

([ii])المرجع نفسه، ص52. ([iii])المرجع نفسه، ص53. ([iv])المرجع نفسه، ص54-55. ([v])المرجع نفسه، ص55. ([vi])المرجع نفسه، ص56. ([vii])المرجع نفسه، ص65. ([viii])المرجع نفسه، ص65.

 1,090 total views,  8 views today

Hits: 80