يحيى بن حميد المعشري


كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬القرآنية‭ ‬نجدُ‭ ‬لها‭ ‬أصولا‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬المُقدَّسة‭ ‬السابقة،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬آدم‭ ‬نفسه‭ ‬والأنبياء‭ ‬العِظَام،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تذكيري‭ ‬وتعليمي‭ ‬للأجيال‭ ‬التالية،‭ ‬والقرآن‭ ‬إذ‭ ‬يُعيد‭ ‬سرد‭ ‬القصة‭ ‬فإنه‭ ‬يقوم‭ ‬أحيانا‭ ‬بتصحيح‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬المغلوطة‭ ‬حول‭ ‬سيرة‭ ‬الأنبياء‭ ‬التي‭ ‬لحقها‭ ‬تشويه‭ ‬وتحريف‭ ‬بحكم‭ ‬التقادم‭ ‬الزمني‭.‬

لكن‭ ‬هُناك‭ ‬بعض‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تَرِد‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬المقدسة‭ ‬السابقة؛‭ ‬ولعل‭ ‬أشهرها‭: ‬قصة‭ ‬أهل‭ ‬الكهف،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬التوراة‭ ‬ولا‭ ‬الأناجيل‭ ‬المعترف‭ ‬بها؛‭ ‬وذلك‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط؛‭ ‬لأنها‭ ‬وقعت‭ ‬بعد‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭.. ‬تقريبا‭ ‬سنة‭ ‬250‭ ‬ميلادي،‭ ‬لكنَّ‭ ‬القرآن‭ ‬أعاد‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬تُعرَف‭ ‬بسورة‭ ‬الكهف‭.‬

وحول‭ ‬سبب‭ ‬النزول،‭ ‬فإنَّ‭ ‬سبب‭ ‬نزول‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬ذكره‭ ‬عدة‭ ‬مفسرين‭ ‬كابن‭ ‬كثير‭ ‬وغيره؛‭ ‬قال‭: “‬بعثت‭ ‬قريش‭ ‬إلى‭ ‬أحبار‭ ‬يهود‭ ‬بالمدينة،‭ ‬فقالوا‭ ‬لهم‭:‬‭ ‬سلوهم‭ ‬عن‭ ‬مُحمَّد،‭ ‬وصفوا‭ ‬لهم‭ ‬صفته،‭ ‬وأخبروهم‭ ‬بقوله،‭ ‬فإنهم‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬الأول،‭ ‬وعندهم‭ ‬علم‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬عندنا‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الأنبياء،‭ ‬فخرجا‭ ‬حتى‭ ‬قدما‭ ‬المدينة‭ ‬فسألوا‭ ‬أحبار‭ ‬يهود‭ ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬ووصفوا‭ ‬لهم‭ ‬أمره‭ ‬وبعض‭ ‬قوله،‭ ‬وقالا‭: ‬إنكم‭ ‬أهل‭ ‬التوراة،‭ ‬وقد‭ ‬جئناكم‭ ‬لتخبرونا‭ ‬عن‭ ‬صاحبنا‭ ‬هذا،‭ ‬قال،‭ ‬فقالت‭ ‬لهم‭: ‬سلوه‭ ‬عن‭ ‬ثلاث‭ ‬نأمركم‭ ‬بهن،‭ ‬فإن‭ ‬أخبركم‭ ‬بهن،‭ ‬فهو‭ ‬نبي‭ ‬مرسل،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يفعل،‭ ‬فالرجل‭ ‬متقوِّل،‭ ‬فروا‭ ‬فيه‭ ‬رأيكم‭. ‬سلوه‭ ‬عن‭ ‬فتية‭ ‬ذهبوا‭ ‬في‭ ‬الدهر‭ ‬الأول‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أمرهم،‭ ‬فإنهم‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬شأن‭ ‬عجيب‭. ‬وسلوه‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬طواف‭ ‬بلغ‭ ‬مشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬نبؤه؟‭ ‬وسلوه‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬ما‭ ‬هو؟‭ ‬فإن‭ ‬أخبركم‭ ‬بذلك،‭ ‬فهو‭ ‬نبي‭ ‬فاتبعوه،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يخبركم‭ ‬فإنه‭ ‬رجل‭ ‬متقوِّل،‭ ‬فاصنعوا‭ ‬في‭ ‬أمره‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬لكم‭.‬

ونحن‭ ‬نرى‭ ‬أنَّ‭ ‬سياق‭ ‬الأسئلة‭ ‬الثلاثة‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬مهارة؛‭ ‬فقصة‭ ‬الإسكندر‭ ‬رغم‭ ‬تاريخيتها‭ ‬المعروفة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تتضمن‭ ‬خبرَ‭ ‬أقوام‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬عنها‭ ‬الكثيرون‭ “‬يأجوج‭ ‬ومأجوج‭”‬،‭ ‬وقصة‭ ‬أهل‭ ‬الكهف‭ ‬أيضا‭ ‬لم‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬مقدس،‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يُجزم‭ ‬بحقيقة‭ ‬عددهم،‭ ‬والسؤال‭ ‬الأخير‭ ‬حول‭ ‬الروح‭ ‬كان‭ ‬ثالثة‭ ‬الأثافي‭ ‬في‭ ‬البراعة‭! ‬حيث‭ ‬يُدرك‭ ‬الأحبار‭ ‬اليهود‭ ‬أنَّ‭ ‬الروح‭ ‬هي‭ ‬سرٌّ‭ ‬لا‭ ‬يعلمه‭ ‬إلا‭ ‬الله‭ ‬نفسه،‭ ‬وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الأسئلة‭ ‬الثلاثة‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬عنها‭ ‬سوى‭ ‬نبي‭ ‬مُلهَم‭ ‬بالوحي‭.‬

ونستطيع‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬أنَّ‭ ‬القرآن‭ ‬أجاب‭ ‬بما‭ ‬يَجعل‭ ‬أحبار‭ ‬اليهود‭ ‬أنفسهم‭ ‬يعجبون‭ ‬من‭ ‬دقة‭ ‬الإجابة‭! ‬فأهل‭ ‬الكهف‭ ‬عددهم‭ ‬بعد‭ ‬تقادم‭ ‬السنين‭ ‬أصبح‭ ‬غير‭ ‬دقيق،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المسيحية‭ ‬تأخذ‭ ‬بالرواية‭ ‬القائلة‭ ‬أنهم‭ ‬سبعة،‭ ‬ودوما‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الأرقام‭ ‬المقدسة،‭ ‬تم‭ ‬تفضيل‭ ‬الرقم‭ ‬سبعة؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تطابقه‭ ‬مع‭ ‬السماوات‭ ‬السبع‭ ‬وهلُمَّ‭ ‬جرًّا‭.. ‬بينما‭ ‬القرآن‭ ‬يُعلن‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬عددهم‭ ‬إلا‭ ‬الله‭.‬

لكن‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القصة‭ ‬لم‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬المقدسة،‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬أقدم‭ ‬مصدر‭ ‬لها؟‭ ‬ومن‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬ذكرها‭ ‬تاريخيا؟‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ثلاثة‭ ‬مصادر‭ ‬تعتبر‭ ‬هي‭ ‬الأقدم‭ ‬ذكرا‭ ‬القصة‭: ‬مصدران‭ ‬كُتِبا‭ ‬نثرا،‭ ‬ومصدر‭ ‬كُتِب‭ ‬شعرا‭.. ‬أما‭ ‬المصدران‭ ‬النثريان‭:‬

زكريا‭ ‬الفصيح‭ (‬536+‭)‬،‭ ‬ويوحنا‭ ‬الأفسسي‭ (‬587+‭)‬،‭ ‬وكلاهما‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬الثقات،‭ ‬وهما‭ ‬قريبا‭ ‬العهد‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬الحادث‭. ‬أما‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬السرياني‭ ‬لقصة‭ ‬أهل‭ ‬الكهف؛‭ ‬فهو‭ ‬للشاعر‭ ‬السرياني‭ ‬الملهم‭ ‬مار‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ (‬521+‭) ‬الذي‭ ‬نظم‭ ‬قصيدة‭ ‬عصماء‭ ‬على‭ ‬الوزن‭ ‬الاثني‭ ‬عشري،‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬وسبعين‭ ‬بيتاً،‭ ‬وهو‭ ‬ولئن‭ ‬سمح‭ ‬لفكره‭ ‬أن‭ ‬يسبح‭ ‬في‭ ‬الخيال،‭ ‬لكنه‭ ‬احتفظ‭ ‬بعناصر‭ ‬القصة‭ ‬الرئيسية‭.‬

بَقِي‭ ‬لنا‭ ‬أنْ‭ ‬نُشير‭ ‬إلى‭ ‬ملاحَظَة‭ ‬مهمة؛‭ ‬أنَّ‭ ‬عدم‭ ‬تحديد‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬لعدد‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬هو‭ ‬تعدُّد‭ ‬الروايات‭ ‬حول‭ ‬القصة‭ ‬نفسها؛‭ ‬فلو‭ ‬ذكر‭ ‬عددهم‭ ‬لوجد‭ ‬الأحبار‭ ‬الفرصة‭ ‬المناسبة‭ ‬للطعن‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬السرد‭! ‬لأنَّ‭ ‬السائل‭ ‬ليس‭ ‬بأعلم‭ ‬من‭ ‬المسؤول،‭ ‬ونحن‭ ‬نعاود‭ ‬التأكيد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬براعة‭ ‬الأحبار‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬الثلاثة؛‭ ‬فكل‭ ‬كلمة‭ ‬محسوبة‭ ‬على‭ ‬المسؤول،‭ ‬وتفتح‭ ‬مجالا‭ ‬للشك‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬نبوته؛‭ ‬لكنَّ‭ ‬الله‭ ‬أراد‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يعلموا‭ ‬أنهم‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬إجابة‭ ‬ثابتة‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬أصلًا‭ ‬عمَّا‭ ‬يعتقدونه‭ ‬ويؤمنون‭ ‬به‭!‬