يحيى بن حميد المعشري

تَحْتلُّ شخصيَّة آدم في الديانات السماوية الثلاث مكانةً عُليا، وليس غريباً أن تقرأ السير ببداية خلق آدم؛ فهذا التقليدُ التوراتيُّ رسخ نفسه عند كتَّاب السيرة، وما دُمنا قد أتينا على ذكر التقليد التوراتي، فلا بد أن نشير إلى أن الروايات (الإسرائيليات) قد أخذت لها مكاناً بحُكم أن مفسِّري القرآن كانوا بحاجة لسد الثغرات في سيرة الأنبياء السابقين؛ فما لم تقله الآيات أو يذكره النبي، يذكره اليهود الذين دخلوا الإسلام.

وَالوَاقعُ أنَّ تلك الروايات الإسرائيلية شرحت رواية خلق آدم باستفاضة؛ بحيث غدت الرواية الإسرائيلية من البديهيات بمرور الزمن، لكن يبقى السؤال عن آدم وزمن آدم من الأمور التي شغلت علماء الأديان، كم يفصل بيننا من السنين؟! والواقع أن التوراة نفسها قدَّمت سلسلة الأنبياء وذكرتها في سفر التكوين؛ لهذا وجدت محاولات لحساب الفترة الزمنية من خلال سلسلة الأنساب الواردة في سفر التكوين، ولعل أشهر هذه المحاولات ما قام به القس جيمس آشر، الذي أكد أن خلق الإنسان والأرض حدث منذ 4004 سنة قبل السيد المسيح.

وَمَع تقدُّم الزمن وتطوُّر العلم، تبين أن عُمر الأرض أقدم بكثير مقارنة بما ذكر في سفر التكوين، ومنذ أن نشر داروين كتابه “أصل الأنواع” سنة 1859م، أصبح الموضوع أكثر صعوبة؛ فالكائن البشري له تاريخ أقدم من تاريخ العهد القديم، وقامت محاولات كثيرة؛ لعل أشهرها عربيا: محاولة الدكتور عبدالصبور شاهين في كتابه “أبي آدم” الذي -والحق يقال- كان المحاولة الأكثر جُرأة؛ بسبب تبنِّيه نظرية داروين وتأويله للنصوص؛ حيث حاول أن يُبيِّن الفارق بين الإنسان والبشر؛ فالإنسان هو المكلف الذي انبثق من البشر؛ بمعنى أن آدم ليس أول البشر، لكنه أول إنسان خرج من ذرية البشر.

وَنَحْنُ إذْ نُقدِّر محاولة عبدالصبور شاهين، نرى أنَّ ما خرج به البحث لا يزال تخمينا، وكان من المفترض على الأستاذ الجليل أن يبحث عن معنى كلمة آدم نفسها: من أين أتت؟ أي اللغات هي التي نحتت هذه الكلمة؟ والواقع أنَّ الأستاذ الجليل قنع بما وجده في التراث الإسلامي من أن آدم اشتقاق من كلمة أديم الأرض، في إشارة إلى عملية الخلق من الطين والماء.

وَالوَاقِعُ أنَّ كلمة آدم ليست عربية ولا عِبرية، وكان من الأحرى بالأستاذ الجليل أن يتأنى قليلا؛ ليدرك أن هذه الكلمة لها أصول أوغاريتية فينيقية؛ فمنذ أن تمت التنقيبات في مدينة أوغاريت السورية -في العشرينيات من القرن الماضي- تبين أننا أمام حضارة جديدة، وكما قام شامبليون بفك شفرة اللغة الهيروغليفية، قام العالم الفرنسي شارل فيروللو بفك شفرة اللغة الأوغاريتية سنة 1931م ليذهل العالم بهذه الحضارة المفقودة.

وَبالعَوْدَة لمفردات اللغة الأوغاريتية، نكتشف أن كلمة آدم تعني الإنسان؛ بمعنى أنه ليس اسم علم، بل اسم للجنس البشري، وقد وردت هذه الكلمة في عِدَّة نصوص أوغاريتية؛ منها: “ملحمة كرت”، عندما يظهر الإله لل في الحلم:
وبينما هو يبكي وقع في غفوة
بينما هو يذرف الدموع غلبه النعاس
نعم لقد غلب كرت النعاس
وغاب في سبات عميق
لكنه ما لبث أن أجفل
إذ ظهر له في الحلم (إيل)
في رؤاه ظهر أبو آدم.

وَكَمَا أنَّ فرعون ليس اسماً بل لقب، كذلك آدم، والنص القرآني يستخدم هذه المسميات، لكنها أحيانا لا تكون أسماء أعلام، والواقع أن التفسير التوراتي -بالحيِّز الذي أخذه- أصبح التفسير الأكثر انتشارا، وهذا ما أوقع الباحثين في هذا كل هذا اللغط.

242 total views, 2 views today