د . صالح بن هاشل المسكري

مُنذ أنْ خَلق الله الإنسان على ظهر هذه البسيطة، وهو يَسْعَى إلى تنظيم حياته وشؤونه المعيشية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والعمل على تحسينها وتطويرها، وملاءمتها لمتطلبات الواقع الذي يعيشه ومستجداته؛ بما يتناسب والعصر الذي يعيش فيه. وبعد أنْ أخذتْ أوضاعه بالتطور والاستقرار، واخترع الكتابة وأنشأ المدن والحضارات، أصبح بحاجة إلى سنِّ القوانين والشرائع التي تُنظِّم مُجتمعه ودولته وعلاقاته؛ فبدأ بسنِّ القوانين والشرائع واللوائح.. وقد دلَّتْ مُخلفاته الحضارية المكتوبة على أنَّه أبْدَع في هذا المجال؛ فكانت المسَّلة الفرعونية، وشريعة حمورابي، وافتخرَ الرُّومان بسنهم للقوانين، ومن ثمَّ جاءتْ الأديان لتنظِّم حياة الناس وعلاقاتهم، ولتحلَّ محل تلك القوانين والشرائع، وكان خاتمتها القرآن الكريم الدستور الدائم للمسلمين الذي “لا يأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ ولا مِن خَلفِهِ تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ حَميد”.

ونتيجة لتعقُّد الحياة وتطوُّرها وتغيُّرها السريع، أخذَ الإنسانُ بتطوير القوانين الوضعية السائدة وإضافة الكثير منها، بل أصبح بحاجة لقوانين جديدة تحكم حياته وتلائم مراحل التطور المختلفة التي يمرُّ بها. ولا شك أنَّ هذه القوانين ينطبق عليها ما ينطبق على الإنسان نفسه؛ فهي تنمو وتتجدَّد تبعاً لتطور الحياة الإنسانية، وكلما تعقَّدتْ هذه الحياة أصبحتْ بحاجة لقوانين تُواكب المرحلة التي تمرُّ بها، وهكذا تعدَّدتْ هذه القوانين وتطوَّرت وبلغتْ من الرُّقي والدقة والإبداع ما يجعل كل دولة تفتخر بدستورها الوطني وقوانينها الناجزة لدرجة التقديس، وأصبحتْ المهمة الأولى للحاكم -أيًّا كان شكله- المحافظة على الدستور، وصونه ومراقبة تنفيذه.

ولضمان أنَّ هذه القوانين المتجدِّدة لا تخالف القاعدة الدستورية، وإنما تنطلق منها، كان لا بد من وجود سلطة أو هيئة قضائية تختص بمراقبة ودراسة ما استحدث من قوانين، ومقابلتها مع دستور البلاد؛ لإقرارها أو تعديلها بما يتلاءم مع الدستور أو رفضها، هذه السُّلطة أو النظام أطلق عليه الرِّقابة على دستورية القوانين.

والرِّقابة على دستورية القوانين -في مَعْنَاها البسيط- هي التحقق من مُخالفة القوانين للدستور؛ تمهيدا لعدم إصدارها إذا كانت لم تصدر بعد، أو إلغائها أو الامتناع عن تطبيقها إذا كانت قد صَدَرت، وتقعُ القوانين على ثلاث مراتب تختلف عن بعضها البعض في القوة، فلا يصحُّ لقانون في مرتبة أدنى مُخالفة القانون الأعلى منه.. ويأتي في المرتبة الأعلى: القانون الدستوري، ثم القانون العادي، ثم اللائحة أو القانون الفرعي، ويعني هذا أن يكون للدستور مركز السمو والصدارة والهيمنة على سائر التشريعات الأخرى؛ انطلاقا من مبدأ تدرُّج القواعد القانونية، وأن يكون محل احترام جميع السلطات في الدولة من تشريعية وتنفيذية.

وتنشأ الرِّقابة على الدستورية في ظل الدساتير المكتوبة الجامدة التي يحتاج الدستور فيها إلى إجراءات خاصة لتعديله، وتتميَّز بالصعوبة وتفوق الإجراءات التي تتبع في إصدار التشريعات العادية. أما في ظل الدساتير المرنة، فلا محل لهذه الرِّقابة لأنَّ الدستور يُعدَّل بنفس الإجراءات والأشكال المقررة لتعديل القوانين العادية، ويتمتع كل منها بمرتبة واحدة.

وقد تزايدتْ أهمية الرِّقابة على دستورية القوانين في الوقت الحاضر؛ نظرا لتحول معظم الدول من فكرة الدولة الحارسة إلى فكرة الدولة المتدخلة، وهو ما ظهر بتدخل الدول في المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية…وغيرها، ومن ثمَّ كثُرت القوانين المنظمة لسلوك الدول في هذه المجالات وتشابكت؛ وهو الأمر الذي يخشى معه أن تتعارض بعض هذه القوانين مع الدستور، ويُمكن القول بأنَّ الرِّقابة على دستورية القوانين مُنتجٌ ثوريٌّ صرف؛ سواء في ذلك الرِّقابة السياسية التي جاءت بعد الثورة الفرنسية الكُبرى، أو الرِّقابة القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد حرب التحرير من التبعية للتاج البريطاني، ومعلوم أنَّ للفرنسيين دورا كبيرا في مساعدة الأمريكيين في حرب التحرُّر هذه.

وتأخذ الرِّقابة على دستورية القوانين عدة صور؛ إما صورة الرِّقابة القضائية؛ وإما صورة الرِّقابة السياسية؛ كما تظهر صورة أخرى أكثر ديناميكية ورشاقة -إن جاز التعبير- وهي الرِّقابة الشعبية على دستورية القوانين؛ استنادا لفكرة أنَّ الشعب هو أصل السلطات. وتنشط الرِّقابة الشعبية عندما تمتنع جميع السلطات عن الرِّقابة الدستورية بنصٍّ دستوري يحظر عليها ذلك، بل ويُلزمها بالرجوع إلى الشعب لعرض جميع أو بعض المسائل الدستورية عليه، في استفتاءات عامة للنظر فيما إذا كانت أعمال السلطات العامة تتفق مع الدستور أم لا، وهو ما يُعرف بالرِّقابة الشعبية المباشرة، وهناك طريقة غير مباشرة للرقابة الشعبية تتمثل في قيام الشعب بالرِّقابة عن طريق هيئاته ونقاباته وأحزابه ووسائل إعلامه.

وأصبحنا نُشاهد ونسمع من يتحدَّث من الحقوقيين والإعلاميين وأعضاء الأحزاب والنقابات، عن مخالفات دستورية في النظام الإداري أو السياسي، ويبيِّن مَوَاطن عدم الدستورية في تلك المخالفات، ويجليها للشعب؛ ويُظهر بعض القوانين التي لا تتلاءم مع القواعد الدستورية نتيجة للهيمنة المُطبِقة من قبل الأنظمة الحاكمة. وكذلك تمرير بعض القوانين والمعاهدات التي لا تراعي دستور البلاد وحقوق وحريات الشعوب.

وللأسف، فإنَّ كثيرًا من الحكام -خاصة في بلدان العالم الثالث- يضرب بالدستور عرض الحائط؛ لأنه -أي الحاكم- هو من يمنح الدستور، وهو من يمنعه، وهو من يوجه بتعديله أو تبديله، تحت مُسمَّيات وذرائع كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان.
أمَّا الرِّقابة السياسية، فهي الرِّقابة التي تمارَس بواسطة هيئة سياسية تحول دون صدور تشريع مخالف للدستور، وهي هُنا رقابة وقائية سابقة لصدور التشريع؛ حيث يعرض التشريع في هذا النوع من الرِّقابة على هذه الهيئة قبل صدوره، فإنْ أقرَّته صدر، وإنْ رأته مخالفا للدستور فإنه لا يصدُر.. وتتميز الرِّقابة السياسية بأمرين:
– الأمر الأول: أنَّها رقابة سابقة على صدور القانون؛ بهدف التحقُّق من مدى دستوريته.
– الأمر الثاني: أنَّ من يتولاها ليس هيئة قضائية، بل يتولى مسؤولية هذه الرِّقابة هيئة سياسية يكون اختيار أعضائها بواسطة السلطة التشريعية أو بالاشتراك مع السلطة التنفيذية.

وفي تقديرنا أنَّ الرِّقابة السياسية إذا حقَّقت استقلاليتها، ولم تتأثر بسلطة الحاكم وهيمنته وتغولاته، وإذا تم اختيار أعضائها بنزاهة تامة، ستحقق الهدف المرجو منها على أكمل وجه، خاصة وأنها تتميَّز بأنَّ أحكامها سابقة على صدور القانون؛ وبذلك تحافظ على نقاء وصفاء هذه القوانين وانسجامها مع القواعد الدستورية قبل المصادقة عليها.

أمَّا أهم أنواع دستورية القوانين، وأكثرها انتشاراً وذيوعاً، فهي الرِّقابة القضائية التي تستهدف تأكيد احترام ما يصُدر عن السلطة التشريعية من تشريعات لأحكام الوثيقة الدستورية، وعدم مُخالفتها لتلك الأحكام في كافة مراحل وضعها وإقرارها وتنفيذها وتفسيرها؛ لذلك تحرصُ مُعظم الدول على أن تضمن دساتيرها نصوصًا صريحة تكفل وضع السياج التشريعي والإجرائي لمباشرة جهة قضائية متخصصة للرقابة على دستورية القوانين؛ بحيث يكون للقاضي الحق في أن يتيقن من مدى تطابق القانون والأوامر الإدارية؛ سواء كانت لائحية أو فردية مع أحكام الدستور، وأن يقف على مدى تجاوز السلطة التشريعية لحدود الاختصاصات التي حددتها لها الوثيقة الدستورية.

وفي نظر مؤيديها، تحوز الرِّقابة القضائية على الثقة في ضمان التطبيق الأمين لنصوص الدستور، والمحافظة على استقلال كل سلطة من السلطات الثلاث، ومنع اعتداء سلطة على أخرى، لاسيما وأن القضاء يعد دوما صمام الأمان لحقوق وحريات المواطنين، ويباشره أفراد يتميزون بالنزاهة والاستقلالية والمهارة الفنية، والقدرة العملية على سبر أغوار النصوص التشريعية والدستورية، واكتشاف ما يتعارض من الأولى مع الأخيرة، ولعل القبول العام لهذا النوع من الرِّقابة سواء المركزية منها أو غير المركزية؛ مرجعه إلى طابعه العملي والمتفق مع الطابع القانوني الصرف لمثل هذه العملية.

وتعدُّ الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأم للرقابة على دستورية القوانين، وهي أول دولة أخذت بهذا النظام؛ فعلى الرغم من أنَّ الدستور الأمريكي لم ينص على أنَّ للمحاكم الحقَّ في الرِّقابة على دستورية القوانين؛ إلا أن هذه الرِّقابة فرضت نفسها على الواقع القانوني للولايات الأمريكية بفضل جهود المحكمة العليا؛ بدءًا بقضية: “تريف” ضد “ويدن” في سنة 1786م؛ مرورا بقضية: “بايار” ضد “سنجلتون” في سنة 1787م، وانتهاء بالحكم الشهير قي قضية القاضي “ماربوري” ضد وزير الداخلية قي ذلك الوقت: “ماديسون” الذي أصدرته المحكمة الاتحادية العليا في العام 1853م، والذي أصبح يُدرس في كل مؤلفات وأبحاث القانون الدستوري في أعلب دول العالم؛ لأنه أرسى قاعدة الرِّقابة القضائية على دستورية القوانين.

وفي السلطنة، صَدَر المرسومُ السلطانيُّ رقم 90/99 بإصدار قانون السلطة القضائية، وجاء في الباب الأول/الفصل الثاني-في ولاية المحاكم: (المادة 10) تشكل بالمحكمة العليا -عند الحاجة- هيئة تتألف من رئيس المحكمة العليا وأقدم خمسة من نوابه، أو الأقدم فالأقدم من قضاة المحكمة، ينضم إليهم رئيس محكمة القضاء الإداري ونائبه، وأقدم ثلاثة من المحاكم المنصوص عليها في هذا القانون، ومحكمة القضاء الإداري وغيره من المحاكم.

وذكر القانون في (المادة 11): تكون الهيئة المنصوص عليها في (المادة 10) هي الجهة القضائية المختصة بالفصل في المنازعات المتعلقة بمدى تطابق القوانين واللوائح مع النظام الأساسي للدولة، وعدم مُخالفتها لأحكامه، كما تختص بتعيين الحكم الواجب التنفيذ في حالة تنازع الأحكام، وعقدت الهيئة جلسة واحدة من تشكيلها وفق القانون، وكان ذلك يوم السبت بتاريخ 6 يونيو للعام 2009م، وأصدرت أحكامها في أكثر من ستين موضوعا يخص تنازع الاختصاص؛ وحددت جهات التقاضي المناسبة لكل قضية كانت معلقة بسبب حالات التنازع في الاختصاص حولها. وقد بشرت هذه الخطوة بنواة لقيام محكمة دستورية عليا مستقلة في المستقبل وفقا لسياسة التدرُّج التي تنتهجها القيادة السياسية في السلطنة، ولكن هذه الأُمنية لم تتحقَّق بعد مضي أكثر من خمسة عشر عاماً على صدور قانون السلطة القضائية رغم التطورات القانونية والأحداث الشعبية في البلاد.

ومن هنا؛ وَجَب علينا كمُهتمين أن نُنبه إلى أهمية تطبيق نظام الرِّقابة على دستورية القوانين في السلطنة، فلا يُمكن أن نبني هرماً قانونيًّا يكون على رأسه النظام الأساسي للدولة، ثم نتركه مُشرعاً بلا حارس يُشرف عليه، أو نظام يحميه من العابثين والمتغولين. ومن المصلحة العامة أيضاً أنْ تتم مراجعة القوانين السارية في السلطنة، ومطابقتها بالقواعد الدستورية في النظام الأساسي للدولة، والعمل على إصلاح وصيانة الشبكة القانونية قي البلاد، مع أهمية استكمال القوانين التي يُشير إليها النظام الأساسي للدولة ولم تُستكمل بعد.
كما أنَّنا نحث الجهات المعنية في السلطنة على البدء فوراً في تطبيق نظام الرِّقابة على دستورية القوانين، والخروج من حالة الجمود والتراخي التي تُؤثر سلباً على تطوُّر الدولة القانونية في عُمان، وأنْ تبدأ الجهة التي أُشير إليها في قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 90/99 بالقيام بأعمالها وواجباتها تجاه تفعيل نظام الرِّقابة على دستورية القوانين، ليس فقط عند الحاجة كما تشير إلى ذلك المادة 10 من القانون أعلاه، إنما بشكل دائمٍ ومُنتظم؛ حماية للنظام الأساسي للدولة، وإنفاذاً لشرعيته.

ولا أرَىَ أهميةً الآن لقيام محكمة دستورية عليا مُستقلَّة في البلاد كما يقترح البعض؛ وذلك لأسباب دستورية وإدارية، وأسباب مالية يطول شرحها، ويمكن عوضاً عن ذلك تفعيل نظام الرِّقابة على الدستورية من خلال المحكمة العليا بأن تكون الهيئة التي أشرنا إليها هيئة دائمة، وتبدأ بممارسة نشاطها في القضاء الدستوري بصفة دائمة وليس عند الحاجة، ثم قياس نتائج أعمال هذه الهيئة وكمية الأعمال التي تُنجزها بأهمية قيام محكمة دستورية مستقلة في عُمان مُستقبلا، تكون حجةً ومرجعاً للجميع؛ ففي هذه الممارسة تشخيص للحالة الدستورية وتدريب واختبار لكادر القضاء الدستوري الوطني ومدى كفاءته وكفايته، أو الحاجة للاستعانة بقضاة دستوريين من خارج البلاد.

1,146 total views, 8 views today