إذا‭ ‬كان‭ ‬النصُّ‭ ‬الأدبيُّ‭ ‬للطفل‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أنْ‭ ‬يُجَاري‭ ‬الصُّورة‭ ‬الجميلة‭ ‬في‭ ‬شدِّ‭ ‬انتباه‭ ‬الأذهان‭ ‬الصغيرة‭ ‬إليه،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬له‭ ‬ميزة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬كل‭ ‬صُور‭ ‬العالم‭ ‬الجميلة‭ ‬أنْ‭ ‬تجاريه‭ ‬فيه،‭ ‬وتلك‭ ‬المَيْزة‭ ‬هي‭ ‬أنَّه‭ ‬يؤهل‭ ‬الطفل‭ ‬تدريجيا‭ ‬لأن‭ ‬يحاكي‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬الصغير‭ ‬النص،‭ ‬ويبتكر‭ ‬مثيلا‭ ‬له‭ ‬بأنْ‭ ‬يلبس‭ ‬مخيلته‭ ‬المُرهفة‭ ‬حُللا‭ ‬قشيبَة‭ ‬تُمكنه‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬أنْ‭ ‬يبرع‭ ‬في‭ ‬سَكب‭ ‬الأدب‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬الأبيض‭.‬
والأديبُ‭ ‬السوريُّ‭ ‬مُهنَّد‭ ‬العاقوص،‭ ‬أحد‭ ‬روَّاد‭ ‬صناعة‭ ‬قصة‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬يَحكي‭ ‬عن‭ ‬أُوْلى‭ ‬أيَّام‭ ‬حياته‭ ‬الناعمة‭ ‬والغليظة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد؛‭ ‬فيقول‭: ‬وُلدتُ‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المخيَّمات؛‭ ‬حيث‭ ‬الحكايات‭ ‬تولَد‭ ‬مرسومة‭ ‬على‭ ‬الجدران،‭ ‬وعلى‭ ‬وُجوه‭ ‬الفقراء،‭ ‬عملتُ‭ ‬بائعًا‭ ‬متجوِّلًا‭ ‬في‭ ‬طفولتي،‭ ‬فاختزنتْ‭ ‬ذاكرتي‭ ‬حكايات‭ ‬تتدفق‭ ‬مثل‭ ‬شلال‭ ‬يركض‭ ‬بطفولة‭ ‬لعِناق‭ ‬كل‭ ‬الأطفال‭ ‬العطشى،‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬ترويهم‭ ‬كلمة‭ ‬صادقة‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يجُول‭ ‬في‭ ‬حارات‭ ‬دمشق،‭ ‬قاطفا‭ ‬الياسمين،‭ ‬ممتلئا‭ ‬بالهديل‭ ‬والزقزقات،‭ ‬ناثِرا‭ ‬صدى‭ ‬خُطوات‭ ‬حذاء‭ ‬صغير‭ ‬مُهترِئ‭ ‬يقفزُ‭ ‬بكلِّ‭ ‬سعادة‭ ‬نحو‭ ‬مغامرات‭ ‬صارت‭ ‬حكايات‭ ‬للجميع‭.‬
ويتابع‭: “‬بعدها،‭ ‬عملتُ‭ ‬مُعلِّما‭ ‬للأطفال،‭ ‬فتعلمت‭ ‬منهم‭ ‬أنَّ‭ ‬الأحلام‭ ‬التي‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬إبرة،‭ ‬قد‭ ‬تُصبح‭ ‬سماءً،‭ ‬وأنَّ‭ ‬القلب‭ ‬كالناي،‭ ‬كُلَّما‭ ‬صدقت‭ ‬نواياه‭ ‬ازداد‭ ‬العُشب‭ ‬والقطيع‭ ‬والالحان،‭ ‬ثم‭ ‬عملتُ‭ ‬مُعلِّما‭ ‬مع‭ ‬الأطفال‭ ‬المكفوفين،‭ ‬فادركتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬النور‭ ‬الذي‭ ‬يخرُج‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬يدُوم‭ ‬طويلا؛‭ ‬فكتبتُ‭ ‬لهم‭ ‬كي‭ ‬أضِيء‭ ‬لهم‭ ‬ساعات‭ ‬الدرس؛‭ ‬فاضاؤوا‭ ‬لي‭ ‬مُستقبلا‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ‭ ‬فيه‭ ‬فوانيس‭ ‬الكلمات،‭ ‬ومعهُم‭ ‬بدأ‭ ‬الطريق،‭ ‬وبدأتْ‭ ‬الحكاية؛‭ ‬لأصِير‭ ‬كاتبا‭ ‬بنتاجٍ‭ ‬غزير‭ ‬في‭: ‬القصَّة،‭ ‬والشِّعر،‭ ‬والمَسرح،‭ ‬والرُّواية،‭ ‬والسِّيناريو‭ ‬مُتدِّرجا‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬عديدة‭ “‬أمين‭ ‬تحرير،‭ ‬مُدير‭ ‬تحرير،‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير،‭ ‬مُترجم،‭ ‬مُدرب‭ ‬ومُعد‭ ‬للبرامج‭ ‬الإذاعية‭ ‬والتليفزيونية‭”.‬

—————————————————-
أجرى‭ ‬الحوار‭ :‬محمد‭ ‬بن‭ ‬رضا‭ ‬اللواتي
—————————————————-

اختار‭ ‬مُهنَّد‭ ‬أن‭ ‬يُبقي‭ ‬الطِّفل‭ ‬في‭ ‬حجرِه‭ ‬وهو‭ ‬يُسمعه‭ ‬حكايات‭ ‬المساء‭ ‬الدَّافئ،‭ ‬فيملأ‭ ‬قلبُه‭ ‬بالحنان‭ ‬والأمل‭ ‬والجمال‭.. ‬لماذا؟
في‭ ‬بدايتي،‭ ‬كتبتُ‭ ‬الشِّعر‭ ‬والقصَّة‭ ‬للكبار،‭ ‬وحققتُ‭ ‬جائزة‭ ‬بالقصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬صَوت‭ ‬الطفولة‭ ‬كان‭ ‬يجرفني‭ ‬نحو‭ ‬أفق‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا؛‭ ‬مِمَّا‭ ‬يضيق‭ ‬به‭ ‬عالم‭ ‬الكبار؛‭ ‬فأنت‭ ‬حِين‭ ‬تخاطب‭ ‬الكبار‭ ‬قد‭ ‬تؤثر،‭ ‬وقد‭ ‬تفشل‭ ‬بالتأثير‭ ‬على‭ ‬وعيهم،‭ ‬لكنَّك‭ ‬حين‭ ‬تعمل‭ ‬مع‭ ‬الأطفال،‭ ‬فإنك‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬تُغيِّر‭ ‬شيئا‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬ازداد‭ ‬فيه‭ ‬وعي‭ ‬الصغار،‭ ‬وازدادتْ‭ ‬نسبة‭ ‬الأكسجين‭ ‬في‭ ‬رئتيه‭.‬
حلمتُ‭ ‬أن‭ ‬أصير‭ ‬شاعرًا‭ ‬كنِزار‭ ‬قباني،‭ ‬أو‭ ‬قاصًّا‭ ‬محترفا‭ ‬مثل‭ ‬زكريا‭ ‬تامر،‭ ‬أو‭ ‬رُوائيًّا‭ ‬مثل‭ ‬حنَّا‭ ‬مِينا،‭ ‬أو‭ ‬مسرحيًّا‭ ‬مثل‭ ‬سعد‭ ‬الله‭ ‬ونوس‭ ‬وممدوح‭ ‬عدوان‭.. ‬كانت‭ ‬رُوْحي‭ ‬تحلُم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الإبداعي‭ ‬الواسع‭. ‬ولأنَّ‭ ‬طاقة‭ ‬الكَوْن‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وجدت‭ ‬القدر‭ ‬يرتب‭ ‬لي‭ ‬المواعيد‭ ‬مع‭ ‬أدب‭ ‬الطفل،‭ ‬ليكبُر‭ ‬الحلم‭ ‬مِثلما‭ ‬يكبُر‭ ‬الأطفال‭ ‬فجأة،‭ ‬لأكتُب‭ ‬حُالمًا‭ ‬بأنْ‭ ‬أكون‭ ‬الأفضل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وأن‭ ‬أكُون‭ ‬كجدي‭ ‬سليمان‭ ‬العيسى،‭ ‬وكالعظيمة‭ ‬السويدية‭ ‬أستريد‭ ‬ليندغرين،‭ ‬خليَّة‭ ‬حيَّة‭ ‬تُسَاعِد‭ ‬هذا‭ ‬الجسد‭ ‬الإنساني‭ ‬الواحد‭ ‬على‭ ‬أنْ‭ ‬يَحْيَا‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أفضل،‭ ‬وبكامل‭ ‬عافيته‭.‬

ما‭ ‬أهميَّة‭ ‬أدب‭ ‬الطفل‭ ‬ورسالته‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر؟
إنَّ‭ ‬أدبَ‭ ‬الطفل‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يُنتجه‭ ‬الفكر‭ ‬الابداعي‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬وآداب‭ ‬حاليًا؛‭ ‬فقد‭ ‬تنبِّه‭ ‬الجميع‭ ‬لضرُورة‭ ‬التعلُّم‭ ‬بالاستمتاع،‭ ‬وصار‭ ‬أدب‭ ‬الطفل‭ ‬هو‭ ‬الحافلة‭ ‬الملوَّنة‭ ‬المتَّجِهة‭ ‬نَحو‭ ‬الآفاقِ‭ ‬الرحبة،‭ ‬وهو‭ ‬الحقنة‭ ‬الواقية‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬نتفادَى‭ ‬أمراض‭ ‬تَنْشأ‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬يُعَانون‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬مَناعة‭ ‬فنية‭ ‬وأدبية‭ ‬وقيمية‭ ‬في‭ ‬الصِّغر،‭ ‬وهو‭ ‬الجِسر‭ ‬بَيْن‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‭ ‬لشُعوب‭ ‬تَطْمَح‭ ‬لمد‭ ‬أيادي‭ ‬المحبَّة‭ ‬والسلام‭ ‬لبعضها،‭ ‬وأدبُ‭ ‬الطفل‭ ‬هو‭ ‬إستراتيجيَّة‭ ‬مُتَكامِلة‭ ‬يُخطط‭ ‬لها‭ ‬العقل‭ ‬الواعي‭ ‬لترتقي‭ ‬به‭ ‬الأمم‭ ‬وتزدهر‭.‬

تَزداد‭ ‬قصص‭ ‬الأطفال،‭ ‬وتتوافر‭ ‬على‭ ‬رُفوف‭ ‬معارض‭ ‬الكتب‭ ‬بشكل‭ ‬لافت،‭ ‬لكن‭ ‬رُبَّما‭ ‬تختلف‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الجودة‭.. ‬فما‭ ‬رأيك؟
هذا‭ ‬أدبُ‭ ‬الطفل‭ ‬عامَّة،‭ ‬لكنه‭ ‬عِنْدَنا‭ ‬يكاد‭ ‬يكُون‭ ‬أدبًا‭ ‬ربحيًّا‭ ‬لم‭ ‬تتبلوَر‭ ‬ملامحه‭ ‬الاحترافية‭ ‬بعد،‭ ‬فنجد‭ ‬تباينات‭ ‬تستعصي‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬أحيانا،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬التطوُّر‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬شَهده‭ ‬أدبُ‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة؛‭ ‬فكُتب‭ ‬الأطفال‭ ‬ملأت‭ ‬الرُّفوف‭ ‬والواجهات،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬ملأت‭ ‬مكتبات‭ ‬المنازل؟‭ ‬وهل‭ ‬وصلتْ‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬الباطن‭ ‬لتغيِّر‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الطفل‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل؟
لا‭ ‬أُنْكِر‭ ‬وُجود‭ ‬بعضِ‭ ‬الأدب‭ ‬الراقي‭ ‬عربيًّا‭ ‬استطاعوا‭ ‬الوصول‭ ‬للعالمية،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الطُّموح‭ ‬أنْ‭ ‬يُصبح‭ ‬للأدب‭ ‬العربي‭ ‬ملامح‭ ‬تميِّزه،‭ ‬وتطلعات‭ ‬مُنبثقة‭ ‬عن‭ ‬بنات‭ ‬أفكاره،‭ ‬وتبقَى‭ ‬التمنياتُ‭ ‬أن‭ ‬نُقدِّم‭ ‬أفلامَ‭ ‬رُسوم‭ ‬مُتحركة‭ “‬آنيميشن‭” ‬تصلُ‭ ‬إلى‭ ‬العالمية؛‭ ‬فنؤكد‭ ‬عَبْرَها‭ ‬أنَّنا‭ ‬فاعلون،‭ ‬وأصحاب‭ ‬حِرَاك‭ ‬إنساني‭ ‬إبداعي‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬عَنَاصر‭ ‬نَجاح‭ ‬القصص‭ ‬المُوجَّهة‭ ‬للطفل؟‭ ‬وكيف‭ ‬للمربِّي‭ ‬أنْ‭ ‬يُحدد‭ ‬المعايير‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬القصة‭ ‬المناسبة‭ ‬للطفل؟
من‭ ‬تجرِبتي،‭ ‬وجدتُ‭ ‬الصِّدق‭ ‬في‭ ‬الخطاب،‭ ‬واحترام‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬أنَّه‭ ‬كائنٌ‭ ‬ذكيٌّ‭ ‬قارِئ‭ ‬لما‭ ‬تختزنه‭ ‬الكلمات‭ ‬من‭ ‬قُوَّة‭ ‬كامِنة‭ ‬تتفجر‭ ‬عِنْدَما‭ ‬تلامسها‭ ‬العين،‭ ‬لتُخبرنا‭ ‬بمَكنُونات‭ ‬الكاتب،‭ ‬وما‭ ‬يشعر‭ ‬ويُريد‭ ‬إيصاله؛‭ ‬لذلك‭ ‬أَرى‭ ‬الصِّدق‭ ‬والعُمق‭ ‬والخَيال‭ ‬من‭ ‬أهمِّ‭ ‬عَوَامل‭ ‬نجاح‭ ‬القصة،‭ ‬والقصَّة‭ ‬الجيدة‭ ‬لها‭ ‬فعل‭ ‬الحلوى،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نُدرِك‭ ‬تركيبتها،‭ ‬ولا‭ ‬نعرفُ‭ ‬سرَّ‭ ‬مَذاقها،‭ ‬لكنَّنا‭ ‬نستسلمُ‭ ‬لِمَا‭ ‬تتركه‭ ‬من‭ ‬أثرٍ‭ ‬جميلٍ‭ ‬فينا‭.‬
والتَّسَاؤل‭: ‬هل‭ ‬كلُّ‭ ‬الحَلوى‭ ‬مُفِيْدة؟
للأسف،‭ ‬ليس‭ ‬كلُّ‭ ‬ما‭ ‬تُحبه‭ ‬العين‭ ‬هو‭ ‬مُفيد‭ ‬وجيِّد؛‭ ‬لذلك‭ ‬على‭ ‬الأهل‭ ‬أنْ‭ ‬يمتلكُوا‭ ‬الثقافة‭ ‬والقُدرة‭ ‬على‭ ‬الاختيارِ‭ ‬الجيِّد‭ ‬بِمَا‭ ‬يَتَنَاسب‭ ‬مع‭ ‬المُيول،‭ ‬ويُعزِّز‭ ‬القيم،‭ ‬ويُطلِق‭ ‬الخيال،‭ ‬ويخلُق‭ ‬تساؤلات‭ ‬تَتَنَاسب‭ ‬مع‭ ‬الفئةِ‭ ‬العمرية،‭ ‬وتدريب‭ ‬الطِّفل‭ ‬على‭ ‬الاختيارِ‭ ‬بنفسِهِ،‭ ‬بعد‭ ‬التأكُّد‭ ‬من‭ ‬صَوَابية‭ ‬ذائقتِه‭ ‬الفنيَّة‭ ‬والأدبيَّة‭.‬
وَقَبل‭ ‬أنْ‭ ‬تأتي‭ ‬مسؤوليَّة‭ ‬الأهل‭ ‬والمربِّين،‭ ‬تَقَع‭ ‬المسؤوليَّة‭ ‬على‭ ‬الجِهات‭ ‬العُليا‭ ‬وأسواق‭ ‬المال‭ ‬التي‭ ‬تُوجِّه‭ ‬السوق‭ ‬والناشر‭ ‬والكاتب،‭ ‬نحو‭ ‬بنك‭ ‬قَضَايا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكُون‭ ‬دائمًا‭ ‬بنَّاءة‭ ‬وسلِيْمَة،‭ ‬خاصَّة‭ ‬عِند‭ ‬الارتجالِ‭ ‬والعشوائيَّة‭ ‬في‭ ‬الحِرَاك‭ ‬الأدبيِّ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المَيْدان‭.‬

كَيْف‭ ‬تُقيِّمون‭ ‬تجربة‭ ‬أدب‭ ‬الطفل‭ ‬والتَّأليف‭ ‬في‭ ‬السلطنة؟
فِي‭ ‬سلطنةِ‭ ‬عُمان‭ ‬بَدَأ‭ ‬نسيمُ‭ ‬أدب‭ ‬الطفل‭ ‬يهبُّ‭ ‬مُنعِشًا‭ ‬الرُّوح‭ ‬الفتيَّة‭ ‬التي‭ ‬أُرَاهن‭ ‬أنَّها‭ ‬ستَتصدَّر‭ ‬المشهد‭ ‬قريبًا،‭ ‬رغم‭ ‬أنَّ‭ ‬التجربة‭ ‬لا‭ ‬تَزَال‭ ‬مُقيَّدة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬ولم‭ ‬تُنَافس‭ ‬الرِّواية‭ ‬والشِّعر‭ ‬والقِصَّة‭ ‬التي‭ ‬تميَّز‭ ‬بها‭ ‬العُمانيون‭.‬

وَمَا‭ ‬أهمُّ‭ ‬التحدِّيات‭ ‬التي‭ ‬تُوَاجهها‭ ‬هذه‭ ‬الصِّناعة‭ ‬في‭ ‬السلطنة‭ ‬تحديدًا؟‭ ‬
أدبُ‭ ‬الطِّفل‭ ‬هُنَا‭ ‬لا‭ ‬يَزال‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الدعم،‭ ‬وهذا‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يُوَاجِهه‭ ‬من‭ ‬تحدِّيات،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أنَّ‭ ‬السببَ‭ ‬هو‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نَعِي‭ ‬القدرة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬لأدب‭ ‬الطفل؛‭ ‬فلو‭ ‬تكلَّمنا‭ ‬على‭ ‬مُستوى‭ ‬الإستراتيجيات،‭ ‬فإنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬نظريات‭ ‬الدُّنيا‭ ‬تُؤكِّد‭ ‬أنَّ‭ ‬الاستثمارَ‭ ‬بالإنسان‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬أنواع‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وهُنَاك‭ ‬شواهد‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭ ‬أُممٍ‭ ‬نهضتْ‭ ‬بفضلِ‭ ‬الاهتمام‭ ‬بمرحلةِ‭ ‬الطفولة،‭ ‬فأنتَ‭ ‬حِيْن‭ ‬تُعد‭ ‬طفلًا‭ ‬واعيًا‭ ‬مُثقَّفا،‭ ‬سيُسهم‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬مُستقبلا‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬رفدِ‭ ‬مُقدِّرات‭ ‬الدولة،‭ ‬وإن‭ ‬بسَّطنا‭ ‬الأمور‭ ‬لننظُر‭ ‬من‭ ‬زاويةٍ‭ ‬ربحيةٍ،‭ ‬فإنَّني‭ ‬اسأل‭ ‬كلَّ‭ ‬مستثمر‭ “‬هل‭ ‬تعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬إنتاج‭ ‬فيلم‭ “‬آنيميشن‭” ‬جيد،‭ ‬يعود‭ ‬عليك‭ ‬بربح‭ ‬لا‭ ‬تُحقِّقه‭ ‬بأي‭ ‬منتج‭ ‬آخر؟‭”.‬
ومن‭ ‬هُنا،‭ ‬تنشَأ‭ ‬أهميَّة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالحركة‭ ‬الأدبيَّة‭ ‬التي‭ ‬يُحَاول‭ ‬العُماني‭ ‬إيلاءها‭ ‬لأدب‭ ‬الطفل‭ ‬عبر‭ ‬طاقاته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ينقُصهَا‭ ‬سِوَى‭ ‬الدَّعْم‭ ‬والقَرَارات،‭ ‬وتَخْلِيص‭ ‬العجلةِ‭ ‬من‭ ‬الرُّوتين‭ ‬والبيروقراطيَّة‭ ‬والتقوقُع‭ ‬الجغرافي‭.‬
إنَّ‭ ‬بِناء‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية،‭ ‬أو‭ ‬دعنا‭ ‬نقُول‭ ‬توفير‭ ‬التربة‭ ‬الخَصْبة،‭ ‬يبدأ‭ ‬عبر‭ ‬قَرَارات‭ ‬حُكوميَّة‭ ‬فعَّالة‭ ‬تضخ‭ ‬الدم‭ ‬في‭ ‬عُروق‭ ‬الجِهَات‭ ‬المؤثِّرة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬بأهميَّة‭ ‬أدبِ‭ ‬الطفل،‭ ‬ثمَّ‭ ‬يأتي‭ ‬دَوْر‭ ‬الأهل‭ ‬والمدربين‭ ‬والتربويين‭ ‬ليكُونوا‭ ‬قُدوةً‭ ‬تستهلكُ‭ ‬الثقافة‭ ‬إيجابيًّا،‭ ‬وتخلقُ‭ ‬جيلاً‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬يستهلك‭ ‬الأدب‭ ‬بكل‭ ‬مَحبَّة‭ ‬وتفاعل‭ ‬وإيجابية‭.‬
وَهَذَا‭ ‬ينطبقُ‭ ‬على‭ ‬الأدبِ‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬خَارج‭ ‬الحدود؛‭ ‬فنحن‭ ‬لَسْنا‭ ‬في‭ ‬قوقعة‭ ‬مُنعزلة،‭ ‬بل‭ ‬كَان‭ ‬الدَّور‭ ‬الحضاري‭ ‬للعَرب‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬إنتاجِ‭ ‬المعرفة‭ ‬وترجمتِها‭ ‬ونقلِها؛‭ ‬فلا‭ ‬أجد‭ ‬مُبرِّرا‭ ‬للخوف‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر‭ ‬التي‭ ‬تغني‭ ‬ثقافتنا،‭ ‬شرط‭ ‬ألا‭ ‬تتعارَض‭ ‬مع‭ ‬قيمنا‭: ‬الوطنية،‭ ‬والمجتمعية،‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬والدينية؛‭ ‬لذلك‭ ‬يُنْصَح‭ ‬بترجمةِ‭ ‬ما‭ ‬يُسمَّى‭ ‬بـ‭”‬الأدب‭ ‬الإنساني‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬يُقرب‭ ‬الشعوب،‭ ‬ويناسب‭ ‬الإنسان‭ ‬أينمَا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أرضٍ‭ ‬هي‭ ‬وطن‭ ‬واحد‭ ‬يسكُنه‭ ‬شعب‭ ‬واحد،‭ ‬لكن‭ ‬كلَّ‭ ‬هذا‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬نُنتج‭ ‬الفكرَ‭ ‬الذي‭ ‬يُنَاسِبنا‭ ‬ونُلقِّحه‭ ‬بما‭ ‬يغنيه‭. ‬أما‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكلي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يَأتي‭ ‬مِن‭ ‬وَرَاء‭ ‬الحُدُود،‭ ‬فهُو‭ ‬تبعيَّة‭ ‬فكريَّة‭ ‬قد‭ ‬تَنْشَأ‭ ‬عنها‭ ‬سلبيَّات‭ ‬كبيرة‭. ‬وبشكل‭ ‬عام،‭ ‬فإنَّ‭ ‬التعريبَ‭ ‬أجدى‭ ‬من‭ ‬الترجمة‭ ‬لأنَّه‭ ‬ينقي‭ ‬الأفكار،‭ ‬ويُلائمها‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬واللغة،‭ ‬ولا‭ ‬نغفل‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬المُوَازنة‭ ‬بَيْن‭ ‬ما‭ ‬نُترجِمه‭ ‬من‭ ‬لغات‭ ‬أخرى،‭ ‬وما‭ ‬نُترجمه‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬أدبنا‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬بَعْضِه‭ ‬يحملُ‭ ‬ملامح‭ ‬إنسانية‭ ‬مُشرفة‭.‬
‭.. ‬أنا‭ ‬أرَى‭ ‬أنَّ‭ ‬مُعدَّلات‭ ‬القراءة‭ ‬لم‭ ‬تَنْخَفِض،‭ ‬لكن‭ ‬هي‭ ‬عِبَارة‭ ‬عامَّة‭ ‬يُطلقها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مكان‭ ‬وزمان‭. ‬فالكتابُ‭ ‬خَضَع‭ ‬لمنافسةٍ‭ ‬شرسةٍ‭ ‬من‭ ‬مُنافسين‭ ‬كُثر‭ ‬عبر‭ ‬تاريخه؛‭ ‬فكان‭ ‬يُحَافِظ‭ ‬على‭ ‬مكانته،‭ ‬إنَّ‭ ‬اكتشاف‭ ‬فاكهة‭ ‬جديدة‭ ‬لن‭ ‬يدفعنا‭ ‬لإهمال‭ ‬باقي‭ ‬الفاكهة،‭ ‬وليس‭ ‬المطلوب‭ ‬مِنَّا‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الكتاب‭ ‬ومنافسيه،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬علينا‭ ‬فَلْتَرة‭ ‬كلِّ‭ ‬هذه‭ ‬المنابع،‭ ‬لنقدِّم‭ ‬للطفل‭ ‬أعذب‭ ‬ما‭ ‬يَرْوِي‭ ‬فكرَه‭ ‬وروحَه‭.‬
المُنتَج‭ ‬الجيِّد‭ ‬هو‭ ‬أفضل‭ ‬دِعَاية؛‭ ‬لذلك‭ ‬أرَى‭ ‬كل‭ ‬كتاب‭ ‬جيد‭ ‬هو‭ ‬دعوة‭ ‬وترويج‭ ‬للقراءة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضَرُورة‭ ‬امتلاكِ‭ ‬تقنيات‭ ‬القراءةِ‭ ‬الإبداعيَّة،‭ ‬والعاطفيَّة،‭ ‬والتفاعليَّة،‭ ‬وإنتاج‭ ‬الكتب‭ ‬التفاعليَّة‭ ‬التي‭ ‬تُؤاخي‭ ‬بين‭ ‬الورق‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وهُنَا‭ ‬نشير‭ ‬رافعين‭ ‬القُبَّعة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬المبادرات‭ ‬والمسابقات‭ ‬والميزانيات‭ ‬التي‭ ‬خُصِّصت،‭ ‬مُؤخرا،‭ ‬للترويجِ‭ ‬للقراءة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬ولإنتاج‭ ‬كتاب‭ ‬عصري‭.‬
الكتاب‭ ‬ليس‭ ‬المصدر‭ ‬الوحيد‭ ‬لأدب‭ ‬الطفل؛‭ ‬فالمسرح‭ ‬هو‭ ‬السِّحر‭ ‬الأكبر‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬مُخَاطبة‭ ‬الطفل،‭ ‬والصُّورة‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬العَصر؛‭ ‬لذلك‭ ‬نحن‭ ‬بانتظار‭ ‬شاشات‭ ‬تليفزيونيَّة‭ ‬وسينمائيَّة‭ -‬عُمانيَّة‭ ‬وعربيَّة‭- ‬تُثبت‭ ‬أنَّنا‭ ‬أصحاب‭ ‬رُؤى‭ ‬سليمة،‭ ‬تُدرك‭ ‬أنَّ‭ ‬معركة‭ ‬الوعي‭ ‬يربحُها‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعرفون‭ ‬كيف‭ ‬يرسمُون‭ ‬إستراتيجيات‭ ‬كبرى،‭ ‬نواتُها‭ ‬طِفل‭ ‬تأدَّب‭ ‬ليكبر‭ ‬وتكُبر‭ ‬به‭ ‬الأوطان‭.‬

574 total views, 5 views today