صالح البلوشي

عَصْرُ النهضة هو حركة ثقافية قامتْ في أوروبا -ابتداءً من القرن الرابع عشر، إلى القرن السابع عشر الميلادي- وانطلقتْ من إيطاليا، ثم بدأتْ تتوسَّع تدريجيًّا لتشمل دول أوروبا الأخرى، وتُعتبر المرحلة الانتقالية بين العصور الوسطى وعصور التنوير والحداثة.

ومن أهم الأسباب التي أدَّت إلى قيام النهضة في أوروبا: الاكتشافات البحرية والجغرافية الكبرى، التي قام بها الإسبانيون والبرتغاليون، وأدت إلى ازدهار الحياة الاقتصادية في أوروبا، والمخترعات الحديثة -وأهمها: صناعة الورق والطباعة، واللذان لا يخفى أثرهما في نشر العلوم والمعرفة بين أفراد الشعب- إضافة إلى ازدهار المدن التجارية، واستخدام اللغة الوطنية.

كما تميَّز عصر النهضة بظهور النزعة الإنسية أو الإنسانية -واختلف المؤرخون في معرفة أول المفكرين الإنسيين بين: بيترارك (1304-1374) ودانتي (1265-1321)- وهدفتْ إلى تحقيق المثل الأعلى للكمال الإنساني في المجالات المختلفة: الأخلاقية، الجمالية، الأسلوبية، السياسية…وغيرها. ويصفُ المفكر السوري هاشم صالح تلك الحركة بقوله: “إنَّ الحركة الإنسية هي حركة مُتفائلة بالإنسان، وبقدرته على العطاء والإبداع، والتوصل إلى أقصى حدود الكمال”.

ومن أهم إنجازات عصر النهضة: ظهور مفاهيم علمية جديدة في العلوم الطبيعية والوعي المنهجي؛ أبرزها: أن العقل والتجربة هُما الأساسان الوحيدان من أجل الحصول على معرفة يقينية. ومن أبرز علماء هذا العصر: العالم البولوني كوبرنيكوس (1473-1543)، الذي ألف كتاباً في علم الفلك، تحت عنوان “عن حركة الأجسام السماوية”، أدحض فيه النظرية التي كانتْ سائدة في تلك الفترة “أنَّ الشمس تدور حول الأرض”، وقال بأن العكس هو الصحيح، وأن مُراقبة الأجسام السماوية أثبتت له ذلك. أما جاليليو جاليلي (1564-1642)، فقد اشتهر بنظريته عن الحركة والسقوط، وانحيازه إلى نظرية كوبرنيك. ومن أبرز علماء النهضة -أيضاً- العالم الإيطالي جيوردانو برونو (1548-1600)، الذي عُرف بالنبوغ العلمي، والتحرُّر الفلسفي؛ مما أوصله إلى اعتناق مذهب كوبرنيكوس الفلكي في تصوُّر العالم المُضاد لمذهب أرسطو وبطليموس، الذي كانت تتبناه الكنيسة، إضافة إلى إيمانه بآراء أخرى تصطدم مع التصوُّر المسيحي بشكل جذري؛ مثل: الاعتقاد بأزلية العالم، وتجلِّي الله في الطبيعة والظواهر وكل شيء؛ حتى تم القبض عليه، وتعذيبه، ثم إحراقه حيًّا بعد ذلك، بعد أن اتُّهم بالتجديف والزندقة.

ومن أهم إنجازات عصر النهضة -أيضاً: ظهور الإصلاح الديني في ألمانيا على يد القس مارتن لوثر (1483-1546)، وقد اتَّخذ لوثر موقفاً نقديًّا من عدد كبير من العقائد والطقوس الدينية المسيحية، وكان يهدف إلى العودة بالمسيحية إلى الارتباط بالإنجيل فقط، وإلى الأصول الأولى لهذا الدين، كما كان الإنسانيون يريدون العودة إلى المنابع القديمة في مجالات الفن والثقافة. وكان من أبرز إصلاحات لوثر: ترجمة الكتاب المقدَّس من اللغة اللاتينية -التي كانت لغة النخبة في تلك الفترة- إلى اللغة الألمانية؛ مما فتح المجال أمام عامة الشعب لقراءة الكتاب المقدس، بعد أن كان ذلك حكراً على رجال اللاهوت فقط، إضافة إلى إلغاء صكوك الغفران؛ مُعتبرا أن الكهنة لا يتميَّزون بأية علاقة مباشرة مع الله، وبالتالي فليس الإنسان بحاجة إلى المرور على الكهنة للحصول على المغفرة الإلهية.

كما كان للأفكار الإصلاحية تأثيرها الكبير في سويسرا؛ بفضل ما أدخل كلٌّ من: أولريش زفينجلي، ويوهان كالفن (الكالفينية)، من تشديد على عقيدة القدر، والتشدُّد في أخلاق العمل.

——————

المصادر:

1- كتاب “مدخل إلى التنوير الأوروبي”، ت: هاشم صالح.

2- كتاب “أطلس الفلسفة”، لمجموعة مؤلفين – المكتبة الشرقية، لبنان.

2,873 total views, 8 views today