د. سعيد بهون علي
باحث في أدب الأطفال وثقافتهم – جامعة بومرداس / الجزائر


أدب الأطفال في مجموعه هو الآثار الفنّية التي تصوّر أفكارا، وإحساسات وأخيلة تتّفق ومدارك الأطفال، وتتّخذ أشكال القصّة والشعر والمسرحيّة والمقالة والأغنية[1]، بهدف تحقيق الإفادة والإمتاع معا.

وهو نوع أدبيّ متجدّد في أدب أيّ لغة، يراعي حاجات الطفل وقدراته العقليّة واللّغويّة والذوقيّة[2]، ويسعى إلى إرهاف حسّه الفنّي، والسموّ بذوّقه الأدبي ونموّه المتكامل [3].

وتكمن أهمّية هذا الأدب في تغذية عقول الأطفال وقلوبهم بأساليب ممتعة، فيعرّفهم بتراثهم، ويساعدهم على فهم النفس البشريّة ودوافعها، وينمّي خيالهم وقدرتهم على الإبداع والابتكار، ويغني ثروتهم اللّغويّة، ويوسّع آفاق معرفتهم في شتّى الميادين، فضلا عمّا يوفّره من تسلية ومؤانسة وترويح عن النفس[4].

وبالنظر إلى ما تتقاسمه الإنسانيّة اليوم من تداعيات وباء كورونا على اختلاف مواقعها الجغرافيّة وتعدّد أنماط حياتها، في ظلّ منجزات علميّة وتقنيّة لم يسبق للإنسان تحقيقيها ولا الاعتماد عليها، فعطّل مسيرة الحياة في كثير من مجالاتها، وأظهر حقائق في العلاقات والكيانات والأشياء، ممّا دفع بالجميع إلى التكيّف والـمواءمة، والشروع في مراجعات عميقة، وإعادة النظر والتفكير بجدّ وفي أسرع وقت لـما بعد الوباء.

هذا الحراك المتعدّد والشامل ينبئ بتغييرات كبيرة ومتسارعة، ستحدث في المستقبل القريب لـمختلف مناحي الحياة وأساليبها لدى أغلب الكيانات والأفراد، وستلقي بضلالها على جهود رعاية الأطفال وتثقيفهم، سواء على مستوى المضامين أم على مستوى الوسائط والأساليب.

ولحدّ الآن، لا أحد من خبراء الاستشراف ولا من هيئات التفكير يملك معطيات دقيقة يعوّل عليها في  القطع بملامح المرحلة المقبلة، وما يمكن أن يعدّ لها من إعدادات في أيّ مجال، ومنها أدب الأطفال، لما يكتنف الواقع من غموض واضطراب يحول دون ما تقدّم، إلا أنّ هذا لا يعفينا من مقاربة الأمر على ضوء ما توفّر من بيانات.

فأدب الأطفال لاشكّ سينفتح على مضامين غير مسبوقة، وسيركّز على مسائل كانت إلى عهد قريب من قبيل الترف الفكريّ، تتعلّق أساسا بقيم الأمن المشترك في أبعاده المحلّية والإنسانيّة، ومراجعة علاقة الإنسان بالطبيعة والكون، فضلا عن الوعي الصحّي وما يحدق بنا جميعا من أخطار، ما لم يتهذّب الفكر البشريّ في خياراته وتجاربه البيولوجيّة، مهما كانت الدوافع والمصالح والمبرّرات.

إلى جانب هذا، فإنّ أدب الأطفال قد شرع منذ مطلع هذا القرن في استثمار التقنيّة، من خلال تطويع عديد المبدعين في مختلف فنونه لكتاباتهم وفق مقتضياتها، وما أتاحته من تطبيقات ووسائط، برزت في برمجيّات ثقافيّة ومواد أدبيّة شيّقة، جمعت بين الإفادة والإمتاع معا.

وإذا كان هذا المنحى قد انطلق بتباطؤ منذ عقدين، فإنّ وثيرته ستزداد سرعة وكثافة في ظلّ ما فرضه الوباء على الجميع من حجر منزلي، لا سبيل فيه إلى التواصل بين المبدع والمتلقّي إلا وسائط العالم الافتراضي، وبقدر ما يمتدّ عمر الوباء ستبرز أشكال كتابيّة غير معهودة، تتناغم مع التطبيقات التي ستكشفها أجهزة التواصل والاتصال.

وبناء على ما تقدّم يتعيّن على المبدعين للأطفال الشروع في مواكبة المتغيّرات الحالية بكلّ جرأة واندفاع، والتجريب في أنماط كتابيّة تتساوق وفرص التقنيّة، وما تبثّه في نفوس طفولة اليوم والغد من نزوع نحو المتعة والإفادة الشيّقة والخاطفة، بالشراكة والتعاون من خبراء العالم الرقمي، كما يتعيّن أيضا على الدراسين والنقّاد تضافرا في معاينة واقع الحركة الإبداعيّة الموجّهة للأطفال، ومتطلّبات المرحلة المقبلة، فيما له صلة بحاجات الطفولة الثقافيّة، وقدراتها وأذواقها الفنّية.


[1]– هادي نعمان الهيتي: أدب الأطفال، فلسفته، فنونه، وسائطه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة: دار الشؤون الثقافية العامة، بالاشتراك بغداد، 1977م، ص .72.

[2]– ينظر هادي النعمان الهيتي، ثقافة الأطفال، سلسلة عالم المعرفة، عدد 123، الكويت، 1988، ص155.

[3]– هدى قناوي، الطفل وأدب الأطفال، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1994، ص 67.

[4]– ينظر عبد السلام البقالي، تقنية الكتابة للأطفال، مجلة الطفل العربي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1992، ص 78.

Hits: 593