غادا‭ ‬فؤاد‭ ‬السمّان – كاتبة‭ ‬وشاعرة‭ ‬سورية‭ ‬ورئيس‭ ‬تحرير‭ ‬مجلّة ‭ -‬إلا‭ –  ‬بيروت


كما‭ ‬أنّ‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والجنون‭ ‬شعرة،‭ ‬وكما‭ ‬أنّ‭ ‬بين‭ ‬أحمد‭ ‬علي‭ ‬سعيد‭ “‬اسمه‭ ‬الأصل‭ ” ‬وأدونيس‭ “‬لقب‭ ‬الشهرة‭ ” ‬غربة‭ ‬بيئيّة‭ ‬واجتماعية‭ ‬وفكرية‭ ‬ومنطقية‭ ‬وعقلانية‭ ‬وزمنية‭ ‬تصل‭ ‬حدّ‭ ‬الأسطورة،‭ ‬هناك‭ ‬شرخ‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬نمطيّة‭ ‬التفكير‭ ‬عند‭ ‬أدونيس‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬الأسلوب‭ ‬التصاعدي‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هرميته‭ ‬الفكرية،‭ ‬والتصعيدي‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ “‬شطحاته‭” ‬المعرفيّة‭ ‬والتي‭ ‬يرمّمها‭ ‬عادة‭ ‬بتمرير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬محفوظات‭ ‬الذاكرة،‭ ‬المكتظّة‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الثقافات‭ ‬والقراءات‭ ‬والإطلاعات‭ ‬الموثّقة‭ ‬بأعلام‭ ‬وأقلام‭ ‬وأرباب‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر‭ ‬والفلسفة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وهي‭ ‬الرديفة‭ ‬لبعضها‭ ‬البعض‭ ‬أحياناً،‭ ‬والمتفاوتة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى،‭ ‬والمتناقضة‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬بين‭ ‬شرق‭ ‬وغرب،‭ ‬وعزاؤه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاشتغال‭ ‬الحثيث‭ ‬عدّة‭ ‬عوامل‭ ‬مسانده‭ ‬ومساعدة‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬أولها‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬فالعمر‭ ‬الطويل‭ ‬–‭ ‬أمدّ‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عمره‭- ‬والصحة‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬يتمتّع‭ ‬بها‭ ‬خوّلته‭ ‬بالمواصلة‭ ‬والاستمرار‭ ‬على‭ ‬خطّ‭ ‬البحث‭ ‬والتدقيق‭ ‬والمتابعة‭ ‬والإنتاج،‭ ‬ثانيهما‭ ‬وهذا‭ ‬مهم‭ ‬جداً‭ ‬المناخ‭ ‬الأوربي‭ ‬عموماً‭ ‬والفرنسي‭ ‬خصوصاً‭ ‬الذي‭ ‬يتمتّع‭ ‬فيه‭ ‬بكامل‭ ‬أجواء‭ ‬الحريّة‭ ‬التي‭ ‬وفّرت‭ ‬له‭ ‬بوتقة‭ ‬حاضنة‭ ‬لممارسة‭ ‬جميع‭ ‬طقوسه‭ ‬الفكريّة‭ ‬دون‭ ‬تحفّظ‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬حذر،‭ ‬وحتماً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليجد‭ ‬تلك‭ ‬الحرية‭ ‬العميقة‭ ‬ولو‭ ‬بقسط‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬بلده‭ ‬سوريا‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬بقيَ‭ ‬هناك،‭ ‬وخاصّة‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬حيث‭ ‬منطقة‭ ‬الريف‭ ‬التي‭ ‬اتّجه‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬ستة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬الدمشقية‭ ‬بقنبازه‭ ‬ومداسه‭ ‬المهترىء،‭ ‬ليقابل‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬آنذاك‭ ‬الذي‭ ‬اهتمّ‭ ‬بجرأة‭ ‬أحمد‭ ‬علي‭ ‬سعيد‭ ‬الشاب‭ ‬اليافع‭ ‬الطموح‭ ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬ثمّة‭ ‬رجال‭ ‬للحكومة‭ ‬يجلسون‭ ‬على‭ ‬كراسيهم‭ ‬ومؤخراتهم‭ ‬إلى‭ ‬الكرسي،‭ ‬ورأسهم‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬وعينهم‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطن،‭ ‬بعكس‭ ‬اليوم‭ ‬تماماً،‭ ‬حيث‭ ‬طامعين‭ ‬كُثُر‭ ‬يضعون‭ ‬رؤوسهم‭ ‬على‭ ‬الكرسي‭ ‬وعيونهم‭ ‬على‭ ‬المنصب‭ ‬ومؤخراتهم‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬ومن‭ ‬فيه،‭ ‬ثالثاً‭ ‬وهنا‭ ‬الطامّة‭ ‬الكبرى‭ ‬انحسار‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬والمشتغلين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الفكري‭ ‬المعرفي‭ ‬الفلسفي‭ ‬الأدبي‭ ‬النقدي‭ ‬وانصرافهم‭ ‬إلى‭ ‬مسعى‭ ‬آخر‭ ‬يوفر‭ ‬لهم‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬بما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬سُبُل‭ ‬متاحة‭ ‬بعدما‭  ‬تمّ‭ ‬تقويض‭ ‬الحركة‭ ‬الفكريّة‭ ‬العربيّة‭ ‬والأدبية،‭ ‬وتمكّن‭ ‬أصحاب‭ ‬المنابر‭ ‬قبل‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬تهشيم‭ ‬الحياة‭ ‬الصحافية،‭ ‬ونسف‭ ‬المطبوعات‭ ‬اليومية‭ ‬الورقية‭ ‬عن‭ ‬بكرة‭ ‬أبيها‭ ‬فتبعثرت‭ ‬الأقلام‭ ‬وتاه‭ ‬حرّاس‭ ‬الأبجدية‭ ‬وتلاشى‭ ‬الكتّاب‭ ‬وانصرفوا‭ ‬إلى‭ ‬البارات‭ ‬الثقافية‭ ‬والملاهي‭ ‬الأدبية‭ ‬يعرضون‭ ‬بضاعتهم‭ ‬على‭ ‬الأدباء‭ ‬الجُدد‭ ‬والدخلاء‭ ‬الكثر‭ ‬الذين‭ ‬يجيدون‭ ‬صناعة‭ ‬المناسبة‭ ‬الثقافية‭ ‬بعيدا‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الحدث‭ ‬الثقافي‭ ‬امتيازاتهم‭ ‬بذلك‭ ‬لقاءات‭ ‬متكرّرة‭ ‬ومغانمهم‭ ‬بذلك‭ ‬قراءات‭ ‬سطحية‭ ‬لأسماء‭ ‬باهتة‭ ‬جداً،‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬أيّة‭ ‬حالة‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬تفلح‭ ‬بترك‭ ‬أيّ‭ ‬صدىً‭ ‬يذكر‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المناسبة‭ ‬وإن‭ ‬بساعات‭ ‬وليس‭ ‬بأيام‭ ‬وشهور‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يحصل‭ ‬أيام‭ ‬أدونيس‭ ‬الذي‭ ‬اقتحم‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬والثمنينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الفائت‭ ‬في‭ ‬عزّ‭ ‬قيام‭ ‬النهضة‭ ‬الفكرية‭ ‬الإبداعية‭ ‬لجماعة‭ ‬مجلة‭ ‬شعر‭ “‬يوسف‭ ‬الخال،‭ ‬وأنسي‭ ‬الحاج،‭ ‬وشوقي‭ ‬أبو‭ ‬شقرا،‭ ‬وأدونيس‭ ” ‬وربما‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬كان‭ ‬أدونيس‭ ‬المنتمي‭ ‬عقائديّا‭ ‬للحزب‭ ‬القومي‭ ‬السوري‭ ‬وفكر‭ ‬أنطون‭ ‬سعادة‭ ‬هو‭ ‬الصوت‭ ‬الأعلى‭ ‬بين‭ ‬المجموعة‭ ‬لسعة‭ ‬اطلاعه‭ ‬وتمكّنه‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬الأحكام‭ ‬بإطاراتٍ‭ ‬نقدية‭ ‬حسب‭ ‬مرجعياتها‭ ‬ومدارسها‭ ‬ومشاربها‭ ‬ومساراتها‭ ‬التقليدية‭ ‬والحديثة‭ ‬وإلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬رهن‭ ‬متابعة‭ ‬جمهور‭ ‬عريض‭ ‬من‭ ‬النقّاد‭ ‬المتربصين‭ ‬بكلّ‭ ‬شاردة‭ ‬وواردة‭ ‬تكون‭ ‬مادة‭ ‬دسمة‭ ‬للتدوال‭ ‬عبر‭ ‬الصفحات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬أوجدت‭ ‬مناخاً‭ ‬يومياً‭ ‬خصباً‭ ‬لكافة‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬وأدباء‭ ‬وشعراء‭ ‬ومثقفين‭ ‬وحتى‭ ‬الناس‭ ‬العاديين‭ ‬كانوا‭ ‬معنيين‭ ‬في‭ ‬سجالات‭ ‬المثقفين‭ ‬وتقفّي‭ ‬أثر‭ ‬اللمعات‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬حيّز‭ ‬الصفحات‭ ‬الثقافية‭ ‬لتكون‭ ‬مثار‭ ‬تداول‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬اليومية‭ ‬ملعب‭ ‬جميع‭ ‬المثقفين‭ ‬ومحطاتهم‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬منطقة‭ ‬الحمرا‭- ‬البيروتيّة‭ ‬على‭ ‬الصفّين‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬الاتّجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الانسجام‭ ‬والتجانس‭ ‬الثقافي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاختلافات‭ ‬السياسية،‭ ‬هكذا‭ ‬استطاع‭ ‬أدونيس،‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬تحلّقوا‭ ‬حول‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬وكانوا‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬أعطوا‭ ‬بيروت‭ ‬شعلة‭ ‬مضيئة‭ ‬ميزتها‭ ‬بين‭ ‬العواصم‭ ‬وكرّستها‭ ‬كعاصمة‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بلا‭ ‬منازع،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بها‭ ‬أيام‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬التي‭ ‬دامت‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬السبعينات‭ ‬وبالكاد‭ ‬انتهت‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينات،‭ ‬ولو‭ ‬أنّ‭ ‬أدونيس‭ ‬تأخّر‭ ‬به‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬الخال‭ ‬والحاج‭ ‬وملازمة‭ ‬شوقي‭ ‬أبو‭ ‬شقرا‭ ‬الحاضر‭ ‬دائما‭ ‬رغم‭ ‬إفلاس‭ ‬النهار‭ ‬من‭ ‬حضورها‭ ‬الأدبي‭ ‬والفكري‭ ‬وغياب‭ ‬دورها‭ ‬السياسي،‭ ‬ورغم‭ ‬إفلاس‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬لصالح‭ ‬الأثرياء‭ ‬الجدُد،‭ ‬الذين‭ ‬رهنوا‭ ‬أنفسهم،‭ ‬لانهيار‭ ‬كل‭ ‬المنظومات‭ ‬السائدة‭ ‬والتي‭ ‬أسس‭ ‬لها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أرباب‭ ‬التنوير‭ ‬الفكري‭ ‬والإبداع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬حتى‭ ‬لنكاد‭ ‬نجزم‭ ‬أن‭ ‬أدونيس‭ ‬وحده،‭ ‬يكاد‭ ‬يتفرّد‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الفكرية‭ ‬لمواظبته‭ ‬على‭ ‬المتابعة‭ ‬والمواصلة‭ ‬والحضور،‭ ‬فلم‭ ‬تعقه‭ ‬التقانة‭ ‬الحديثة‭ ‬وفرط‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وغياب‭ ‬المنافسين‭ ‬التام‭ ‬له،‭ ‬وتلاشي‭ ‬النقاد‭ ‬الفعلين‭ ‬إلا‭ ‬اللهم‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الطبطبة‭ ‬والمحسوبيات‭ ‬والمنافقة‭ ‬الأدبية،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يعقه‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬والحضور‭ ‬في‭ ‬عدّة‭ ‬محاضرات‭ ‬خلال‭ ‬معرض‭ ‬الكتاب‭ ‬الدولي‭ ‬اللبناني‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬2018‭ ‬ولم‭ ‬يتسنّ‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬حضور‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬والمحاضرات‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬بلقاءات‭ ‬خاصّة‭ ‬وفّرتها‭ ‬بعض‭ ‬الصالونات‭ ‬الإجتماعيّة‭ ‬للإحتفاء‭ ‬بشخص‭ ‬أدونيس‭ ‬والتكنّي‭ ‬بشهرة‭ ‬أدونيس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الإغتناء‭ ‬بفكره،‭ ‬وعندما‭ ‬أبديت‭ ‬بعض‭ ‬الامتعاض‭ ‬لغيابي‭ ‬كالعادة‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬المناسبات‭ ‬الدائرة،‭ ‬كان‭ ‬الجواب‭ ‬واحداً‭ ‬لدى‭ ‬الجميع‭ ‬تقريباً‭ ‬جازمين‭ ‬بالقول‭: ‬لم‭ ‬يفتكِ‭ ‬الكثير،‭ ‬فأدونيس‭ ‬بدأ‭ ‬يكرر‭ ‬نفسه،‭ ‬ويجترّ‭ ‬ذات‭ ‬الأفكار،‭ ‬ويصدّر‭ ‬ما‭ ‬يشاء‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬مشفّرة‭ ‬إلى‭ ‬الحضور‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يتناهى‭ ‬الصوت‭ ‬إلى‭ ‬لجان‭ ‬جائزة‭ “‬نوبل‭” ‬ويمنحونه‭ ‬وإن‭ ‬مناصفة‭ ‬مع‭ ‬مرشح‭ ‬آخر‭ ‬حلم‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭ ‬والغد‭ ‬الذي‭ ‬كرّس‭ ‬لأجله‭ ‬معظم‭ ‬قناعاته‭ ‬والتي‭ ‬وضّبها‭ ‬زمناً‭ ‬طويلاً‭ ‬وهندسها‭ ‬حسب‭ ‬خريطة‭ ‬الطريق‭ ‬التي‭ ‬ترضي‭ ‬الغرب‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬ترضي‭ ‬الشرق،‭ ‬علّه‭ ‬بذلك‭ ‬يستعيد‭ ‬ألق‭ ‬الترشيح‭ ‬الذي‭ ‬شاع‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬حصول‭ ‬أدونيس‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬والتي‭ ‬بقيت‭ ‬غصّة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الدرب‭ ‬الذي‭ ‬اجتازه‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬أدونيس‭ ‬بكامل‭ ‬المسافة‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬بيروت‭ ‬وباريس،‭ ‬وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬أدونيس‭ “‬اللغم‭ ” ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الساقي‭ ‬في‭ ‬2007‭ ‬الصوفية‭ ‬والسريالية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سلف،‭ ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬كوني‭ ‬دارية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬دراية‭ ‬تخصصيّة‭ ‬بإمعان‭ ‬وتأنٍ،‭ ‬أو‭ ‬مجرّد‭ ‬عابرة‭ ‬أثير‭ ‬للفكرة‭ ‬المطروحة،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يسعني‭ ‬حتّى‭ ‬أن‭ ‬أتخيّل‭ ‬إمكانية‭ ‬المقاربة‭ ‬بين‭ ‬المنهجين‭ ‬الصوفي‭ ‬والسوريالي،‭ ‬فالصوفية‭ ‬ومن‭ ‬بديهيات‭ ‬القول‭ ‬هي‭ ‬التنزّه‭ ‬والترفّع‭ ‬والإرتقاء‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مادي‭ ‬ودنيوي‭ ‬وملموس‭ ‬لبلوغ‭ ‬وحدانيّة‭ ‬الروح،‭ ‬سعياً‭ ‬ليس‭ ‬للإرتقاء‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬للالتقاء‭ ‬مع‭ ‬منبعها‭ ‬الكوني‭ ‬الغيبي‭ ‬المتافيزيقي‭ ‬العلوي‭ ‬الخارج‭ ‬عن‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬والمجرّد‭ ‬من‭ ‬الغرضيّة‭ ‬والفرضيّات‭ ‬بأسمى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬التجلّي‭ ‬والتي‭ ‬يصعب‭ ‬بلوغها‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الممارسين‭ ‬لكافة‭ ‬الطقوس‭ ‬الدينية،‭ ‬فالصوفية‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬نواة‭ ‬الإيمان،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أعمق‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬التديّن‭ ‬والإنحياز‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬حصراً،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ملتزم‭ ‬دينياً‭ ‬أو‭ ‬إسلامياً‭ ‬بوسعه‭ ‬الانتشاء‭ ‬ببلوغ‭ ‬درجات‭ ‬الغيب‭ ‬ومعارجه‭ ‬الخفية‭ ‬عن‭ ‬الإدراك‭ ‬الإنساني‭ ‬العادي‭ ‬المحدود‭ ‬الذي‭ ‬بلغه‭ ‬الحلاج‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬الطواسين‭” ‬أو‭ ‬الشيخ‭ ‬الجليل‭ ‬محي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي‭ ‬صاحب‭ ‬مذهب‭ “‬العارف‭ ‬الذي‭ ‬لايعرّف‭ “.‬

وهذا‭ ‬كله‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬السوريالية‭ ‬فكراً‭ ‬ومنهجاً‭ ‬وطريقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬بعكس‭ ‬السورياليّة‭ ‬تماماً‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬للغرق‭ ‬والإنغماس‭ ‬الكلّي‭ ‬بكل‭ ‬ماهو‭ ‬حسّي‭ ‬ومادي‭ ‬ودنيوي،‭ ‬مفاتيحها‭ ‬الغرائز‭ ‬والشهوات‭ ‬بأنواعها،‭ ‬باستباحة‭ ‬كاملة‭ ‬لجميع‭ ‬المحظورات‭ ‬والممنوعات،‭ ‬وإحالة‭ ‬اللامنطق‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬والسلوك‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬الإنزلاق‭ ‬والخلاعة‭ ‬والبذاءة‭ ‬والدناءة‭ ‬التي‭ ‬يعجز‭ ‬حتى‭ ‬المتورّط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الغمار‭ ‬التنبوء‭ ‬أو‭ ‬التكهّن‭ ‬في‭ ‬تلمّس‭ ‬معالم‭ ‬الدرب‭ ‬الظلامية،‭ ‬المستنسلة‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬الأوهام‭ ‬والخيالات‭ ‬الممضّة،‭ ‬والمعاصي‭ ‬والممنوعات‭ ‬والخطايا‭ ‬والمحظورات‭ ‬ضاربين‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬جميع‭ ‬القِيَم‭ ‬والأخلاق‭ ‬والمعتقدات‭ ‬الدينية،‭ ‬ويملكون‭ ‬بمجملهم‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬المنزوين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬العاتمة‭ ‬جرأة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬التطاول‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية،‭ ‬بالقدح‭ ‬والذمّ‭ ‬والسباب‭ ‬والتشدّق‭ ‬بالشتائم‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬التلذذ‭ ‬في‭ ‬ألفاظ‭ ‬تملأ‭ ‬أفواههم‭ ‬بخطاب‭ ‬موجّه‭ ‬يدّعي‭ ‬فيه‭ ‬هؤلاء‭ ‬كشفهم‭ ‬للحقيقة‭ ‬الكاملة،‭ ‬وتمكّنهم‭ ‬من‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬ماهيّة‭ ‬الغيب‭ ‬ومن‭ ‬فيه،‭ ‬ويبذلون‭ ‬جهود‭ ‬جبارة‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬التعبير‭ ‬كالرسم‭ ‬وأفضل‭ ‬من‭ ‬جسّد‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬بتطرّفها‭ ‬السوريالي‭ ‬فنأ‭ ‬وسلوكاً‭ ‬الرسام‭ ‬الفرنسي‭ ‬الأشهر‭ “‬سلفادور‭ ‬دالي‭ ” ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬حدّ‭ ‬العظمة‭ ‬وهو‭ ‬يدرك‭ ‬تماماً‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يتهاوى‭ ‬عند‭ ‬مشارف‭ ‬الجنون،‭ ‬وفي‭ ‬الشعر‭ ‬لعلّ‭ “‬بودلير‭ ” ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬الانتحار‭ ‬ليواجه‭ ‬تناقضات‭ ‬المجتمع‭ ‬الموجعة‭ ‬التي‭ ‬أدخلته‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬العتمة‭ ‬الروحية‭ ‬وأقفلت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭ ‬الكآبة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬ملاذاً‭ ‬منها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬قاده‭ ‬إلى‭ ‬مطبّ‭ ‬قضائي‭ ‬ومحاكمة‭ ‬علنية‭ ‬بعد‭ ‬نشره‭ ‬لمجوعته‭ ‬الشعرية‭ ‬الأشهر‭ “‬أزهار‭ ‬الشرّ‭ “‬،‭  ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬فقد‭ ‬بالغ‭ “‬سيغموند‭ ‬فرويد‭” ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬أفكاره‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطبيقات‭ ‬عملية‭ ‬لتنشيط‭ ‬اللاوعي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الوعي‭ ‬والواقعي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علاقاته‭ ‬وممارساته‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬كطبيب‭ ‬نفساني،‭ ‬معتمداً‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ “‬الجنس‭ ” ‬كمنطلق‭ ‬لمعظم‭ ‬السلوكيات‭ ‬الإنسانية‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬لجميعها،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬سلبيات‭ ‬أو‭ ‬أيّة‭ ‬إيجابية‭ ‬تُذكر،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬وجدت‭ ‬أفكار‭ ‬فرويد‭ ‬مرتعاً‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬المُحْدِثين‭ ‬والمحلّلين‭ ‬للنصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬كقاعدة‭ ‬أساسية‭ ‬لبناءاتهم‭ ‬النقدية‭ ‬بتفكيك‭ ‬النصّ‭ ‬وقراءة‭ ‬ما‭ ‬خلف‭ ‬السطور،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أبرز‭ ‬الأعمال‭ ‬الموسيقيّة‭ ‬التي‭ ‬تختزل‭ ‬الأبعاد‭ ‬السريالية‭ ‬للذهنية‭ ‬الماجنة‭ ‬هو‭ ‬الأوبريت‭ ‬الموسيقي‭ ‬الأشهر‭ ‬للمؤلف‭ ‬الألماني‭ “‬كارل‭ ‬أورف‭ ” ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يحظَ‭ ‬بشهرٍة‭ ‬واسعة‭ ‬كرّست‭ ‬اسمه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الموسيقيين‭ ‬المعروفين‭ ‬كمؤلفي‭ ‬سيمفونيات‭ ‬لهم‭ ‬مكانتهم‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الموسيقية‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الأجيال‭ ‬كموتسارت‭ ‬وبيتهوفين‭ ‬وباخ‭ ‬وغيرهم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أوبرا‭ “‬كارمينا‭ ‬بورانا‭ ” ‬العمل‭ ‬الموسيقي‭ ‬الذي‭ ‬يجسّد‭ ‬بالتصادم‭ ‬النغمي‭ ‬إن‭ ‬صحّ‭ ‬التعبير‭ ‬بين‭ ‬المقامات‭ ‬اللحنية‭ ‬الخافتة‭ ‬مرّة،‭ ‬والتصعيدية‭ ‬غالباً‭ ‬والتي‭ ‬بوسعها‭ ‬أن‭ ‬تتسلّل‭ ‬إلى‭ ‬ذهن‭ ‬المستمع‭ ‬وتبثّ‭ ‬فيه‭ ‬طاقة‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬أنها‭ “‬شيطانية‭ ” ‬هائلة‭ ‬تكاد‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬درامية‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬اللحني‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬بالمتلقي‭ ‬حدّ‭ ‬الهستيريا‭ ‬طبعاً‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الإصغاء‭ ‬التام‭ ‬والتركيز‭ ‬في‭ ‬الموسيقا‭ ‬لدرجة‭ ‬التماهي،‭ ‬وهذه‭ ‬الموسيقا‭ ‬العبقرية‭ ‬بصخبها‭ ‬التحريضي‭ ‬وليدة‭ ‬قصائد‭ ‬قديمة‭ ‬قوامها‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المستباح‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬لبلوغ‭ ‬أعمق‭ ‬مدارك‭ ‬اللذّة‭.. ‬

ولعلّ‭ ‬الشاعر‭ ‬والناقد‭ ‬العراقي‭ ‬المعروف‭ ‬والمستمر‭ ‬بذات‭ ‬الدأب‭ ‬والجديّة‭ ” ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الجنابي‭ ” ‬وحده‭ ‬من‭ ‬تصدّى‭ ‬لأدونيس‭ ‬بتعرية‭ ‬فكر‭ ‬أدونيس،‭ ‬والخوض‭ ‬في‭ ‬التباسات‭ ‬الطرح‭ ‬والمقاربة‭ ‬بكتيّب‭ ‬وليس‭ ‬كتاباً‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬ال55‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬القطع‭ ‬الوسط‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الجديد‭ ‬اللبنانية،‭ ‬وهو‭ ‬بعنوان‭ “‬رسالة‭ ‬مفتوحة‭ ‬إلى‭ ‬أدونيس‭ ‬في‭ ‬الصوفية‭ ‬والسوريالية‭ ‬ومدارس‭ ‬أدبية‭ ‬أخرى‭ “‬،‭ ‬وقد‭ ‬وضع‭ ‬عدة‭ ‬أصابع‭ ‬على‭ ‬مآخذ‭ ‬الجنوح‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬أدونيس‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬بإقناع‭ ‬القارىء‭ ‬العادي‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جموح‭ ‬مفكّر‭ ‬فذّ‭ ‬لا‭ ‬يشقّ‭ ‬له‭ ‬غبار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الجنابي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬ثقافة‭ ‬وحضوراً‭ ‬عن‭ ‬أدونيس‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي،‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬هضم‭ ‬اللامنطق‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬أدونيس،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الجنابي‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬التواطؤ‭ ‬مع‭ ‬أدونيس‭ ‬ضد‭ ‬ذاته‭ ‬كمثقّف‭ ‬ومبدع‭ ‬وناقد‭ ‬وكاتب‭ ‬وصحافي‭ ‬وشاعر‭ ‬ومهتم‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الثقافي‭ ‬ومتابع‭ ‬حَذِق‭ ‬لا‭ ‬تنطلي‭ ‬عليه‭ ‬أية‭ ‬بدعة‭ ‬من‭ ‬بدع‭ ‬أدونيس‭ ‬المعرفية‭ ‬حيث‭ ‬نقتطف‭ ‬للجنابي‭ ‬ما‭ ‬يلي‭: ‬والآن‭ ‬يا‭ ‬أحمد‭ ‬علي‭ ‬سعيد،‭ ‬غذا‭ ‬كان‭ ‬فعلاً‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬هو‭ ‬بودلير‭ ‬العرب،‭ ‬وأبو‭ ‬تمّام‭ ‬هو‭ ‬مالارميه‭ ‬العرب،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مقدمتك‭ ‬للشعر‭ ‬العربي،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الصوفية‭ ‬هي‭ ‬رامبو‭ ‬العرب‭ ‬وسورياليتهم،‭ ‬كما‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬كتاباتك‭ ‬الصوفية‭ ‬والسوريالية،‭ ‬وإذا‭ ‬سلّمنا‭ ‬معك‭ ‬بأنّ‭ “‬القارىء‭ ‬العربي‭ ‬لو‭ ‬قرأ‭ ‬كتابات‭ ‬النفّري‭ ‬وأشعار‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬لما‭ ‬احتاج‭ ‬إلى‭ ‬قراء‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬الغربية‭ “- /‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لك‭ ‬–‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ثقافة‭ ‬قدماء‭ ‬العرب‭ ‬قد‭ ‬احتوت‭ ‬–برأيك‭ ‬–‭ ‬سَلَفَاً‭ ‬كلّ‭ ‬معالم‭ ‬الحداثة‭ ‬الأوربيّة،‭ ‬فما‭ ‬حاجة‭ ‬عرب‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬شاعر‭ ‬من‭ ‬–طرازك‭.. !! ‬

في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سيق‭ ‬أعلاه‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬جدّ‭ ‬بسيطة‭ ‬لكشف‭ ‬النقاب‭ ‬عن‭ ‬مجالين‭ ‬مختلفين‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلاً،‭ ‬سواء‭ ‬بالتوثيق‭ ‬العلمي‭ ‬البحت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أبحاث‭ ‬ونظريات‭ ‬وأحكام‭ ‬فكرية‭ ‬موثّقة‭ ‬كقواعد‭ ‬مطلقة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭ ‬يصعب‭ ‬جداً‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬محدود‭ ‬المساحة‭ ‬والأبعاد،‭ ‬أو‭ ‬كرؤية‭ ‬ذاتية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رصد‭ ‬الإنحدار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬الراهن‭ ‬المُعاش،‭ ‬وتدهور‭ ‬القيم‭ ‬والمثل‭ ‬والمبادىء،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انقلابات‭ ‬سياسية،‭ ‬وتوترات‭ ‬عسكرية،‭ ‬ومحاصصات‭ ‬دولية،‭ ‬وإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬مهام‭ ‬ومصالح‭ ‬المعسكرين‭ ‬الأميركي‭ ‬والروسي‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تنامي‭ ‬القوّة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬اللاعب‭ ‬الإضافي‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬الصراع‭ ‬العربي×العربي،‭ ‬والعربي×‭ ‬الإيراني،‭ ‬والعربي×‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وجميع‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬تُهدّد‭ ‬أمن‭ ‬وسلام‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بعمومها،‭ ‬والتي‭ ‬وجدت‭ ‬لدى‭ ‬أدونيس‭ ‬بعض‭ ‬الاستثناءات‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬ليلتقي‭ ‬بهم‭ ‬ويروّج‭ ‬لطوبايتهم،‭ ‬متغاضياً‭ ‬عن‭ ‬أنّ‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬المعارضين‭ ‬للكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬صورة‭ ‬بروتوكولية‭ ‬لبروبوغاندا‭ ‬مفتعلة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬البلد‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الوحيد‭ ‬وسط‭ ‬مرتع‭ ‬هائل‭ ‬للدكتاتوريات‭ ‬المتعاظمة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والتي‭ ‬تفقد‭ ‬صدقيتها‭ ‬واحترامها‭ ‬تباعاً‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬شعوبها‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬الانتفاضة‭ ‬معوّلة‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬كأول‭ ‬منقذ‭ ‬لمحي‭ ‬هذه‭ ‬الدكتاتوريات‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬المغُرر‭ ‬بها‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬مسألأة‭ ‬الديموقراطية‭ ‬وأوهام‭ ‬الحرية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬طُعُم‭ ‬رماه‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بشراكة‭ ‬أميركية‭ ‬أوربية‭ ‬عربية‭ ‬لتفريغ‭ ‬المنطقة‭ ‬وبسط‭ ‬الهيمنة‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها‭ ‬الممكنة،‭ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬أدونيس‭ ‬المُدان‭ ‬بتصريحات‭ ‬عدّة‭ ‬حول‭ ‬بعض‭ ‬الصهاينة‭ ‬المعتدلين،‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬تحت‭ ‬مجهر‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬يتقن‭ ‬فنون‭ ‬الحساب‭ ‬والتدقيق‭ ‬حتى‭ ‬على‭ “‬النوايا‭ ” ‬قبل‭ ‬إشهارها،‭ ‬بينما‭ ‬أدونيس‭ ‬مشفوعاً‭ ‬بإسمه‭ ‬وغربته‭ ‬الباريسية‭ ‬يحقّ‭ ‬له‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الصهيونية‭ ‬المعتدلة‭ ‬كما‭ ‬سبقه‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬الدفاع‭ ‬بالمثل‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬اللقاءات‭ ‬والتصريحات‭ ‬والحوارات‭ ‬والقصائد‭ ‬ومثله‭ ‬فعلت‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬التي‭ ‬امتدحت‭ ‬الصهيوني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المحتل‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬موشي‭ ‬دايان‭ ‬وزير‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬وانتهاء‭ ‬بكل‭ ‬أديب‭ ‬ومثقف‭ ‬وشاعر‭ ‬ومحامي‭ ‬وربما‭ ‬مصفف‭ ‬شعر‭ ‬عرفته‭ ‬طوقان‭ ‬لم‭ ‬تتردّد‭ ‬في‭ ‬الإتيان‭ ‬على‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬مذكراتها‭ ‬بجزئيه‭ “‬رحلة‭ ‬جبلية‭ ” ‬و‭”‬الرحلة‭ ‬الأصعب‭” ‬وهذا‭ ‬موثّق‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الهادي‭ ‬في‭ ‬2001‭ ‬والطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬2002‭ ‬بعنوان‭ “‬إسرائيليات‭ ‬بأقلام‭ ‬عربية‭ ‬–‭ ‬الدسّ‭ ‬الصهيوني‭ ” ‬والذي‭ ‬قوبل‭ ‬بزلزال‭ ‬غضب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تردداته‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬والإستنكار،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لأي‭ ‬كاتب‭ ‬أو‭ ‬ناقد‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يتجرأ‭ ‬على‭ ‬المكرسين‭ ‬بالتعرّض‭ ‬إلى‭ ‬مواقفهم‭ ‬المتناقضة‭ ‬بين‭ ‬النظري‭ ‬والعملي،‭ ‬وهنا‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬لابدّ‭ ‬منه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بوسع‭ ‬الرموز‭ ‬انتقاء‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬المثاليين‭ ‬كما‭ ‬صرّحت‭ ‬طوقان‭ ‬عن‭ ‬طوباوية‭ ‬موشي‭ ‬دايان‭ ‬ومعه‭ ‬عشرات‭ ‬الشخصيات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬عرفنا‭ ‬مثاليات‭ ‬وإنسانية‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ “‬يوسي‭ ‬ساريد‭ ” ‬على‭ ‬لسان‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬ومعه‭ ‬عشرات‭ ‬الشعراء‭ ‬المقربين‭ ‬إلى‭ ‬ذاته‭ ‬الشعرية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬مرّ‭ ‬عبر‭ ‬جميع‭ ‬الرقابات‭ ‬القائمة‭ ‬والتي‭ ‬تدّعي‭ ‬الحرص‭ ‬والملاحقة،‭ ‬فهل‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نحمل‭ ‬وبال‭ ‬من‭ ‬تبقّى‭ ‬خارج‭ ‬قوائم‭ ‬هذا‭ ‬المثقف‭ ‬وذاك،‭ ‬لنخوض‭ ‬حرباً‭ ‬بالنيابة‭ ‬عمن‭ ‬يروّج‭ ‬بعلنية‭ ‬تصل‭ ‬إلأى‭ ‬أسماع‭ ‬الأنظمة‭ ‬المتورّمة‭ ‬في‭ ‬عدائها‭ ‬ضدّ‭ ‬الصهيونية‭ ‬وضد‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬يفكّر‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬الصراع‭ ‬المزمن‭ ‬مع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتغلغل‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الرموز‭ ‬تحتمل‭ ‬كل‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬متى‭ ‬سيصبح‭ ‬المنطق‭ ‬سيد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مثقّف‭ ‬الداخل‭ ‬والسلطة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬بين‭ ‬مثقفي‭ ‬الخارج‭ ‬وذات‭ ‬السلطة؟‭..‬

أسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬كان‭ ‬بودّي‭ ‬أن‭ ‬اصبّها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬فوق‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬المتاحة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإجابات‭ ‬ستبقى‭ ‬معلّقة‭ ‬حتماً،‭ ‬لأنّ‭ ‬أدونيس‭ ‬يتمتّع‭ ‬بحرية‭ ‬الطرح،‭ ‬ونحن‭ ‬محكومون‭ ‬بالتلقّي‭ ‬فقط،‭ ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭.‬