سما‭ ‬عيسى – كاتب‭ ‬وناقد‭ ‬سينمائي


ورقة‭ ‬مُقدمة‭ ‬ضمن‭ ‬احتفائية‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬بنزوى،‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬ندوات‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬قاسم‭ ‬الهميمي‭ ‬الفكرية‭ ‬‭”‬من‭ ‬أعلامنا‭”‬‭ ‬


يَذْهَب‭ ‬الباحثُون‭ ‬مِمَّن‭ ‬درس‭ ‬تصميم‭ ‬المحاريب‭ ‬ونقشها‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬العُمانية،‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬أقدم‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مُزخرف‭ ‬حفظه‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬التلف‭ ‬والضياع‭ ‬والكسر،‭ ‬هو‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬سعال‭ ‬بنزوى،‭ ‬والذي‭ ‬يعُود‭ ‬تصميمه‭ ‬ونقشه‭ ‬إلى‭ ‬العام‭ ‬650هـ‭/‬1252م،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬أُرِّخ‭ ‬تصميمه‭ ‬وزخرفته‭ ‬وهو‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬الأغبري‭ ‬بسمائل‭ ‬المُؤرَّخ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1245هـ‭/‬1829م،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬السيد‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬البوسعيدي،‭ ‬مِثلما‭ ‬تذكُر‭ ‬كتابة‭ ‬على‭ ‬المِحْرَاب،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يذكُر‭ ‬اسم‭ ‬صانعه‭ ‬وناقشه،‭ ‬والأمر‭ ‬كذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬سعال؛‭ ‬حيث‭ ‬نحتفظُ‭ ‬فقط‭ ‬بالاسم‭ ‬الأول‭ ‬للنقاش‭ ‬محمد،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬بقاء‭ ‬اسم‭ ‬أبيه‭ ‬ولقبه‭.‬

أي‭ ‬أنَّ‭ ‬بين‭ ‬المِحْرَابين‭ ‬الأول‭ ‬والأخير‭ ‬زهاء‭ ‬فترة‭ ‬امتدت‭ ‬ستة‭ ‬قرون،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬كفيلة‭ ‬بنضج‭ ‬الشخصية‭ ‬الفنية‭ ‬لدى‭ ‬النقاشين‭ ‬العُمانيين،‭ ‬الذين‭ ‬تتالتْ‭ ‬أعمالهم‭ ‬جيلًا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬رغم‭ ‬فترةِ‭ ‬انقطاعٍ‭ ‬طويلة‭ ‬حَدَثت‭ ‬بين‭ ‬تصميم‭ ‬وزخرفة‭ ‬المِحْرَاب‭ ‬الأول،‭ ‬واستئناف‭ ‬التجربة‭ ‬متواصلة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭. ‬هذا‭ ‬التطوُّر‭ ‬الفني‭ ‬رَفَد‭ ‬تجربته‭ ‬من‭ ‬مؤثرات‭ ‬مختلفة؛‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬آسيا‭ ‬أو‭ ‬إفريقيا،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬حافظتْ‭ -‬أي‭ ‬التجربة‭- ‬على‭ ‬كَمَال‭ ‬ونُضج‭ ‬الشخصية‭ ‬الفنية‭ ‬العُمانية،‭ ‬والتي‭ ‬نحنُ‭ ‬اليوم‭ ‬بصَدَد‭ ‬الاحتفاءِ‭ ‬بواحدٍ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬رمُوزها‭ ‬المصمِّم‭ ‬والنقاش‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬قاسم‭ ‬الهميمي،‭ ‬الذي‭ ‬أبدع‭ ‬تجربته‭ ‬المتميزة‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الهجري‭ / ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

‭(‬1‭)‬

وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬التي‭ ‬قُدِّمت‭ ‬حول‭ ‬مدرسة‭ ‬النقش‭ ‬على‭ ‬المحاريب‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬العُمانية،‭ ‬نُجمِل‭ ‬أهمها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

1-‭ ‬دراسة‭ ‬الباحثة‭ ‬مونيك‭ ‬كيرفان‭ ‬المنشورة‭ ‬عام‭ ‬1996م‭.‬

2-‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬العُمانية‭ ‬القديمة‭.‬

للدكتور‭ ‬إيروس‭ ‬بلدسيرا‭ – ‬أستاذ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬بجامعة‭ ‬البندقية‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬والصادر‭ ‬في‭ ‬1994‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬التراث‭ ‬والثقافة‭.‬

3-‭ ‬مساجد‭ ‬عُمان‭ ‬وأضرحتها‭ ‬التاريخية‭.‬

للأستاذ‭ ‬باولو‭ ‬م‭.‬كوستا‭ – ‬جامعة‭ ‬بولونيا‭/‬إيطاليا‭ ‬2001م،‭ ‬ترجمه‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالله‭ ‬الحراصي‭ ‬عام‭ ‬2006م،‭ ‬والصادر‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬والشؤون‭ ‬الدينية‭.‬

4-‭ ‬الفن‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬عُمان‭.‬

موسوعة‭ ‬ألَّفها‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬السالمي،‭ ‬والدكتور‭ ‬هاينز‭ ‬جوبي،‭ ‬والدكتور‭ ‬لورنز‭ ‬كورن،‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬والشؤون‭ ‬الدينية‭ ‬2014م‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬ترجمها‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬الدكتور‭ ‬هلال‭ ‬الحجري‭.‬

‭(‬2‭)‬

الحد‭ ‬الأعلى‭ ‬للمحاريب‭ ‬الجبسية‭ ‬المنقوشة‭ -‬التي‭ ‬تم‭ ‬مسحها‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭- ‬يبلغ‭ ‬عددها‭ ‬29‭ ‬مِحْرَابا،‭ ‬توزَّعت‭ ‬على‭ ‬الأزمنة‭ ‬التالية‭: ‬مِحْرَاب‭ ‬واحد‭ ‬يعود‭ ‬للقرن‭ ‬السابع‭ ‬الهجري‭ / ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

أ‭-‬‭ ‬16‭ ‬مِحْرَابا‭ ‬تعود‭ ‬للقرن‭ ‬العاشر‭ ‬الهجري‭ / ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

ب‭-‬‭ ‬3‭ ‬محاريب‭ ‬تعود‭ ‬للقرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬الهجري‭ / ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

ج‭-‬‭ ‬9‭ ‬محاريب‭  ‬تعود‭ ‬للقرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬الهجري‭ / ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

مُساهمة‭ ‬النقَّاش‭ ‬والمُصمِّم‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬قاسم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬الهميمي،‭ ‬توزَّعت‭ ‬على‭ ‬الأمكنة‭ ‬والأزمنة‭ ‬التالية‭:‬

مسجد‭ ‬العالي‭ ‬بمنح‭ – ‬أُنجِز‭ ‬عام‭ ‬909‭ ‬هـ‭/ ‬1503م‭.‬

مسجد‭ ‬العين‭ ‬بمنح‭ – ‬أُنجِز‭ ‬عام‭ ‬911‭ ‬هـ‭/ ‬1505م‭.‬

مسجد‭ ‬الجامع‭ ‬ببهلا‭ – ‬أُنجِز‭ ‬عام‭ ‬917هـ‭/ ‬1511م‭.‬

مسجد‭ ‬الشراة‭ ‬بمنح‭ – ‬أُنجِز‭ ‬عام‭ ‬922هـ‭/ ‬1516م‭.‬

‭* ‬مسجد‭ ‬الشرجة‭ ‬بنزوى‭ – ‬أُنجِز‭ ‬عام‭ ‬924هـ‭/ ‬1518م‭.‬

مِمَّا‭ ‬هو‭ ‬لافت‭ ‬للنظر‭ ‬أيضا‭ ‬أنَّ‭ ‬تجربته‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬العالي‭ ‬بمنح،‭ ‬كان‭ ‬المتكفل‭ ‬بإنجازها‭ ‬وهب‭ ‬بن‭ ‬أحمد،‭ ‬بينما‭ ‬يحضر‭ ‬اسم‭ ‬ابنه‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬وهب‭ ‬كقائم‭ ‬على‭ ‬تجربته‭ ‬في‭ ‬جامع‭ ‬بهلا،‭ ‬وفي‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬العين‭ ‬بمنح‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬الشراة‭ ‬بمنح‭ ‬ومسجد‭ ‬الشرجة‭ ‬بنزوى،‭ ‬فتحضر‭ ‬أسماء‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭.‬

‭(‬3‭)‬

عَوْدَة‭ ‬إلى‭ ‬دِراسة‭ ‬مونيك‭ ‬كيرفان‭ -‬والمنشورة‭ ‬عام‭ ‬1996م‭- ‬تذهب‭ ‬في‭ ‬دراستها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬النقَّاشين‭ ‬العُمانيين‭ ‬مُستمدة‭ ‬في‭ ‬تكوينها‭ ‬الفني‭ ‬من‭ ‬النقش‭ ‬الفارسي،‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تقول‭ ‬إنَّ‭ ‬المحاريب‭ ‬العُمانية‭ ‬مثَّلت‭ ‬نموذجًا‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬تقاليد‭ ‬إيرانية‭ ‬عريقة؛‭ ‬أي‭ ‬أنَّها‭ ‬ترى‭ ‬أنَّ‭ ‬العُمانيين‭ ‬نقلوا‭ ‬بشكل‭ ‬حرفي‭ ‬تجربة‭ ‬النقش‭ ‬الفارسي‭ ‬الذي‭ ‬سبقهم‭ ‬بعدة‭ ‬قرون‭. ‬تعقد‭ ‬كيرفان‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬المحاريب‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬مثل‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬نايين‭ ‬المصمم‭ ‬عام‭ ‬350هـ‭ /‬960م،‭ ‬ومِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬أصفهان‭ ‬المصمم‭ ‬عام‭ ‬1310هـ‭/ ‬960م‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبين‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬سعال‭ ‬بنزوى‭ ‬المصمم‭ ‬عام‭ ‬650هـ،‭ ‬ومحاريب‭ ‬المرحلة‭ ‬اللاحقة‭ ‬التي‭ ‬صمَّمها‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬قاسم‭ ‬الهميمي،‭ ‬وعائلة‭ ‬شمل‭ ‬المنحي‭ ‬وغيرهم‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الهجري‭.‬

عودةً‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬لاحقة‭ ‬لدراسة‭ ‬مونيك‭ ‬كيرفان،‭ ‬قدَّمها‭ ‬الأستاذ‭ ‬باولو‭ ‬كوستا،‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬بولونيا‭ ‬بإيطاليا،‭ ‬ونشرها‭ ‬ضمن‭ ‬مؤلفه‭ “‬مساجد‭ ‬عُمان‭ ‬وأضرحتها‭ ‬التاريخية‭”‬،‭ ‬والصادر‭ ‬عام‭ ‬2006م‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬والشؤون‭ ‬الدينية،‭ ‬وترجمه‭ ‬للعربية‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالله‭ ‬الحراصي،‭ ‬وهو‭ ‬حصيلة‭ ‬جُهُود‭ ‬استمرَّت‭ ‬عشرة‭ ‬أعوام‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1976‭-‬1986م‭.‬

ينتقدُ‭ ‬الأستاذ‭ ‬باولو‭ ‬كوستا‭ ‬ما‭ ‬أسمَاه‭ ‬بالتبسيط‭ ‬الذي‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬مونيك‭ ‬كيرفان،‭ ‬والتي‭ ‬بكلِّ‭ ‬بساطة‭ ‬لم‭ ‬تَر‭ ‬في‭ ‬النقَّاشين‭ ‬العُمانيين‭ ‬غير‭ ‬نقلة‭ ‬لذوق‭ ‬وتقنيات‭ ‬الفرس،‭ ‬مُستخلصا‭ ‬وجود‭ ‬تأثيرات‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬فارسية؛‭ ‬أهمها‭: ‬ثقافة‭ ‬شعوب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬مُنتبها‭ ‬إلى‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الاختلافات‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬النقاشين‭ ‬العُمانيين،‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬النقاشين‭ ‬الفرس،‭ ‬مثل‭ ‬التشبيك‭ ‬الضفيري‭ ‬الذي‭ ‬يتخذ‭ ‬لديهم‭ ‬شكل‭ ‬منحنى‭ ‬الأضلاع،‭ ‬وذلك‭ ‬بتأثير‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬التشبيك‭ ‬الفارسي‭ ‬مستقيم‭ ‬الخطوط‭. ‬كما‭ ‬لاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬اختلاف‭ ‬وضع‭ ‬النجمات‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬التجربتين،‭ ‬حيث‭ ‬جاءت‭ ‬لدى‭ ‬العُمانيين‭ ‬متضافرة،‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬ظفيرة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬رصت‭ ‬فيه‭ ‬رصا‭ ‬بمسجد‭ ‬بنايين‭ ‬الفارسي‭.‬

فريق‭ ‬عمل‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬والشؤون‭ ‬الدينية‭ -‬المُؤلَّف‭ ‬من‭: ‬الدكتور‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬السالمي،‭ ‬والدكتور‭ ‬هاينز‭ ‬جوبي،‭ ‬والدكتور‭ ‬لورنز‭ ‬كورن‭- ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬تفرُّد‭ ‬العُمانيين‭ ‬في‭ ‬تصاميم‭ ‬زخرفية‭ ‬متميزة‭ ‬مختلفة؛‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬سعال‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الهجري،‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬تجاربهم‭ ‬في‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬الأغبري‭ ‬بسمائل‭ ‬والمنجز‭ ‬عام‭ ‬1245هـ‭/‬1829م؛‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬دراسة‭ ‬عميقة‭ ‬تناولت‭ ‬الفراغ‭ ‬المجوَّف‭ ‬الهلالي‭ ‬الشكل‭ ‬للقوس‭ ‬الخارجي‭ ‬بمِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬سعال،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانتْ‭ ‬فيه‭ ‬المحاريب‭ ‬الفارسية‭ ‬ذات‭ ‬فراغات‭ ‬مجوفة‭ ‬زهرية،‭ ‬والفراغات‭ ‬المجوفة‭ ‬بمسجد‭ ‬سعال‭ ‬جاءتْ‭ ‬بتصميم‭ ‬زهرة‭ ‬سباعية‭ ‬التويجات،‭ ‬ذات‭ ‬وحدة‭ ‬زخرفية‭ ‬مركزية‭. ‬يحيط‭ ‬الحد‭ ‬المرصع‭ ‬بلؤلؤة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭ ‬الزخرفية‭ ‬المركزية؛‭ ‬وذلك‭ ‬بكتابة‭ ‬قرآنية‭ ‬دائرية؛‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬من‭ ‬الزهور‭ ‬وضفيرة‭ ‬من‭ ‬الكواكب؛‭ ‬ذلك‭ ‬مثلما‭ ‬يرى‭ ‬المؤلفون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬الفاطمي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬الفارسي؛‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬عرفه‭ ‬العُمانيون‭ ‬عبر‭ ‬اليمن‭ ‬القريبة‭ ‬منهم‭ ‬جغرافيا‭ ‬وحضاريا‭.‬

الأهمُّ‭ ‬هُنا‭ ‬أنَّ‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬سعال‭ ‬يُعتبر‭ ‬المِحْرَاب‭ ‬الأساس؛‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬النقاشين‭ ‬العُمانيين‭ ‬لأقدميته‭ (‬650هـ‭)‬؛‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬كافة‭ ‬المحاريب‭ ‬اللاحقة‭ ‬جاءت‭ ‬بعدة‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬الأعوام،‭ ‬وهنا‭ ‬ونحن‭ ‬نتَّخذ‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬قاسم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬الهميمي‭ ‬نموذجا،‭ ‬يجدر‭ ‬بِنَا‭ ‬دراسة‭ ‬الإضافات‭ ‬المتميزة‭ ‬لتجربته،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمرجع‭ ‬الأساس،‭ ‬لنقف‭ ‬على‭ ‬تميز‭ ‬وأهمية‭ ‬موهبة‭ ‬النقاش‭ ‬الهميمي‭.‬

‭(‬4‭)‬

الأهم‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬النقاش‭ ‬الهميمي،‭ ‬هو‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬التجريب‭ ‬المتنوع‭ ‬والمختلف‭ ‬من‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬دون‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬ثابتة؛‭ ‬ذلك‭ ‬تم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬تأثيره‭ ‬الواضح‭ ‬فنيًّا‭ ‬بالمِحْرَاب‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬جامع‭ ‬سعال؛‭ ‬إذ‭ ‬يتمثَّل‭ ‬تأثره‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬تمسكه‭ ‬بالضفيرة‭ ‬منحنية‭ ‬الأضلاع،‭ ‬والأثر‭ ‬العام‭ ‬لسطح‭ ‬منبسط‭ ‬مغطَّى‭ ‬بجبس‭ ‬منقوش،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬استلهم‭ ‬مؤثرات‭ ‬أخرى‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬موهبته‭ ‬المتميزة،‭ ‬والدفع‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬اتجاه‭ ‬خاص‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬زخرفة‭ ‬المِحْرَاب‭ ‬العُماني‭.‬

نُجمِل‭ ‬إضافاته‭ ‬المتميزة‭ ‬في‭ ‬النقاط‭ ‬التالية‭:‬

1‭) ‬التجريب‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬دون‭ ‬الركون‭ ‬لصيغة‭ ‬محددة‭ ‬ثابتة،‭ ‬استخدامه‭ ‬القرميد‭ ‬المقولب‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬العالي‭ ‬بمنح‭ ‬المنجز‭ ‬عام‭ ‬909هـ،‭ ‬ثم‭ ‬ليترك‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬العين‭ ‬بمنح‭ ‬عام‭ ‬911هـ،‭ ‬ليعود‭ ‬إلى‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬بهلا‭ ‬عام‭ ‬917هـ‭.‬

2‭) ‬تنبثق‭ ‬الأقواس‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬سعال‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬المِحْرَاب،‭ ‬بينما‭ ‬اعتمد‭ ‬الهميمي‭ ‬في‭ ‬تركيبها‭ ‬بمسجد‭ ‬العين؛‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الأقواس‭ ‬المتراكبة‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭.‬

3‭) ‬زخرفة‭ ‬الأزهار‭ ‬بمسجد‭ ‬العين‭ ‬توسَّطها‭ ‬طائر‭ ‬العنقاء،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬أدرج‭ ‬وحدة‭ ‬زخرفية‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬طوق‭ ‬من‭ ‬العقد‭ ‬المركبة،‭ ‬تتعاقب‭ ‬ووحدات‭ ‬زخرفية‭ ‬زهرية‭.‬

4‭) ‬تصميم‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬له‭ ‬رأس‭ ‬بصلة‭ ‬في‭ ‬جامع‭ ‬بهلا،‭ ‬ثم‭ ‬الإقلاع‭ ‬عنه‭ ‬إلى‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬بقلنسوة‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬الشراة‭ ‬بمنح؛‭ ‬ليُصبح‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تقليدا‭ ‬تسير‭ ‬عليه‭ ‬تصاميم‭ ‬المحاريب‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬عامة‭.‬

5‭) ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬تقليد‭ ‬النقش‭ ‬المزدهر‭ ‬آنذاك‭ ‬باليمن‭ ‬عبر‭ ‬استخدام‭ ‬السكين‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬النقش‭ ‬الغائر‭ ‬لوحدات‭ ‬زخرفية‭ ‬هندسية‭ ‬مختلفة‭.‬

6‭) ‬استخدام‭ ‬الخطين‭ ‬الكوفي‭ ‬والنسخ‭ ‬معافي‭ ‬تتال‭ ‬جمالي،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬العالي‭ ‬بمنح؛‭ ‬حيث‭ ‬نقشت‭ ‬الشهادة‭ ‬على‭ ‬سطر‭ ‬ضخم‭ ‬بالخط‭ ‬الكوفي،‭ ‬يتبعه‭ ‬سطر‭ ‬مزدوج‭ ‬بخط‭ ‬النسخ‭.‬

7‭) ‬استخدام‭ ‬الطاسات‭ ‬الخزفية‭ ‬لأغراض‭ ‬الزينة‭ ‬في‭ ‬المساجد،‭ ‬يؤرخ‭ ‬ذلك‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬العين‭ ‬بمنح‭ ‬عام‭ ‬911هـ‭/‬1505م؛‭ ‬حيث‭ ‬وضع‭ ‬صحن‭ ‬خزفي‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الكوة‭ ‬العليا‭ ‬للمِحْرَاب‭. ‬كرر‭ ‬الهميمي‭ ‬ذلك‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬مسجد‭ ‬الشرجة‭ ‬بنزوى،‭ ‬وهو‭ ‬آخر‭ ‬إنجازاته‭ ‬عام‭ ‬924هـ‭/‬1518م‭.‬

وحول‭ ‬استخدام‭ ‬الطاسات‭ ‬الخزفية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬يذهب‭ ‬الأستاذ‭ ‬كوستا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬العُمانيين‭ ‬جلبوا‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا،‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬أونغوانا‭ ‬وجيدي‭ ‬ومافوي‭ ‬وكلوه،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬عرفت‭ ‬دورة‭ ‬تصدير‭ ‬الخزف‭ ‬الصيني‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬والذي‭ ‬تعهدته‭ ‬حكومة‭ ‬منج‭ ‬الصينية‭.‬

‭(‬5‭)‬

كَتَب‭ ‬الأستاذ‭ ‬باولو‭ ‬كوستا‭ ‬مُتحدِّثا‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬النقاش‭ ‬الهميمي‭ ‬في‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬جامع‭ ‬بهلا‭ ‬خاصة‭: “‬إنَّ‭ ‬الآثار‭ ‬المتبقية‭ ‬من‭ ‬زخرفة‭ ‬المِحْرَاب‭ ‬في‭ ‬جامع‭ ‬بهلا‭ ‬مثيرة،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬أسلوبها‭ ‬وتقنية‭ ‬الجص‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬التجويف‭. ‬وهنا،‭ ‬تأخد‭ ‬الأوراق‭ ‬الضخمة‭ ‬والأزهار‭ ‬والصرر‭ ‬أشكالا‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد‭ ‬تبرُز‭ ‬من‭ ‬خلفية‭ ‬ملساء‭. ‬وليس‭ ‬لهذه‭ ‬الزخرفة‭ ‬شبيه‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭”. ‬يذهب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مُقَارِنًا‭ ‬بين‭ ‬زخرفة‭ ‬جامع‭ ‬بهلا‭ ‬وزخرفة‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬قبر‭ (‬Alaviyan‭) ‬بإيران،‭ ‬والذي‭ ‬صُمِّم‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬الهجري،‭ ‬يذهب‭ ‬مُستخلصا‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬المبنيين؛‭ ‬نظرا‭ ‬للفاصل‭ ‬الزمني‭ ‬بين‭ ‬التجربتين،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ملاحظته‭ ‬المهمة‭ ‬بأنَّ‭ ‬كل‭ ‬المحاريب‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬تعتبر‭ ‬عناصر‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬المساجد‭ ‬المسيجة‭ ‬بها،‭ ‬بخلاف‭ ‬مِحْرَاب‭ ‬همدان‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬جُزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬القبر‭ ‬بأكمله،‭ ‬وهو‭ ‬المِحْرَاب‭ ‬الذي‭ ‬اعتمدته‭ ‬مونيك‭ ‬كيرفان‭ ‬نموذجا‭ ‬تقلل‭ ‬به‭ ‬أصالة‭ ‬مدرسة‭ ‬النقش‭ ‬العُماني‭ ‬ومواهب‭ ‬مبدعيها‭.‬

‭(‬6‭)‬

هل‭ ‬قدَّم‭ ‬النقاش‭ ‬الهميمي‭ ‬وأبناء‭ ‬جيله‭ ‬من‭ ‬النقَّاشين‭ ‬العُمانيين‭ ‬أسلوبا‭ ‬متميزا‭ ‬وإبداعيا‭ ‬في‭ ‬النقش‭ ‬على‭ ‬المحاريب‭ ‬وتصميمها؟

دُون‭ ‬شك،‭ ‬لا‭ ‬نُنكِر‭ ‬التأثير‭ ‬الخارجي‭ ‬عليهم؛‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬فارس‭ ‬أو‭ ‬اليمن‭ ‬أو‭ ‬مصر‭ ‬أو‭ ‬الهند‭ ‬أو‭ ‬إفريقيا،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إيجابي؛‭ ‬بمعنى‭ ‬انفتاحهم‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬وتفاعلهم‭ ‬معه،‭ ‬أي‭ ‬عدم‭ ‬انغلاقهم‭ ‬وتقوقعهم‭. ‬كلُّ‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬الخارجي‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬طَمْس‭ ‬الأساليب‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬النقش‭ ‬لدى‭ ‬الهميمي‭ ‬وزملائه‭. ‬مدرسة‭ ‬النقش‭ ‬العُماني‭ ‬تركت‭ ‬لنا‭ ‬إرثا‭ ‬جماليًّا‭ ‬يقف‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬حُبِّ‭ ‬العُمانيين‭ ‬للفنون،‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬ذلك‭ ‬أبدًا‭ ‬مع‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬الدينية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬التي‭ ‬عرفوا‭ ‬بالتمسك‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬وبالدفاع‭ ‬عنها‭ ‬ونصرتها‭ ‬وإعلائها‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭.‬

309 total views, 5 views today