RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

مِنَ المرتكزات الأساسيَّة الواجب تحصيلها لتأسيس نظريَّة ثقافيَّة لمجتمع يخطو ليلحق بركب التقدُّم، وترسيخ مبدأ المواطنة العادلة؛ هو: “القراءة الفعَّالة”. ولا نقصد بـ”القراءة الفعَّالة” هنا التهجِّي بالحروف، وتكوين الكلمات المختلفة باللغة العربيَّة -أو غيرها من اللغات- ولكن المقصود: كيفيَّة القراءة المنهجيَّة، ومعرفة آليَّاتها وطرقها.

ومن الأمور المهمَّة في النُّظم التعليميَّة: تدريب المتعلِّم على كيفيَّة القراءة على أسس علميَّة، وليس بُطرق مُبعثرة، كما يحدث في أغلب مناهجنا التعليميَّة؛ فنجد أنَّ كثيراً من عُلماء اللغة في الدول المتقدِّمة قد اهتمُّوا بدراسة الذهن البشري، وكيفيَّة تلقيه وهضمه للمعلومات، واسترجاعها عند الضرورة.

فنجد -على سبيل المثال- أنَّ مورتيمر آدلر الذي ألَّف أشهر كتاب في كيفيَّة القراءة، يقسِّم القراءة إلى عدة مراحل؛ تبدأ بالقراءة الأوليَّة؛ وهي: مرحلة القراءة الابتدائيَّة، ثم تتدرَّج إلى رحلة القراءة التفحُّصيَّة، ثم القراءة التحليليَّة؛ وهي القراءة الشاملة للموضوع الذي يُراد فهمه واستيعابه، إلى أن تُصبح الفكرة جزءاً منه. وكما يقول فرانسيس بيكون: “إنَّ بعض الكُتب يجب أن نتذوَّقها، وبعضها الآخر يجب أن نبتلعْهَا، وقلة قليلة من الكتب يجب أن نمضُغها ونهضمها”. وفي المستوى الرابع والأخير -وهو أعلى المستويات- فكما يقول آدلرهي: القراءة المرجعيَّة، أو القراءة التخصُّصيَّة الموجَّهة لموضوع واحد. ومن هذه القراءات: القراءة المقارنة؛ والتي يلجأ إليها الباحث لدراسة مُقارنة بين فكرتين أو بين كتابين. فجديرٌ بهذه المُفردة المهمَّة أن تكون جزءاً أساسيًّا في قانون الطفل، وجزءاً أساسيًّا في منظومة التعليم الشاملة ومنظومتنا التشريعيَّة.

وإدراكاً منه لأهميَّة القراءة الفعَّالة، ومدى تأثيرها في التطوُّر المهني والاقتصادي والاجتماعي، أقدم تحالف بين بعض الجامعات والهيئات الرسميَّة البريطانيَّة على إجراء دراسة موسَّعة ومسح شامل لمستوى القراءة في المدارس البريطانيَّة، وكانت النتيجة المُذهلة أنَّ الفارق بين القارئ الجيِّد والقارئ الرديء في المدارس، هو فارق سبع مراحل تعليميَّة، والذي سيُكلف ميزانيَّة الدولة 32 بليون جنيه إسترليني في الخمس عشرة سنة المقبلة؛ لذلك أوصتْ هذه الدراسة القيِّمة الحكومة الحالية والسياسيِّين القائمين على الشؤون التعليميَّة بوضع أهميَّة القراءة الفعَّالة في برامجهم السياسيَّة في الانتخابات؛ لما لهذه المُفردة من أهميَّة في الحفاظ على الوضع التنافسي في المستقبل، وتقليص الفوارق الاجتماعيَّة بَيْن مُختلف طبقات المجتمع.

وبغياب مادة القراءة المنهجيَّة -القائمة على طُرق علميَّة مدروسة- عن مناهجنا، والتركيز على أهميتها القصوى للطالب، وعلى تحصيله الأكاديمي المستقبلي، ومن ثم على مُستواه الاجتماعي والاقتصادي، ستظل الأميَّة العلميَّة مُستفحلة في مجتمعاتنا، والفوارق الطبقيَّة ماثلة أمامنا، وإن وجدتْ أفضل القوانين والتشريعات والأطر النظريَّة للمواطنة وحقوق المواطن والطفل؛ وذلك لأن المتلقِّي لها لن يستطيع تحليل هذه النظم والقوانين، ولن يدرك مدى أهميَّتها وأهدافها في خلق بيئة ثقافيَّة مدنيَّة تستوعب كافة أطياف المجتمع، وستكون “السطحيَّة الفكريَّة” هي السائدة في المجتمع.

ومحور هذا العدد: تسليط الضوء على قانون الطفل العُماني، الصَّادر حديثاً عن وزارة الشؤون الاجتماعيَّة؛ لما لهذا القانون من أهميَّة كبيرة في تكميل المنظومة التشريعيَّة في السلطنة، وإرساء قواعد المواطنة الصالحة والسويَّة لكل أبناء الوطن. ولأهميَّة هذا القانون، نجد من الواجب على الجهات التعليميَّة إدراج بعض البنود الواردة فيه ضمن مناهجنا التعليميَّة؛ حتى يكون الطفل العُماني ملمًّا بالتشريعات التي تمس واقعه.

ويجد القارئ الكريم في هذا العدد مقالات زاخرة بالعلم والمعرفة، وبعض الاستطلاعات الشائقة عن القراءة الصيفيَّة، وعن مدينة صُور العريقة. ومن الواجب علينا أن نشكرَ كلَّ القرَّاء الأعزاء على دعمهم، وعلى تشجيعهم لإصدار هذه المجلة، وسنعمل جاهدين على الرُّقي بهذه المجلة الفتيَّة، حتى تكون منبرًا عُمانيًّا في الفضاء المعرفي العربي… إنَّه ولي التوفيق.

3,872 total views, 2 views today