نسرين نجم – اختصاصية في علم النفس الاجتماعي


قَالَ تَعَالى في مُحكم كتابه: “مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ”.. هذه الآية الكريمة كانت محط تساؤل، وإشكالية عند الكثير من العلماء والمختصين، كيف أنَّ بيت العنكبوت وَهِن رغم أنَّ خيوطه أقوى من الفولاذ؟ لكن بعد دراسات وأبحاث حول البيت العنكبوتي، تبيَّن التالي: بعد أن يَقُوم ذكر العنكبوت بتلقيح الأنثى، تقوم الأخيرة بافتراسه، وتتغذَّى على لحمه طيلة فترة حَضَانتها للبيض، وبعد أن يَفْقِس البيض تتغذَّى اليرقات على أضعفِها، ثم بعد أن يقوَى ويشتد عُود صِغَار العناكب، تقوم بأكل أمها؛ لأنها أصبحت ضعيفة. وانطلاقًا من هذا، فإنَّ الوَهَن والضَّعْف في بيت العنكبوت هو في ضَعْف الترابط الأسري.

لَقَد انطلقنا من مِثَال بَيْت العنكبوت في مقالنا هذا، لنلقِي الضوءَ على الوهن الذي أصابَ التواصل والترابط بين أفراد الأسرة الواحدة، وحصول التباعُد بينهم، صحيح أنَّ سقفًا واحدًا يجمعهم، لكن هناك هوة كبيرة بينهم، وكأن كل فرد منهم يعيش في عالمه الخاص البعيد كل البُعد عن الآخر، وهذا ما نُلَاحِظه في أغلبية بيوتنا العربية للأسف.. وأسباب هذا الوهن عديدة؛ لعل أبرزها:

– نقص فيتامين المودة والرحمة والحوار: فهذا الفيتامين لو تمَّ تناوله بطريقة دائمة وصحيحة لكانت الأسر بأفضل صحة: نفسيًّا وعاطفيًّا؛ وبالتالي تقضي من خلاله على كل ضعف أو مشكلة تضرب الهيكلية الأسرية.

– الطَّلاق العاطفي بين الزوجين: رغم أنَّهما لم يتطلقا فعليًّا، ولكن كل منهما يعيش مع الآخر غصبًا عنه بسبب وجود الأطفال، أو لعدم وجود حلٍّ آخر. وموضوع الطلاق العاطفي من أخطر المشكلات التي قد تواجه الأسرة؛ فعندما يغيب -أو بالأحرى ينعدم- عنصري المودة والمحبة، تبدأ بكتيريا المشكلات، والحساسية المفرطة بين الطرفين، تطفو على ساحة البيت.

– عدم الإيمان بمبدأ القناعة: والسعي الدائم إلى تقليد الآخرين في اللباس والأثاث…وغير ذلك، عن طريق القروض؛ وذلك نظرًا لسوء الأحوال المعيشية وارتفاع الأسعار؛ ففي لحظة البدء بتسديد القرض، تبدأ الصرخات تتعالى، ويتهم كل طرف الآخر بأنه السبب في توريطه بالديون.

– عدم الفهم الصحيح لمفهوميْ “الزواج” و”تكوين الأسرة” – أو بالأحرى غياب الثقافة الزوجية: والتي من خلالها يتم التعرُّف على حقوق وواجبات كل طرف، والمسؤوليات المُلقاة على عاتقيهما، ووضع خطط لكيفية إدارة البيت وتربية الأبناء؛ لذا نجد الكثيرَ من الأهالي استسلموا ورفعوا الراية البيضاء لعدم قدرتهم على تربية أطفالهم؛ وذلك لعدم امتلاكهم الوعي والنضج والمعرفة اللازمة للتحكم بمجريات الأمور.

– غياب عامل مهم ومُؤثِّر فيما بَعد بمُجريات الحياة الزوجية؛ ألا وهو: كيفية اختيار الشريك المناسب الذي يتوافق مع شريكته بالفكر والمنطق والأخلاق والسلوك.

– مَوَاقع التواصل الاجتماعي: وما حملته من انفتاح بلا حدود أو قيود على عوالم غريبة وعجيبة، وعلى أشخاص مجهولين. سيما أنَّ بعض الأزواج -ونتيجة للنقص العاطفي، وعدم التفاهم والانسجام مع الزوج (ة)- يختارون الطريق الأسهل للهروب؛ ألا وهو: الخيانة الزوجية الافتراضية. فيميلون مع كل كلمة “غزل” تُقال لهم، والمصطادون في الماء العكر كُثر، وقليلو الأخلاق منتشرون بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فتتفجر عندها الخيانة بكل أشكالها وأنواعها.

– سيطرة مفهوم الأنانية والفردية وتشيُّؤ العلاقات الإنسانية.

– ارتفاع نسبة الأمراض النفسية نتيجة عوامل عديدة؛ منها: سوء الأحوال الاقتصادية والأمنية، وتراكمات الحياة، ومكبوتات الماضي.. كلُّ هذا لا بد أن ينفجر في مكان ما، خاصة في ظل غياب مفهوم اللجوء إلى المعالج النفسي؛ فهذه الثقافة للأسف -وعلى رغم من كل التطور والتقدم الهائل الحاصل- لا يزال البعض يخاف أو يصاب بالهلع، أو بالأحرى يكابر على نفسه، ويعتبر أن الآخرين هم المرضى وليس هو؛ وذلك عندما نذكر أمامهم ضرورة مراجعة معالج نفسي، على الرغم من أهمية هذه الخطوة التي تحمِي صحة الانسان النفسية، وتحمي أسرته؛ وبالتالي مجتمعه، خاصة وأنَّ حالات قتل سُجِّلت هذه السنة من قبل أحد أفراد العائلة لأسرته تمامًا، كما حصل في لبنان مع الأب الذي قتل ابنته وزوجته، ومن ثم انتحر.

– ولا يُمكن أن نَنْسى غياب الوازع الديني والأخلاقي، وعدم الالتزام بالدين بمعناه الحقيقي؛ أي بالسلوك الحسن، وحُسن المعاملة، والاحترام… وغير ذلك.

إذن؛ بيوتنا -وللأسف- وصلت إلى مرحلة أنها أوهن من بيت العنكبوت فعلًا؛ لذا ولتكون هذه الأسرة الحضن الدافئ لأفرادها، ولتشكِّل شبكة الأمن والأمان الاجتماعي والعاطفي والنفسي، لا بدّ من تعزيز مفاهيم الحوار والتفاهم والمصارحة، وتقوية الروابط عبر القيام بأنشطة مشتركة. مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، ولا يوجد شيء صعب؛ الأمر كله مرتبط بالنية، والإرادة، والتصميم.

إنْ وَهَن البيت.. ضَعُف المجتمع، وضَاع الوطن.