Shaikha

شيخة البادي

زهور ونيسي: إنَّ الأدب لعبة لغويّة… وهذه اللعبة لا تتراكم إلا من خلال القراءة.

محمّد الشريف: زهور صخرة التي تتكسّر عليها الأمواج ولا تكسرها.

عاشت في «قسنطينة» الملهمة وشهدت المرحلة الأكثر تميّزاً في تاريخ الجزائر.

أوّل وزيرة جزائرية: يجب أن تكون المروءة قاسماً مشتركا بين المرأة والرجل، وليس الذكورة أو الأنوثة.

هاجرتْ إلى بلدة «ليوة» في جنوب الجزائر لتكتب رائعتها: «لونجة والغول».

سيرة تعلمنا النبل، والتواضع، ودماثة الأخلاق، وتكمن أهميتها في صدق التجربة وثرائها ونوعيتها.

في مدينة جمعت بين فتنة الصبا وجماله ونزقه وعنفوانه، وتاريخ ذابت في أعماقه حضارات بائدة. في مدينة صدّت احتلال الجنرال كلوزيل، وفرشت خلفه جثث الشهداء ثمناً لحريتها. في مدينة أقل ما يمكن أنْ نسمها به أنّها «ملهمة»، و«حلم»، و«ساحرة» ولدت في الثالث عشر من ديسمبر من عام (1939م) المناضلة الجزائرية زهور ونيسي.

قد نتّفق أنَّ بيئة خاصة، ومرحلة من عمر الزمان معينة، تتجاوزان كينونتهما الطبيعية المجردة لتشاركا في الحفر بخصوصية حادّة في روح الإنسان وتشكيل تجربته بشكل مختلف ومتفرّد عن تجارب أُخرى؛ ومن هذا «قسنطينة» الجزائرية؛ مدينة القداسة والخشوع والفكر والثقافة والفن والياسمين وكروم العنب؛ إذ أسهمت في تشكيل روح زهور الطفلة، لتنضح إنسانيّة وحبّاً للحياة والحرية والأناقة والنضال.

ومن هذا أيضاً بيئتها الأسرية التي احتضنتها بحبٍ ورعاية وتقبّل، فهي الوسطى بين أخواتها البنات في مجتمعٍ أُسرُه تقدّس الذكورة، وتعيّن المنزلَ المكانَ الوحيد الأَنسب للمرأة، وتحدّد مصيرها، وتعليمها، وترسم كلّ تفاصيل حياتها.

أمّا فيما يتعلّق بالزمان فقد واكبت زهور المرحلة الأكثر تميزاً في حياة الجزائر، زمن الهزيمة والفتن والانتكاسات والإرهاب والفوضى، وزمن النصر في أوج قمتّه، وألذ لحظاته.

وهكذا، فهذه البيئة، وهذه المرحلة من عمر التاريخ، بقوة أبطالهما المعنوية، ورائحة قهوتهما التي تُعدُّ بنكهة عطر الورد والزهر، والتي لا يضاهيها شاي المجتمع السويسري أو الإنجليزي، ستفتّق فضاءً واسعاً من قيم الحب والجمال والإنسانية لا يمكن قهره والتغلب عليه في روح زهور.

كانت زهور الطفلة تسجّل بوعيها المبكّر مشاهدَ الحياة المحيطة: اليهود الذين يجاورونهم ويعيشون حياة مرفّهة. الكلب الذي يأكل في صحنٍ منفرداً، مقابل عائلتها المكونّة من سبعة أفراد يقتسمون الطعامَ في صحنٍ واحد. بيوت المستعمر حيث كلّ فردٍ في المنزلِ بغرفته المستقلة، والعائلة الجزائرية التي بيتها غرفة واحدة. خمائل بيوت المستعمر وبساتينها وسرير غرفة «المامّا» بأعمدته المذهبة والقادم من دواوين الأساطير، مقابل العوز الذي يعيشه الجزائري.

وكانت تسجّل في ذاكرتها الصغيرة طقوس «حمّام بن شريف» الأسبوعي، وأحداث مقاطعة اليهود وذكريات ما يصحب هذه المقاطعة من حرمان زهور ونيسي الطفلة ورفقائها من اللعب مع أطفال اليهود. ومشهد والدها الذي كان يجمع تبرعات عيد الأضحى للفلسطينيين في بداية نكبة فلسطين، وما أثاره هذا الموقف من اشتعال الأسئلة والفضول في روحها، هذه الأسئلة التي قابلتها إجاباتٌ شحيحة.

كما كان «المالوف» و«الحوزي» وغيرهما من المقامات والتواشيح، وأغاني وطقطوقات «الشيخ العفريت»، و«الشيخة يامنة»، و«صفية حلمي»، و«محمد الكرد»، و«الشيخ شقلب» التي كانت تسمعها من جهاز «غرامافون» الجارة اليهودية الطيبة «مامّا»، ومساءات الجارات وحكاوي الحارة تشارك في حفر اللحظات السعيدة في الذاكرة، حفراً ليس لحظويّاً ولا عابراً، بل حفراً للفكر والشخصيّة والمشاعر والقناعات.

وإنّما السؤال: هل كان من بين حكاوي نساء «قسنطينة» في ذاك الزمن قصة الطفلة زهور ونيسي؟ قصة المعلّمة والكاتبة والروائية والقاصة والمناضلة والسياسية؟ قصة أوّل وزيرة جزائرية؟

وهل كانت زهور بنفسها أو إحدى صديقاتها المشاغبات، يحلمن بالشهرة أو المجد، وهن يعبرن من «باب الجابية» بدافع الفضول، ليشهدن عالم الانفعال البعيد عن الصدق الذي تعيشه بائعات الهوى خلف الباب المحرّم على الأطفال في قسنطينة؟

هل كانت زهور تعرفُ أنّها يوماً ستكتب عن حدث استراق النظر، هذا، من خلف الباب، والذي خبأته وصديقاتها زمناً، واستخدمنه الواحدة ضد الأخرى لابتزاز قطعة حلوى أو قلم؟ هل كانت تعلم أنَّها ستنتهك حرمةَ هذا السر اللذيذ بكتابته في سيرةٍ ذاتية خاصّةِ الجمال والثراء والقيمة؟!

هكذا، عَبَرَت زهور ونيسي مساءات قسنطينة وصباحاتها، وعاشت أحداثها، لتكون واحدة من أبرز  المجاهدات في تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، ولتبدأ مهنة التدريس في مدارس الثورة خلال فترة تاريخية عصيبة، ولتكون أوّل امرأة تعيّن عضواً بالحكومة الجزائرية بحقائب وزارية متعددة -الحماية الاجتماعية، والشؤون الاجتماعية، والتربية الوطنية- وتعمل في مناصب قيادية مهمة في البرلمان والإعلام، هذا بالإضافة إلى كونها قاصة وروائية وكاتبة مسرح ومقالات حوّلت بعضُ نصوصها إلى أعمالٍ تلفزيونية وسينمائية، كما ترجمت إلى عدّة لغات أجنبيّة.

وقد استفادت زهور ونيسي من تجربتها الإبداعية هذه في تحرير تجربتها الإنسانيّة، وكتابتها في: «عبر الزهور والأشواك-مسار امرأة» لتمثّل هذه السيرة الذاتية قطعة أدبيّة تلهمك التحدي والقوّة والعظمة والإيمان بذاتك، والتصالح معها.

وتأتي هذه السيرة، المطبوعة في عام (2012م) عن دار القصبة بالجزائر، فيما يقارب (500 صفحة)، مقسّمة إلى محطّات، يبلغ عددها حوالي (87) محطّة تنبني بينها شبكة متداخلة من العلاقات، توثِّق بعض تفاصيلها الصور الجميلة والنادرة.

وتحمل هذه السيرة بورتريهات لوجوه وحالات: خديجة (دوجة) المسكينة التي اضطرت لبيع أعز مقتنيات زوجها المتوفى لتسد بثمنها القليل حاجات أطفالها الثلاثة. «أم مسعودة» التي كانت تعمل خادمةً لعجوز فرنسية. «عمي السعيد» معلّم القرآن، «فطيمة» الغنية المدلّلة. «لالة فلة»، و«أم زليخة» المنبوذة لنميمتها ولسانها البذيء. «بابا أفندي» الذي «حدود دنياه تنتهي عند دكانه» (ص:43). «عمي عبّاس» العجوز الذي طلَّق زوجته في الستين من عمره ليتزوج فتاة في الرابعة عشر.

كما ترسمُ لنا وجهَ أُسرتها النابضة بالحب والتفاهم والانسجام: والدها «علي ونيسي»، وأمها «زكيّة ونيسي». وجدّتها «رقيّة» التي ترسم الخطوطُ على يديها شروقَ الزمن وغروبَه، وفرحَه وتجهّمه. وأختها المعلّمة «نعناعة ونيسي» التي مهر زواجها دواوين علي محمود طه!، وعمتها صاحبة الشخصية القوية والمدافعة عن آرائها في وسط كانت المرأة فيه مجرّد تابعة للرجل وآرائه. وعمها الذي عشق الحبَّ فلم يذق منه غير الوهم، فاحتضنه الشارع (ص:89)!. وخالها الصيدلي الذي أغضبته أخته (والدة زهور) يوم وجدها تحملق في صورة الزعيم مصطفى أتاتورك،  فزجرها: «ما الذي أعجبك في الصورة؟ تحملقين في الرجل دون حياء، لم يبقَ إلا أن تنظري هكذا لأمثاله في الشارع»! (ص:93)، وهو نفسه الذي عالج زهور ذات الاثني عشر ربيعاً من الرمد الحبيبي، متحديّاً رأي الطبيب اليهودي «بوني» أنَّ علاجها الوحيد هو امتناعها عن الذهاب إلى المدرسة (ص:473). وشريك حياتها «أحمد جابر» الذي دفعها بحبه لنجاحاتها العظيمة، و«هشام» الابن. وغيرهم.

صور النبيل والرذيل، المجاهد والخائن، الحر والمستعبد، الصادق والكاذب، الفقير والمعدم، صور جنود مجهولين مقابل طبولٍ جوفاء لا تتقن إلا الثرثرة والكلام. وهي من خلال هذه الصور والوجوه تقدّم لنا، وعلى مدار النصِّ بأكمله، مشاهدَ من الحياة الاجتماعية والإنسانيّة بعمومها، والجزائر بشكل خاص، وتفكير هذه المجتمعات وسلوكها وطبائعها وخصائصها العميقة، بين عهدين وزمنين فارقين جداً.

وتحتفي هذه السيرة بالمكان احتفاءً فاتناً، ليس «قسنطينية» المدينة وحدها، بل حاراتها الصغيرة وأحياؤها المتناثرة، وطقوسها، وقيمها. فتقنعك أنّ خلف كلّ باب، وفي أعماق كل حيّ، في قسنطينة والجزائر، تاريخٌ وأسطورة يستحقان المغامرة والاكتشاف والسفر.

ولا تغفلُ الكاتبة تسجيل ذكرى «الصيام الأوّل» وتكريم «الصائمات الصغيرات». وترسم بحروفها مشاهد الطقوس الدينية، والمسحراتي، وظروف التبشير، وذكريات القدّاس، وحفلات الزار وما يرافقها من قرابين وعادات خاصة، حاربها الإمام عبدالحميد بن باديس لاحقاً، ووضعها ضمن منهجيته الإِصلاحيّة.

وكان الناس في حي زهور يميزون بعضهم بِنَسَبٍ يعكس لنا تطبيع الإِنسان والأرض، والمخطط الاستعماري الذي وضعه المستعمر، ولكنّه حتماً ومع تقديرنا لشرف المهنة، لا يعكس لنا ضآلة طموح الإنسان، واختياره ورغبته وقدراته. ومن هذه النسب: «أولاد النجّار»، و«بنات البيّاض (أي الصبّاغ)»، و«أولاد الخضّار»، وغيرها، حسب الحرفة التي يمتهنها الأب والتي ليس من بينها الطب أو الهندسة فلهؤلاء أحياؤهم القريبة من الفرنسيين. وكانت زهور وأخواتها يدعين بـ«بنات البنّاي»، إذ والدها يحترف البناء. فتكتب عن والدها: «هل كان هذا حلمه؟ لست أدري. الذي أدريه أنّه لم يكن يتحدّث كثيراً، أو حتى يلح  على الفهم كثيراً، هكذا كنت أظن، كان وجهه يوحي بأنه يعيش يومه فقط، دون قلق أو توتر أو شكوى، لا على الماضي ولا على المستقبل» (ص: 63).

ونجد الكاتبة، عبر فصول السيرة وفي مواضع عديدة منها، تعظّم وتجل تربية والدها لها ولأخواتها وإلحاقهن بـ«جمعية التربية والتعليم الإسلامية»، وهي أوّل مدرسة حرّة، ليقدّم بهذا مثلاً «لكثيرٍ من الآباء والأولياء الآخرين بالمدينة» (ص: 65) ويدفع بالمجتمع لتجاوز مرحلة تأطير نموذج تعليم الفتاة باقتصارها على تعلّم بعض السور، والصلاة.

وهذه المدرسة هي نفسها التي انضم إليها والد زهور في دروس محو الأميّة، بالإضافة إلى آخرين، وهي التي تطوّع أيام العطل لترقيع ما تلف من فصولها وجدرانها وأرضيتها (ص: 69)، فَسُجِّل لاحقاً عضواً مؤسساً لجمعية المسلمين تثميناً لعمله التطوعي.

ومن هذه المدرسة بدأت شرنقة قلم زهور الكاتبة تتفتح وتنضج، لينشر لها عام 1954م في جريدة «البصائر» أوّل محاولاتها الكتابيّة بتشجيع من أحمد توفيق المدني الذي عملت معه كاتبةً في وزارة الأوقاف بعد التحرير. كما تشير إلى فضل أحمد رضا حوحو في تشجيعها على الكتابة والنشر في «الشعلة».

وتكبر الموهبة وتنضج، لتبوح لنا زهور بسرّها: «إنَّ الأدب لعبة لغويّة… وهذه اللعبة لا تتراكم إلا من خلال القراءة» (ص:480). فتبدع في القصّة: «الرصيف النائم» و«على الشاطئ الآخر»، و«الظلال الممتدة»، و«عجائز القمر»، و«روسيكادا». وفي الرواية: «من يوميات مدرسة»، و«لونجة والغول»، و«جسر للبوح وآخر للحنين». وللنمذجة على كتاباتها المسرحية فلنذكر: «دعاء الحمام».

***

عاصرت زهور ونيسي واقع التعليم في الجزائر في عهدين: قبل التحرير وبعده. وشهدت زمن التضييق، ومن ثم زمن الكتب المدرسية وهي تتنفس فوق الطاولات في الفصول الدراسية بدون خوف من الرقابة الروتينية التي تفرضها حكومة الاستعمار. وشاركت في التعليم بعد أن انتهت من الابتدائية بتفوق، فقد كُلِّفت بمهمة تلقين الطالبات الحروف الهجائية في «مدرسة الصادقيّة للبنات» بحي «كلوسلامبي». ثم امتهنت التدريس صدفةً حيث نابت عن أختها المعلّمة في درس الرسم، فدخل عليها إبراهيم مزهودي، وكان مفتشاً للتعليم بالمدارس الحرّة، فأعجب برسمها على السبورة، فوصّى إدارة المدرسة أن تعينها في التعليم.

وقد شهدت لحظةَ إعلان ثورة الحريّة والكرامة، في الأوّل من نوفمبر 1954م، هذه اللحظة التي رمى بها قادة مناضلون وشجعان، وشارك في احتضانها شعب الجزائر بكلّ أفراده كما قال الشهيد محمد العربي بن مهيدي: «ارموا بالثورة للشارع يحتضنها الشعب».(ص:128).

وشاركت في دعم التنظيم الثوري، وجُندت -ثم جَنَّدت أُخريات- لإيصال المعلومات والأمانات من أسلحة وأموال وأدوية بين عناصر الثورة، وعملت بشكل مباشر أو غير مباشر مع المجاهدات: فاطمة زكال، وحسيبة تاقليت، والزهرة حفيظ، وحورية كركوش، وخديجة خيار الأصفر وظريفة شكير، وغيرهن أخريات ممن تذكرهن باعتزاز وحبّ. وشهدت حرائق القرى، وعاصرت الخراب والدمار، وتنفست دخان قنابل «النبالم» الممنوعة دوليّاً، وفكّت عن كَثَبٍ أسرار زغرودة الأمهات وهن يودعن أرواح الثوريين وهم ينفقون ليعبر وجه الجزائر الجريح حرّاً بعد سبع سنوات ونصف بإعلان الاستقلال عام 1962م.

***

وتسجِّل الكاتبة الذكرى الأُولى لاحتفال الجزائر بالاستقلال، ومرافقتها العالمة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، وعاتكة الخزرجي، وكانتا من المدعوين الذين ساندوا الجزائر في محنتها. كما تشير إلى محطات من هذه الذكرى، الأربعين مثلا، واختيار الجزائر أن تحتفل بالحريّة في شاطئ «سيدي فرج» المكان الذي فيه رست فرنسا قبل الاحتلال.

وكان على الجزائر بعد التحرير أن تبدأ في الإعداد لمجتمع مدني، وأنْ تتجاوز أزمتها الاقتصادية أيضاً، وكان عليها أن تمحو رواسب حرب التحرير، وتصلح منظومة التعليم، وتقيم منظمات واتحادات ومؤسسات العمل، والوزارات، فتسجّل زهور ونيسي بعض محطات هذه المرحلة، وعلاقتها بقياداتها ومنهم: أحمد بن بلة، وهواري بومدين، كما تسجل حدث اختيارها أول امرأة وزيرة في تاريخ الجزائر، ومشاركتها في العمل السياسي، ومن ذلك عضويتها بالمجلس الشعبي الوطني، وبمجلس الأمة وغيرهما.

***

أمّا فيما يتعلّق بالحياة الأسريّة لزهور، فقد تزوجت لأوّل مرة في الثامنة عشر من عمرها، وكان ابنها الأكبر، هشام، ثمرة هذا الزواج الذي انتهى بالانفصال بعد أقل من عام حين علمت أنّ زوجها خدعها وعائلتها بإخفائه حقيقة زواجه بأخرى. فرأت زهور في هذا موقفاً أخلاقيّاً لا يمكن أن يُقْبلَ وهي التي تربت على الصدق والوفاء. ثم ارتبطت بعد الاستقلال مباشرة بالمجاهد أحمد جابر، لتكتب عن علاقتها المتينة به: «…أعترفُ جازمة، أنّ كل نجاح حققته، وكل مكانة تبوأتها، وكل حب من الناس في بلادي وغير بلادي اكتسبته، وكل شرفٍ ومجد وتقدير حظيت به، إنما كان بفضل هذا الحب الكبير الكبير…» (ص:232).

وقد جمعتها علاقات من الاحترام والصداقة المشرفة بأسماء بارزة منها: أمينة السعيد التي كانت تشجعها على الكتابة والنشر، وسهير القلماوي، والمناضلة نغوين تي بينه، وعواطف عبدالرحمن، ولطيفة الزيات، وكوليت خوري، ونوال السعداوي، والسوفيتية فالنتينا تريشكوفا (أول امرأة رائدة فضاء في العالم) (ص:310-313).

كما تذكر أساتذتها العلماء بالفضل والإجلال، وكانت قد رافقت بعضهم في أعمال الثورة، ثم في العمل بعد التحرير، ومنهم: الدكتور والمفكّر والفيلسوف عبد المجيد مزيان الذي علمها في جامعة الجزائر حين واصلت تعليمها الجامعي في الفترة من (1966-1969م) فتحصل على الليسانس في الفلسفة، وتمر الأيام ليكون وزيراً للثقافة، وهي وزيرة للتربية والتعليم.

هذه النجاحات والشهرة التي حققتها دفعتها للاقتراب من واقع المرأة وهمومها، فبدت قلقة، ترسم عبر نصها هذا الواقع عموماً- وليست وضع المرأة العربية فحسب مع تفاوت النسب- ، وتختزل هذا القلق الواعي في سؤال تطرحه: «هل يُمكن للإنسان العربي المسلم أن يتمتّع بالحرية، ونصفه لا يزال يعاني العبودية؟» (ص: 345).

وإنّما الحقوق التي تحلم زهور أن تنالها المرأة: حق الاحترام والعدل، والانعتاق والحرية وكل هذا لا يَمْثِلُ في أغطية وأوراق المؤتمرات والمحاضرات والكتب والتنظيرات المختلفة، فتكتب: «ما أريده هو أن أحظى باحترام الرجل، كما أحترمه، ويحفظ حقوقي تماماً كما أحفظ حقوقه، يحترمني كامرأة نعم، لكن امرأة تملك عقلا، تماماً مثلما أحترمه كامرئ يحمل عقلا، يجب أن تكون المروءة قاسماً مشتركا بيني وبينه، وليس الذكورة أو الأنوثة».(ص: 318).

وزهور ونيسي التي رفضت سابقاً فرصاً عُرضت لها لإكمال دراستها العليا في سوريا ومصر إيماناً منها أنّ الجزائر في حاجة إلى إكمال عملها ونضالها، وقادرة على تعليمها، فهي بعد هذه الرحلة الطويلة من الكفاح لا تهاجر من الجزائر إلا إليها، إلى بلدة «ليوة» في جنوب الجزائر، حيث تستقرّ ست سنوات، عاشت الطبيعة في عذريتها، وجالست عجائز القرية ونسائها واستمعت إلى قصص كفاحهن، وأحلامهن وهمومهن، وكتبت روايتها المصنفة واحدة من أجمل الروايات المطبوعة في القرن العشرين الميلادي، وهي «لونجة والغول».

***

تعلمنا هذه السيرة، من بين ما تعلمنا إياه، التسامح والنبل، وأنَّ الانتقام ليس قوّة بل العكس تماماً. تعلمنا أنّ قلوبنا بيضاء والكره والحقد والضغينة تشوّه هذا البياض وتدنسه، وتعلمنا أنّ المجد طريق مرّت فوقه قدمان توضأتا الصدق والكفاح والحب والكرم والاستقامة والتضحية ودماثة الأخلاق. وإنّما أقول هذا لما حضر في هذه السيرة من مواقف بطولية ودروس ثمينة، ومواقف كان لزهور فيها أن تغضب، وتنتقم ولو بكتابة أسماء من أساءوا إليها، أو استغلال نفوذها السلطوي لردِّ الإساءة، ولكنها لم تفعل، فبدت دائمة هادئة وهادئة، لتعلمنا أيضاً: «أن الهدوء وتمالك الأعصاب أهم شروط النجاح» (ص:407).

إنَّ حياة بهذا الثراء والنضج الذي عاشته الكاتبة لا بد أنْ تولد إنساناً كريماً في أخلاقه، وتسامحه، ففي موقف قالت لها إحدى صديقاتها: لست أدري هل أصفك بالغباء أم بالقداسة؟ وتعلّق زهور على هذا: «كان ذلك بعد حادثة أساءت لي فيها، وقابلتُ تلك الإساءة بالتسامح والحب، لأنني ببساطة لا أعرف كيف أكره أو أحسد أو أعادي، ربما كانت شخصيتي أكبر من كلِّ ذلك الذي كثيراً كنت أعتبره تفاهات، بل إن مشاعري كانت بيئة لا تنبت فيها بذور الشر، أو الحقد أو الحسد، وهو أمر أعتقد أنه لا صلة له بالبلاهة أو الغباء، بل هو الطبيعة الصافية الخيرة التي فطر الله عليها الإنسان أساساً» (ص: 122-123).

وتخلق أعذاراً لمواقف مع أساتذتها، فهي تبرّر أنّ أستاذها الصادق الحماني بدافع الحب وحده يصوِّر المرأة العربيّة بصفات بشعة أمام الفتاة الفرنسية الأنيقة والمتعلمة والنبيلة في مسرحيته، ثم يجبر زهور على تمثيل أحد أدوارها فترفض، لتقوم إثر هذا مشكلة يتعرض فيها والدها لإهانة، ولكنها تبرِّر ذلك: «عندما كبرتُ فهمتُ جيداً كيف كان رحمه الله يغار على المرأة العربية، ويريد بشدة أن تكون في مستوى المرأة في العالم المتقدم، ولم يجد لأحلامه وسيلة، إلا هذا النوع من النقد الجارح القاسي الذي اعتمده في المسرحية» (ص:109).

أمّا على مستوى شهرتها، فمن يقرأ هذه السيرة سيجد زهوراً لم تختر الألقاب والعمل الوزاري، ولم تبحث يوماً أنْ تكون في الواجهة، كل ما اختارته أنْ تعمل بإخلاص في صمتٍ وهدوء، وأكثر من هذا اختارت أنْ تكون امرأة مستقلةً لم تُحسب على أيِّ جهة في اتخاذ قراراتها، حتّى بعد انتسابها لحزب جبهة التحرير الوطني. كما اختارت أنْ تكون مواطنة لها تاريخ نضالي مشرِّف، مثقَّفة، ذات قيمٍ نبيلة، حافظت عليها إذ ضربت أنموذجاً لتطبيق العدل والمساواة في تطبيق القانون، وإن كان أمام أفراد عائلتها في مواقف ذكرتها. وهذا أبرز الأسباب الجوهرية لنجاحها، ولمحبة الناس لها.

***

وتتألم الكاتبة بتحوّل العلاقة بين الجزائر ومصر، هذا التحول الذي دفعت إليه عناصر لا تمثّل غير ثآليل وإفرازات لمراحل عابرة، فلا تمثّل مصر الكنانة ولا الجزائر الصامدة. كما تهجس لانهيار بعض المكاسب التي حققتها الجزائر، وسقوطها في وحل الانتهازية والغوغائية، وتبدو حزينة لتعملق الخونة، وحيك المؤامرات للنيل من الحق.

ولا تنتمي هذه السيرة إلى الجزائر زمن الاستعمار، ومراحله الأولى من التحرّر فحسب، بل إلى الجزائر اليوم، وإلى الأوطان العربيّة بعمومها، وربما الإنسانيّة، الأوطان الحالمة بوحدة الإِنسان الذي يؤرقه همها، فيدفعه للتفكير والعمل والإصرار، والانتماء لثقافته وحضارته.

إنّ فرادة هذه السيرة لا تَمْثِلُ في أفراح وأحزان وهموم من كتبها؛ فهذا مما يشترك الناس فيه جميعاً، بل في صدق التجربة ونوعيتها التي تجعلها مصدراً لاستلهام القوة والشجاعة، والإرادة، والإصرار على الحياة، والتسامح والحب، والنضال. سيرة تقدّم نموذجاً مشرفاً للمرأة، من خلال سيرة ثريّة كتبتها امرأة مجاهدة وشجاعة وصادقة وغير دبلوماسية أبداً في زمن رادفت فيه هذه الكلمة معاني المراوغة والمجاملة.

ولهذا استحقت، أَيْ زهور، أنْ يصفها المجاهد محمّد الشريف، بالصخرة التي تتكسّر عليها الأمواج ولا تكسرها (ص: 210).

7,999 total views, 5 views today