Hadrami

محمد بن سليمان الحضرمي

مجلس رسمي تقليدي لدراسة وحل القضايا وفض النزاعات بين المتخاصمين

فتح باب البرزة من جديد فيه إحياء للماضي حتى لا تبقى القلاع والحصون جدرانا صامتة

———————————

لم يكن الحاكم أو من يمثله وينوب عنه كالوالي بمنآى عن الناس، كان يلتقيهم يوميا في مجلس مفتوح يوميا يسمى “البرزة”، حيث يبرز ومعه القاضي والوجهاء والفقهاء وأهل الحل والعقد، ويمكن لكل من له حاجة أو قضية أو شكوى، أن يفد إلى هذا المجلس ويعرض حاجته، فتتم مناقشة طلبه وحل ضائقته، والنظر لشكواه بإحالتها إلى القاضي، ومن معه من أهل الرأي والحكمة في حل القضايا، ويبقى المجلس مفتوحا إلى أن تحين الظهيرة.

ورد في الموسوعة العمانية تعريفا مقتضبا للبرزة، بأنها “مجلس رسمي تقليدي”، يترأسه عادة الحاكم أو الوالي، وتنعقد أمام القلعة، أو بالقرب من بيت الحاكم أو الوالي، وذلك للاستماع إلى مشاكل الناس وحاجاتهم.

يجلس الحاكم أو الوالي في صدارة البرزة، ويحيط به كبار الشخصيات كالعلماء والقضاة، ويحضرها عامة الناس، حيث يتقدم صاحب الحاجة من الحاكم أو الوالي بعد أن يستأذن، ويجلس بالقرب منه، ويشرح له الأمر الذي جاء لأجله، وقد يكون حاجة يطلبها أو مشكلة يرغب في حلها. وتقام البرزة غالبا في أول الصباح، وتستمر حتى الظهيرة، وقد تقام مرة أخرى بعد صلاة العصر إذا لزم الأمر إلى ذلك.

هذه الصورة تمثل واحدة من أشكال الممارسة الديموقراطية في التاريخ العماني، حيث يلتقى عامة الناس بالحاكم أو من يمثله وينوب عنه في جلسة يومية، يتم فيه مناقشة القضايا المتعلقة بالشأن العام للمدينة أو الخاص بالمواطن، فهي إذن بمثابة برلمان مفتوح أو قاعة محكمة، يتم فيه دراسة وحل القضايا، وفض النزاعات بين المتخاصمين بكل أريحية ويسر.

قلعة نزوى، واحدة من القلاع التي شهدت انعقاد مجلس البرزة بصورة يومية منذ تاريخها الغابر وحتى  العصر الحديث، ذلك أن القلعة هي مقر رسمي للحاكم أو من ينوب عنه، وما تزال البرزة عالقة في أذهان كبار السن، كان مجلس البرزة كما يقولون: مشرع الأبواب يوميا، وما يزال البعض منهم يتذكر البرزة في سنوات حكم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي (ت: 1954م)، ثم البرزة في ستينيات القرن الماضي، وكان الوالي آنذاك الوقت السيد هلال بن حمد السمار البوسعيدي.

مجلس ليوم واحد في الشهر

في التسعينيات الماضية فتحت البرزة أبوابها من جديد ليوم واحد في الشهر، وتم تخصيص يوم الأثنين من بداية كل شهر ميلادي، تعقد فيه البرزة خلال الفترة الصباحية، حيث تنتقل أعمال مكتب الوالي ومعه أحد القضاة إلى مقر البرزة، وهناك يتم حل القضايا وفض الخلافات بين المتخاصمين، والتخطيط لتنفيذ مشاريع اجتماعية وتنموية تخدم الوطن والمواطن، ولكن بعد أن اصبحت قلعة نزوى تحت إشراف وزارة السياحة أغلق باب البرزة، حتى جاء هذا العام الثقافي، ليقوم سعادة الشيخ حمد بن سيف الأغبري والي نزوى بفتح البرزة من جديد، محاولة منه لإحياء مجلسها، في نفس المكان الذي كان يبرز فيه الإمام الخليلي، ومن بعده من الولاة، في نفس المكان الذي شهد انعقاد جلسات بطول الزمان العماني الجميل، الممتد إلى أكثر من ألف عام، حيث تعاقب عليه أئمة وقضاة وفقهاء، في مدينة نزوى عاصمة الثقافة الإسلامية.

كان شيئا أشبه بالحلم، حيث استيقظ الوجهاء من أهل نزوى قبل أيام على دعوة سعادة الشيخ حمد الأغبري والي نزوى، لإحياء جلسة البرزة، لقيت الفكرة ترحابا منهم، بعد أن حركت بداخلهم شجنا قديما لأيام زمان، أيام انعقاد البزرة في المكان الذي اجتمع فيه بعضهم مع آباءهم ومشايخهم من أهل العلم وهم في يفاعة العمر.

يؤكد الشيخ الوالي: إن البرزة تمثل وجها حضاريا لدى العمانيين، في حل المشاكل بين المتخاصمين، يجتمع فيها الوجهاء والفقهاء والأدباء والشعراء، حيث يفدون إليها من كل حدب وصوب، وخرجت رجال العلم والمتعلمين، وبإذن الله سنسعى إلى تكرار هذه التجربة، لتصبح واقعا معاشا، ونأمل أن يتواصل انعقادها بين الحين والآخر، حفاظا على هذا الإرث العماني الأصيل.

موروث ثقافي وسياسي أصيل

وقال أيضا: من خلال وجودنا في هذا البرزة ليوم واحد، تنسمنا عبق الماضي، وكما يعلم الجميع فإن البرزة العمانية معروفة في التاريخ العماني، وهي موروث ثقافي وسياسي أصيل، وجاءت الفكرة لإحياء موروث البرزة هذا العام، احتفاء بنزوى عاصمة للثقافة الإسلامية، وقد حرصنا أن تضم المشايخ والرشداء، وأعضاء مجلس الشورى، والمجلس البلدي، ليتواجدوا بيننا في لقاء عفوي صريح ومفتوح مع من يرغب من المواطنين، لمناقشة العديد من القضايا التي تهم المجتمع.

ويضيف: كان هناك توجه لعقد البرزة مرة كل شهر، ولكن كما يعلم الجميع فإن متطلبات العمل حالت دون استمراره، باعتبار أن المكتب له متعلقات إدارية، بدءا من توفر الكادر الوظيفي والتقانة، ونقلها إلى البرزة يشكل شيئا من الصعوبة، ولكني أرى أن إحياء موروث البرزة بين الحين الآخر أمر في غاية الأهمية، لذلك جاءت فكرة إحياء البرزة.

أغلب القضايا تحل في جلسة واحدة

ويتذكر الشيخ حمد جلوسه في البرزة مع والده الشيخ سالم بن سيف الأغبري (قاضي وفقيه وشاعر، ت: 1979م)، حين كان والده قاضيا على نزوى سابقا، مؤكدا أن البرزة تحمل كثيرا من السمات، فهي تحشد الجميع في بساط واحد، ولأن المجتمع العماني جبل على التسامح والصلح، فإن أغلب القضايا والدعاوي تحل في جلسة واحدة وبكل أريحية وعفوية، وبسرعة لا تحققه اليوم مكاتب المحاكم، وإلى جانب ذلك تتحول البرزة إلى جلسة أدبية، فكثير ممن يرتادونها استفادوا من مجالسة أهل الرأي والعلم.

ويقول أيضا: الآن وقد رممت الحصون وهيئت من جديد، وأحسب أن تفعيلها بفتح باب البرزة من جديد، هي إحياء لوهج الماضي الأصيل، وأتمنى أن لا تظل هذه المعالم الأثرية (الحصون والقلاع والأبراج) جدرانا صامتة، بل أدعو إلى تفعيلها بمثل هذه اللقاءات، حتى نحيي فيها الروح التي وجدت من أجله.

العودة إلى الأيام البعيدة

وما يزال الأستاذ عبدالله بن سعيد السيفي يتذكر أيامه الخوالي، حين كان يأتي البرزة، بصحبة شيخه الأستاذ سعود بن أحمد الاسحاقي (ت: 1982م)، كنت كثيرا ما أصبحه إلى البرزة، كان السيد هلال بن حمد السمار، وكان معه القاضي منصور بن ناصر الفارسي (ت: 1976م)، والشيخ الفقيه العلامة زاهر بن عبدالله العثماني (ت: 1976م) وغيرهم، يقول السيفي: إن حضوري اليوم عاد بي إلى تلك الأيام البعيدة، وحرك مشاعري بذكريات جميلة عشتها بين جنبات قلعة نزوى بصحبة أشياخي رحمهم الله، أشعر أن الفرحة تغمرني، وأرجو أن تبقى البرزة مفتوحة ولو في الشهر مرة واحدة. كما كانت سابقا.

ويقول أيضا: جلوسنا في البرزة داخل القلعة، يذكرني بعهد الأئمة، وعهد الملوك والسلاطين الذين تعاقبوا في الحكم على عمان، ومن المعلوم أن البرزة مجلس رسمي تقليدي، وكان القضاة يجلسون بجانب الوالي، ويحضر في البرزة عدد كبير من مشايخ العلم والأعيان والوجهاء، تعرض فيها القضايا المختلفة، وكثير منها يتم البت فيها بحضور القاضي والوالي وبقية الحضور في البزرة، وأحيانا يتم البت في القضايا عن طريق الصلح، والصلح سيد الأحكام، وفيه رفق وقبول.

حضور البرزة من مختلف الفئات

ويضيف السيفي: إن جميع الحضور في البرزة هم في الغالب من مختلف فئات المجتمع، وعندما يحكم القاضي في مسألة ما، أو يتم فيها الصلح، يستفيد منها حضور البرزة، وكم من الأشخاص حسبما أخبرنا أنهم عن طريق جلوسهم للبرزة مع القضاة، والولاة والشواهد على ذلك كثيرة.

ويذكرنا هذا المشهد بالجلوس في السبلة العامة داخل الحارات القديمة، وقد كان الأوائل يجتمعون فيها، ويتدارسون القضايا الاجتماعية، ومنهم من يقرأ القصائد أو يقرأ في الأدب أو الفقه، أو علم الفرائض.

ويقول الشيخ عبدالله السيفي متحدثا عن الأثر الثقافي الذي تحدثه جلسات البرزة: كانت مدرسة تعلم منها من لازم حضورها، بل إن بعض من باعة الطعام والقصب كان لا يشق له غبار في علم الميراث، حتى يروى أنه في زمن الإمام محمد الخليلي كان يستعين في حل بعض مسائل الميراث بأحد باعة الطعام، كان لا يشق له غبار في علم الميراث، ولو كانت المسألة من أصعب المسائل، ولهذا فإن الإمام يرسل له المسألة، وكان لا يستخدم آلة حاسبة، ولا قلما ولا قرطاسا، بل كان يحلها في لحظة قصيرة بالبديهة.

قضايا ومرافعات وخصومات

ويتحدث على بن ناصر البوسعيدي، عضو المجلس البلدي بولاية نزوى، عن البرزة باعتبارها وجهة حضارية، حيث يقول: تمثل البرزة أنموذج تقليدي للمدرسة والجامع والتربية والسلوك والتاريخ، وكان يأتيها المواطن دون فوارق لينظم إلى البرزة، منهم المستمع ومنهم طالب الحاجة، والحمد لله تقضى حاجته. وإذا كان ثمة قضايا ومرافعات وخصومات، فإن الخصم وطالب الحق يأتيان معا، فيجلسان أمام الحضور، ويخرجان متصالحين.

ويضيف على البوسعيدي: في سنوات السبعينات الماضية، كنت أصاحب أبي إلى البرزة، ومنها تعلمنا الأدب والأخلاق الرفيعة، وقيم العلم، والتواضع، كان كل من يأتي يتردد يزهو بخنجره وعمامته وعصاه، ولا يأتي أحد بغير كامل زيه، وكان الجميع يقف للقادم وقفة إجلال واحترام، فيتصافحون، ويسألون عن “الأخبار والعلوم”، وإذا ما بدأ الحديث فإن الكل ينصت تقديرا للمتكلم، وإنصاتا له، ومحاولة الالمام بالموضوع الذي يطرحه، سواء أكان موضوع يخصه أو يخص المدينة.

من أجل ذلك خرجت البرزة أجيالا تدرك معنى القيام ومخالقة الناس، ويخبرني والدي أنه في زمن الإمام محمد الخليلي إن البرزة تقام يوميا وتستمر إلى قرب وقت الظهيرة، وحين فقدنا البرزة فقدت معها الأجيال الكثير من القيم العمانية.

نقاشات البرزة اجتماعية وعلمية

ويتحدث محمد بن سليمان بن سالم السيباني عما تشكله البرزة من حضور ثقافي واجتماعي كبير، بدءا من ممثل الحاكم، ومرورا بالقاضي والوالي، وانتهاء بالمواطن الذي يأتي ليحل قضيته، ويفض نزاعه مع خصمه، وتناقش قضايا اجتماعية وعلمية.

وفي مجلس البرزة تم النقاش حول ضرورة إحياء المكتبات الأهلية القديمة، ولذلك دار النقاش حول المكتبة وما تمثله للمجتمع من أهمية كبيرة، تحبب الشباب إلى القراءة، وتصرفهم عن هدر الوقت بما لا طائل من وراءه.

كانت مدينة نزوى مشهورة بالمكتبات الخاصة والعامة، مكتبات العلماء وبعض الأسر العلمية التي تعيش فيها، مثلما اشتهرت أيضا بمخرجاتها الثقافية والعلمية، فمنها تخرج أكثر عدد من الفقهاء والمؤلفين والأدباء، وما تزال بعض الأسر تحتفظ ببقايا تلك المخطوطات.

يقول الكندي: لدينا ما يقرب من 400 مخطوطة، قمنا بترميمها عبر الدائرة الخاصة بترميم المخطوطات في وزارة التراث والثقافة.

3,058 total views, 2 views today