د. مريم بنت حميد الغافرية
باحثة وكاتبة في الدراسات الأدبية والنقدية


من شرفات غير مرسومة يظهر كورونا (corona) يفرض نفسه واقعًا على العالم. تقف البشرية وقفة واحدة؛ لتنبض الإنسانية بوجعٍ واحد. تبدو الكرة الأرضية التي تضج بالحركة والتلوث مثقلة بأزمات

 كوفيد 19 (covid19) يتصدر النشرة. مشاهد الحرب التي كانت تتصدر نشرات الأخبار يوميا

جاء كوفيد 19 (covid19) ليكون له الصدارة في الأخبار… يقف على عتبات رأس الخبر، يعلن وقف إطلاق الرصاص الحي، تنهار أمامه معارك الموت؛ وليتشبث الناس بالحياة ويوقنوا “أن الأرض لله ” والحياة بيد الله.

صور الفقر التي كنا نتصفحها في هواتفنا الذكية ونكتفي بتلويح رؤوسنا لواقع مؤلم يعيشه غيرنا، أطل كورونا (corona) لتصبح صورة التعاطف الإنساني الشكلي إحساسًا عالميًّا موحدًا.

لقد أصبح الرغيف الذي يشمه الفقير في الغرب والشرق من نوافذ المخابز الزجاجية، رغيفًا يقتسمه الجميع ويتقاسمون همه، فقد بسط كورونا (corona) خريطة الكرة الأرضية ليتهاوى الاستعلاء في كل شيء.

عرفتُ الجمالَ في فقه الطهارة الإلهي الذي هو فرضٌ على الإنسانية جمعاء، كانت الأرض تئن من التلوث البشري والصناعي، فكان التخفيف عليها من ضغط كاد أن يودي بها. كأن كورونا (corona) الضيف الذي حلَّ على أهل الأرض جميعًا؛ فتجد الجميع يتشاركون في التنظيف (تنظيف الشوارع والبيوت) والتعقيم واتخاذ وسائل السلامة.

لم تحط البشرية خبرًا بكل شيء، فكان السباق على الربح وجني المال ورفع الدخل دون النظر لأهمية المحافظة على الصحة والعافية كأولوية أساسية يعتنون بها، حتى جاء كورونا (corona) فترتبت الأولويات؛ لتصبح العافية في الحياة على رأس السلم أمنية البشرية صلاة ودعاء ورجاءً.

كما لم يغب عني جمال القرآن في معادلات صناعة شخصية وحياة الإنسان مذ أطل كورونا (corona) من شرفات مجهولة وصفات شكلية معلومة، وأعراض صحية كالمنظومة.

نداء عظيم “الزموا بيوتكم” كانت من أعظم النعم التي ينشدها اللاجئون والمشردون في الأرض، لتتوزع العدالة ” البقاء في المكان” على خريطة العالم، وللأقدارِ ميقاتها أن تتوحد القصص التي كنا نعجب لسماعها والروايات التي نتألم لأحداثها، يتهاوى الأموات ويتساقط الضحايا كأنهم “طيرُ أبابيل” وتتساقط الجثث كأنها “عصفٌ مأكول” وكأن كورونا (corona)الفاصلة المنقوطة في الأحداث برمتها.

البقاء في البيت أمنٌ وأمان وسكينة وسلام، فمن المعلوم أن أقرب مكان للإنسان هو بيته الذي يشعر فيه بالأمان والاطمئنان والستر والألفة وهو خط أحمر لا يفرط فيه العاقل؛ فالبيت يمثل الوطن الأول للإنسان فيه روح الستر والكرامة للمأوى وهو عزيز على الأنسان ويمكن تجسيد علاقة الإنسان بالبيت كعلاقة الروح بالجسد وهي العلاقة التي ذكرها ابن الرومي في قوله:

وَلِي وَطـَـنٌ آلَيْتُ أَلاَّ أَبِيعَـهُ        وَلا أَرَى غَيْرِي لَهُ الدَّهْرَ مَالِكا

فقد ألِفـَـتْهُ النفسُ حتَّى كأنه        لها جسدٌ إنْ بانَ غودِرْتُ هالكا

الحجر المنزلي وليس الصحي؛ فمن عظيم النعم أن تبقَ في بيتك معافى في بدنك، تجد قوت يومك، آمنًا مطمئنًا. تتواصل مع ربك ” ذو الجلال والإكرام” ربك ” القريب المجيب”. ترى أبناءك الذين كانت رؤيتهم محطة عابرة أيام إجازتك فقط، تتعرف إلى سلوكياتهم داخل البيت وتكشف الأخرى – بالتقرب منهم-كانت خارج البيت. فرصة للآباء والأمهات أن يعتنوا بأطفالهم بدلاً من المربية فـ”الأطفال مثل الفاكهة. هناك فاكهة تحتاج إلى ظل أكثر، وثانية إلى ضوء أكثر، وأخرى إلى ماء أكثر. الفاكهة لا تتشابه لكن كلها شهية ولذيذة وكذلك الأطفال”.

إنها أيام عزل ٍفرقت أجسادنا ورغم ذلك تعانقت القلوب. وسعى الكثير منا التواصل مع الأحباب باتصال أو رسالة. لقد أعطيتم فرصة زمنية لتجديد علاقتكم بالأهل والجيران والمعارف، الذين علا أرقام هواتفهم غبار الانشغال في الحياة وظروف الزمن المتقلبة، ومحطات الحياة المختلفة…

إن بقاؤك في بيتك ملتزمًا يجدد فيك خلق الالتزام بما تقرره في الحياة. يعمق الحب لوالديك حرصًا على سلامتهم، ولعائلتك وزملائك ويثمر انتماءك لوطنك. إن بقاءكم في بيوتكم يضيء عتمات المكان، يقرب مسافات الزمان، يجدد الفرح –بإذن الله- ويخفف الأحزان؛ لتقر أعينكم بعد  التباعد بسلامة الأحباب والأوطان. فالالتزام ثم الالتزام.

 وكيفَ أمنعُ نفسِي عن ديارِكُم

أنا مُشْتاقٌ ولكِنْ “بالحَجِرِ مُلْتَزِمُ”تذكَّر بأنكَ حُرٌّ طليقٌ وأنَّ مداكَ فسِيحٌ يَسَع، وكُن مثل غَيمِ السَّمَا أينما هَمَى فوق أرضٍ أتاها نَفَع د. محمود الحليبي

العمل تلك العبادة العظيمة والنعمة الجليلة كنا نراها روتينًا يوميًّا رتيبًا، جاءت فاصلة كرونا(corona)؛ لنقف على الأسباب ونغير الأجندة. تغيرت وجهة النظر التي تسود – بعض-  الوجود بأنه شيء رتيب؛ لنقف ونستشعرَ أنها سنة التجديد والتغيير ونتوجه بعدها نحو قوة الإنجاز في أعمالنا والسعي لتجويد وتجديد عطائنا.

التجديد الذي ينعش روح الحياة ويعطي للعمر الحقيقي فرقًا وكما قال نجيب محفوظ: “نحن لا نموت حين تفارقنا الروح وحسب، نموت حين تتشابه أيامنا، ونتوقف عن التغيير، حين لا شيء يزداد سوى أعمارنا”

كوفيد 19 (covid19) أظهر الفجوات التي ينبغي لنا سدها والاحتياجات التي يتوجب علينا تلبيتها والاعتماد على فكر وسواعد أبناء الوطن للنهوض والتعمير. عمان أمنا والأم يليق بها البر من قبل أبنائها؛ لذا نناشد بإعطاء الأبناء مجالات وفسحات للبر بأمهم عمان وتجسيد اللحمة الوطنية والوقف خلف قيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق سدد الله العظيم مسعاه وأمده بالعون والتوفيق والعافية.

رفع سقف الوعي الروحي والمعرفي والوقائي واتخاذ كافة الإجراءات والاحترازات بالأزمات وبث الرسائل التي تنشر الوعي الإيجابي والبعد عن الشائعات التي يستجيب لها من لا يملكون الوعي الكافي للتمييز بين الحقائق والأكاذيب. لنسيج معارفنا ونستوثق معلوماتنا من مصادرها الأصيلة ” علينا أن نشرب من النبع لا من الغدران”.

كورونا (corona) كُنتَ فاصلةً منقوطةً، جادت بالأسباب التي لا يحيط بها الإنسان إحاطة المعصم بالسوار.

ضغط نفسي يلف المشاعر من الزحام يوميًّا؛ النتيجة: خالية الشوارع من أقدامنا ومواصلاتنا. شمس تشرق وتغرب ونحن نركض وراء الأعمال والمصالح والدنيا. توقفت الحركة السريعة وأخذت في التباطؤ؛ لتظل الحياة مستمرة والشمس تمدنا بطاقة التفاؤل عند شروقها واليقين بأن من رحم الظلام سيبزغ فجر جديد فـ” ماذا تخشى المشكاة أن كان زيتها يستضيء بنورها؟!”

سيجنا الأهل والأحبة والوطن بسياج الدعاء، تحرسهم الآيات وسورة الفلق، أرسلنا ابتهالاتنا تحلق بأجنحة الرجاء كما يحلق الحمام سلامًا فوق الكعبة والحرم.

كورونا (corona) ستكون غدًا فاصلة الأمس الذي سنضع تحته نقطة، نقطة التجديد وجماليات التغيير وأسس التطوير

غدًا ستشرقُ شمسُ اليُسرِ معلنةً غيابَ عُسرٍ؛ لتُمطرَ سعدها المقلُ”.