Fahad Rahbi

فهد بن محمود الرَّحبي

إنَّ دراسةَ الماضي ومعرفته من خلال الروايات الشفهية ليس أمرًا جديدًا، فقد وُجِدت المصادر المدونة والمصادر الشفهية المروية -جنبا إلى جنب- عبر التاريخ القديم وحتى العصور الحديثة؛ إذ لم يكن مرهونا بمعرفة القراءة والكتابة (1)، ويُمكن القول بأنَّ التاريخ المروي يقوم بتوثيق الأحداث والحكايات من الاختفاء والتلاشي؛ فموت الشاهد يعني موت الحكاية التاريخية وتفاصيلها، وموت جزء من الحقيقة باعتباره مصدرًا من مصادر توثيق التاريخ. والرواية الشفهية تعدُّ مرآة المرحلة الحضارية التي يعيشها الناس، وهي تعبر عن أفكارهم وعواطفهم، كما أنها تصور النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة (2). وقد تزايد الاهتمام بالرواية الشفهية في الآونة الأخيرة.

إنَّ من يظن أن الرواية الشفهية لا تصلح كوثيقة ومستندات للمعرفة التاريخية قد يتراجع عن هذا الرأي إذا تفكَّر أن أغلب الوثائق المدونة كانت أصلا شفهية. وبناءً عليه، فإنَّ المصدر الشفهي ضرورة علمية لفهم حقائق التاريخ، وحقائق التاريخ في التعريف الحديث هي كل ما تركه السلف من أعمال ومخطوطات ووثائق وتسجيلات وعادات وتقاليد وطقوس دينية وغيرها (3).

ويمكن تبني 4 مواقف حول أهمية الرواية الشفهية في فهم حقائق التاريخ؛ هي:

– تحتوي على قدر من الحقيقة والصدق.

– تبين مقدار الحقيقة وتقييمها.

– إنَّ كل العوامل المؤثرة في مصداقية الرواية الشفهية يجب أن ننقحها بعناية.

– يجب أن تخضع للفحص الدقيق بواسطة المنهج التاريخي.

مراحل عملية البحث في الرواية الشفهية:

أ- جمع المادة من مصدرها الشفهي.

ب- تصنيف ما تم جمعه وفهرسته.

ج- مرحلة الدراسة والتحليل.

جمع المادة الشفهية يتم بثلاث طرق:

1- طريقة الملاحظة.

2- طريقة المشاركة.

3- طريقة المقابلة.

وكلُّ طريقة من هذه الطرق لها إيجابياتها وسلبياتها ويستحسن الجمع بينهما (4).

اهتمام الأمم المتحدة بالتاريخ المروي:

لقد أصبحتْ هذه القضية محلَّ اهتمام العالم؛ لذلك فطنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونسكو” منذ العام 1984م لأهمية التراث الشفهي والمحافظة عليه؛ لذلك أعلنت في خطتها آنذاك ضرورة المحافظة على التراث الشفهي أيًّا كان نوعه. وفي العام 1998م، تمَّ الإعلان عن برامج روائع تراث الإنسانية الشفهي وغير الملموس، وجاءت الدورة الثانية والثلاثين للمنظمة المنعقد في مقر اليونسكو بباريس بتاريخ 29 سبتمبر 2003م؛ ليتم اعتماد الاتفاقية الدولية لصون التراث غير المادي، وكان أحد أهدافها تقديم الدعم والتوعية على الصعيد المحلي والدولي، وجعلته من محفزات التنمية الوطنية.

جهود وزارة التراث والثقافة في حفظ التاريخ المروي العُماني:

وتواكبًا مع هذا الاهتمام العالمي بهذا التراث، ونظرا لثراء السلطنة الثقافي وتنوعه، وإدراكا من لدن مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظة الله- بأهمية العناية بالتراث الثقافي والفكري للشعب العُماني -بصفته القاعدة الأساسية للانطلاق نحو التطوير والتحديث، وجعل هذا التراث من محفزات التنمية الوطنية الشاملة- فقد جاء المرسوم السلطاني رقم 56/2005م (5) لتصدِّق السلطنة على الاتفاقية الدولية لصون التراث غير المادي؛ فانعكس ذلك الاهتمام من خلال العمل على إنشاء قسم للتراث الثقافي غير المادي عام 2005، يتبع دائرة الفنون الشعبية بوزارة التراث والثقافة، يعمل على إيجاد البرامج والخطط الكفيلة بجمع وحفظ التراث الثقافي غير المادي. ومن مجالات التراث الثقافي غير المادي: التاريخ المروي، الذي سعت الوزارة -من خلال دائرة الفنون الشعبية- إلى تنفيذ مشروع جمع التاريخ المروي في مختلف ولايات ومناطق السلطنة؛ لذلك كانت طباعة الموروث الثقافي العُماني ونشرة يساهمان في نقل المعارف والثقافة العُمانية الأصيلة من جيل إلى جيل عبر الرواة الذين يحملون ذلك التاريخ لغرسه في نفوس الناشئة من أبناء هذا الوطن، بجانب توفير تلك الكتب للباحثين والدارسين للتاريخ المروي العُماني والثقافة الشعبية العُمانية. ولقد صدرت للوزارة العديد من الإصدارات تناولتْ عدَّة جوانب من المأثورات العُمانية تنوَّعت على حسب المواضيع المتعلقة بها بمنتهى الموضوعية والمصداقية؛ من خلال الرواة الذين عاشوا تلك الحقبة من التاريخ؛ فكانت هذه المكتبة المتكاملة تشمل المعلومات والتحليل والنقد، كما أنها تعدُّ وثيقة مهمًّة لتوثيق الموروثات الشعبية العُمانية. ومن نماذج هذه الإصدارات:

التاريخ البحري المروي لولاية صور:

يأتي هذا التوثيق ضمن مشروع جمع التاريخ المروي العُماني الذي تنفذه الوزارة بشكل سنوي في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة؛ حيث تُمثِّل الذاكرة الشفهية جانباً مهمًّا من التاريخ العُماني؛ وذلك من خلال الرواة الذين عاشوا حقبة سابقة من التاريخ. وقام بإعداد هذا الكتاب كلٌّ من: الأستاذ حمود بن حمد الغيلاني، والدكتور محمد بن حمد العريمي.

وما يُميز هذا الكتاب -الذي يقع في حوالي 140 صفحة- أنه جاء ليوثق الذاكرة الشفهية للتاريخ البحري لولاية صور؛ من خلال الرواة الذين عاصروا الحياة البحرية من ملاك السفن وربابنة البحر وبحاري صور.

وقد تمَّ اعتماد منهج مُحدَّد وفق آلية الجمع الميداني للمعلومة من مصادرها. ولأجل ذلك, قام الباحثان -وفريق الجمع الميداني- بالجمع والإعداد المباشر من خلال اللقاءات الميدانية، كما تمَّ توثيق تلك المقابلات من خلال الأشرطة السمعية، وتتبع سيرة هؤلاء الرواة من خلال سرد الجوانب المختلفة من سيرهم الذاتية؛ وذلك كي تكون توثيقاً لحياة هؤلاء الرجال الذين أعطوا الكثير من أجل هذا البلد، وحرصوا على علو اسمه ومكانته في كثير من المحافل المختلفة، وكي تجد الأجيال القادمة ما يُعرِّفها بجانب مهم من الجوانب المختلفة لتاريخ بلدها الضارب في العُمق والأصالة.

وقد بدأ الفصل الأول من هذا الكتاب -الذي يشتمل على خمسة فصول- بالحديث عن صناعة السفن من حيث العوامل المتعلقة بتعلم الحرفة، والصفات التي ينبغي أن يتصف بها من يريد الالتحاق بهذه الحرفة، وكذلك الجوانب الإدارية والمالية المرتبطة، كآلية الاتفاق على صناعة السفينة، والمعاملات المالية المتعلقة، وطاقم الصناعة (يصل عددهم إلى ما بين 20 و35 شخصا)، ثمَّ تطرَّق الباحثان في هذا الفصل إلى أجزاء السفينة، والأدوات والأخشاب المستخدمة، وعدة البحار، وأنواع الحبال والأشرعة. وكشف الفصل الأول أيضاء عن عادات وطقوس اجتماعية مرتبطة بحرفة صناعة السفينة، ثم ذكر نماذج لأنواع السفن المستخدمة في الملاحة البحرية، والتي لا يزال النواخذة الصوري يتذكرها؛ مثل: “السنبوك والغنجة والبغلة والبدن والجالبوت وعويسية والهوري…وغيرها”. واستعرض عدداً من أسماء السفن التجارية الصورية، واختتم الفصل الأول بذكر أسماء صناع السفن المشهورين في مدينة صور، والذين وصل عددهم إلى 74.

وانتقل الفصل الثاني إلى الملاحة البحرية، وعرف الملاحة الفلكية وأنواعها، والأدوات التي استخدمها نواخذة صور في أسفارهم المختلفة، وتعرض لطاقم السفينة من نواخذة وبحارة وغيرهما، ثم بعدها انتقل بالحديث عن البحارة وآلية اختيارهم، وأهم أعمالهم المختلفة، ثم تناول أهم الموانئ التجارية التي كانت تصل إليها سفن أهل صور، وأهم البضائع المصدرة والمجلوبة من تلك الموانئ، ومدد الرحلات المختلفة، ثم تطرَّق لعدد من القضايا المتعلقة بالملاحة البحرية كأنواع الإصابات وآلية التعامل مع وفيات البحر، وعرَّفنا بمفهوم سنة البحر، والوثائق المرتبطة بالملاحة، وأشهر الضربات، وعمليات القرصنة، والوساطة التجارية، والنقل الساحلي، والعملات النقدية المستخدمة، وانتهى هذا الفصل بذكر أسماء عدد من النواخذة الذين تم التوصل إليهم من خلال هذا الإصدار.

وتناول الفصل الثالث أهم الفنون المرتبطة بالملاحة البحرية، وللفنون العُمانية المغناة دورها وتواجدها الفاعل في كلٍّ من الملاحة الفلكية وصناعة السفن, وقد كان البحارة يُمارسون عدداً من الفنون البحرية المختلفة خلال عملهم في مجال الملاحة البحرية، وهي فنون متعددة بتعدُّد المراحل المرتبطة بعملية الملاحة ابتداءً من بَدْء صناعة السفينة، وانتهاء برسو السفينة في خور الحجر، أو خور الجراما، قادمة من رحلة طويلة جابتْ خلالها عدداً من الموانئ المختلفة. وكانت هذه الفنون توفِّر لهم الحماسَ والنشوة، وتقتل لديهم الشعور بالوقت أو تذكرهم بالأهل والأبناء.

وتمَّ تخصيص الفصل الخامس والأخير لعرض جانب من أهم المصطلحات التي تم استخدامها في مجال الملاحة البحرية، وصناعة السفن، والمصطلحات التي تناولها الكتاب وصل عددها إلى 148 كلمة؛ منها: استاد (وهو النجار المتمكن في صناعة السفن)، باورة (مرساه)، تانكي (خزان ماء)، خن (المستودع الداخلي)…إلخ.

واشتمل الجزء الثاني من هذه المصطلحات على مصطلحات خاصة للإبحار، عددها 44 كلمة؛ منها: بروه (رسالة قصيرة يحصل عليها البحار للالتحاق بنواخذة آخر من النواخذة السابق (شهادة توصية)، بويّه (علامة بحرية تطفو على سطح الماء لتحذر السفن من الاقتراب من الأماكن الخطرة أو المياه الضحلة الأعماق)، سنيار (مجموعة من السفن تبحر معا في خط سير واحد وبنفس الوقت ومتجهة إلى نفس المكان)…إلخ). وفي نهاية الكتاب، توجد ملاحق وثقت أسماء الرواة الذين تمَّت مقابلتهم، وصفتهم، وتاريخ المقابلة، وكان عددهم 26 راويا، وملحق آخر ضمَّ صورًا لبعض هؤلاء الرواة خلال تسجيل الحوارات معهم، علما بأنَّ الكتاب ضمَّ العديد من الصور والرسوم التي توضِّح العديد من الجزئيات الخاصة بصناعة السفن ومسميات أجزاء السفينة لتوظيفها تيسيرا للقارئ الكريم.

ويقول الباحثان -الأستاذ حمود الغيلاني، والدكتور محمد العريمي- عن عملية التوثيق التي قاما بها في هذا الإصدار: “لقد سعينا قدر جهدنا أن نبحث عن بعض الجوانب التي لم يتم التطرق إليها بشكل موسع في الدراسات الأخرى، كما حاولنا الوصول إلى رواة كانت لهم تجربتهم الثرية، والتي لم تر النور كي يطلع عليها المجتمع، وسعينا -من خلال لقاءاتنا مع الرواة- إلى محاولة نفي أو إثبات كثير من المعلومات والحقائق والقصص التي ارتبطت بذاكرة التاريخ البحري في صور؛ بحيث كنا نوجِّه السؤال حول بعض القضايا التي هي محل شك أو خلاف إلى أكبر عدد من هؤلاء الرواة لتبيان وجهة نظرهم ورؤيتهم تجاهها من خلال معايشتهم لتلك الأحداث. كما أننا -ومن خلال قيامنا بتوثيق تلك المقابلات، من خلال الأشرطة السمعية- قد عمدنا إلى تتبُّع سيرة هؤلاء الرواة من خلال سرد الجوانب المختلفة من سيرهم الذاتية؛ وذلك كي تكون توثيقاً لحياة هؤلاء الرجال الذين أعطوا الكثير من أجل هذا البلد، وحرصوا على علو اسمه ومكانته في كثير من المحافل المختلفة، وكي تجد الأجيال القادمة ما يُعرِّفها بجانب مهم من الجوانب المختلفة لتاريخ بلدها الضارب في العمق والأصالة”.

تاريخ نزوى التعليمي قبل النهضة:

إنَّ ما يُميز هذا الكتاب -الذي يقع في حوالي 279 صفحة من الحجم الكبير- أنه جاء ليوثق الذاكرة الشفهية لتاريخ نزوى التعليمي قبل النهضة المباركة التي قادها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -حفظه الله- من خلال الرواة الذين عاصروا الحياة العلمية والثقافية من علماء ومعلمين وطلاب، وهو بالتالي نتاج جهد مشترك بين الحكومة والمجتمع.

وقد تمَّ اعتماد منهج مُحدَّد وفق آلية الجمع الميداني للمعلومة من مصادرها. ولأجل ذلك، قامت الدكتورة عائشة الدرمكية -المشرفة على المشروع- وبالتعاون مع فريق الجمع الميداني، بالجمع والإعداد المباشر من خلال اللقاءات الميدانية، كما تمَّ توثيق تلك المقابلات من خلال الأشرطة السمعية بطريقة منظمة.

وعن هذا العمل، قالت الدرمكية في مقدمة الكتاب: “إننا نقدم هذا البحث بوصفه محاولة لرصد التراث التعليمي الشفهي، الذي اجتهد فريق الجمع في سبيل الوصول إلى المعلمين والمساهمين والمشاركين في العملية التعليمية، التي كانت تحفها العديد من التحديات والإشكالات بسبب ظروف الحياة آنذاك”. وينقسم الكتاب إلى خمسة فصول مُقسَّمة على النحو التالي:

جاء الفصل الأول بعنوان “نزوى ثقافياً وحضارياً”، وتناول العديد من المحاور؛ منها: المكانة الثقافية لنزوى التي اكتسبتها بسبب انتشار التعليم، وتخريجها لمجموعة كبيرة من العلماء في عُمان؛ لذلك أصبح لها تاريخها الديني الحافل. والمحور الثاني تناول “المكانة الحضارية لنزوى”؛ إذ كانت ملتقى العلماء وطالبي العلم. أما المحور الثالث، فقد تناول “الحياة الاقتصادية في نزوى”، والتي كان لها دور كبير -كما يوضحه الرواة في ثنايا هذا الكتاب- مما أسهم في انتعاش العلم في نزوى. أما المحور الأخير، فتطرق إلى “الحياة الدينية والمكانة العلمية لنزوى”؛ لذلك سيجد القارئ الكريم في هذا الكتاب أن الرواة سيركزون -وبطريقة عفوية- على تلك العلاقة التي تربط بين تلك المكانة الدينية والمكانة العلمية التي تحظى بها نزوى إلى يومنا الحاضر.

الفصل الثاني: “دور العلم.. ذاكرة تعليمية خالدة”؛ تناول هذا الفصل العديد من المحاور؛ فقد جاء المحور الأول ليتحدث عن انتشار التعليم في نزوى، وتناول أيضا التحديات التي تحد من هذا الانتشار. وكان المحور الثاني متعلقا بالمساجد، ويذكر الرواة أنَّ تلك المساجد لا تخلو على مدار اليوم من حلقات العلم، وتداول المسائل الفقهية، ومناقشة علوم الدين عامة، وعلوم اللغة العربية.

وقد ذكر الرواة في هذا الصدد أسماء العديد من المدارس، وكذلك تحدَّث المعلمون والطلاب في هذا المحور عن أحوال وظروف التعليم في الماضي، وعن مساحة تلك المدارس؛ فقد ذكروا أسماء أكثر من عشرين مدرسة كانت تسهم في العملية التعليمية في ربوع عُمان في تلك الحقبة من التاريخ.

أما الفصل الثالث، فـ”ذكر أساتذة دُوُر العلم وطلابها”؛ وقد جاء على النحو التالي: أولا: صفات المعلم وخصاله، ثانيا: شروط المعلم، ثالثا: تعيين المعلمين.

الفصل الرابع “المعلمات ومكانتهن في المجتمع”: لقد أكد الرواة في هذا الفصل على أن نزوى كانت مقصداً لكل من أراد أن يتعلم الدين ويتفقَّه فيه، ولكل من أراد أن يأخذ من علوم اللغة والفقه والشريعة والسيرة…وغيرها من العلوم المتصلة بالقرآن.

الفصل الخامس: “إدارة التعليم في دور العلم.. الإشراف على دور العلم”؛ ومن خلال الروايات التي تناولها هذا الفصل يُمكن إجمال أن مسؤولية الإشراف تقع على عاتق المعلم أولا، ثانياً: الوالي، ثالثاً: أهل البلاد عموماً. كما تناول هذا الفصل محور المناهج الدراسية التي كانت مُتبعة في تلك الفترة.

أما الفصل الأخير، فتناول طرائق التدريس ووسائله، وقد أكد الرواة أنَّ التعليم يقوم على القراءة والكتابة معاً في الغالب. وقد تطرَّق إلى الأدوات المستخدمة في الكتابة ونوعية الأوراق. وفي نهاية الكتاب، تُوجد ملاحق وثقت صورًا لبعض هؤلاء الرواة خلال تسجيل الحوارات معهم، وملحق آخر يضمُّ جميع الأسئلة التي طُرحت على الرواة (عددها 512)، وملحق به العديد من الصور التي توضِّح الأدوات التعليمية التي كانت تُستخدم في السابق، كل ذلك وغيره تيسيرا للقارئ الكريم.

واستكمالا للمشروع، تقوم الوزارة حاليا بالعمل على جمع التاريخ المروي لولايات المصنعة وبركاء والرستاق ووادي المعاول بمحافظة جنوب الباطنة؛ كنموذج لمنطقة الحجر. وكذلك على الجانب الآخر العمل جارٍ على جمع التاريخ المروي لولاية مسقط “الاجتماعي والاقتصادي”، وتمَّ الانتهاء من الجمع الميداني للمشروعيْن، وحاليا في مرحلة التقييم والإعداد للنشر. والجدير بالذكر أنَّ جميع هذه المطبوعات تُوزَّع مجانية للباحثين والمهتمين بدون مقابل مادي.

وأخيراً.. يُمكننا القول بأنَّ المحافظة على التاريخ المروي تُعدُّ أمرًا مُهمًّا لإبراز الخصوصية الثقافية التي تعدُّ من القضايا الرئيسية في حياة الشعوب. ونتيجة للجهود الحكومية وغيرها، فليس من المستغرب أن نجد المواطن العُماني غيورا على حفظ تاريخه المروي؛ فالذاكرة العُمانية المخضرمة تحتفظ بالكثير من مفردات هذا التاريخ، فنحن معنيون بحفظ هذا الموروث وإعادة إحيائه من جديد؛ إما عن طريق دراسته دراسة أكاديمية بحثية حتى نتعرَّف على مكنونات هذا الموروث ومكوناته، أو عن طريق توثيقه بكل الوسائل المتاحة، لكي تتعرَّف الأجيال القادمة على تراثها الشفهي، وتكيفها له وفقا لروح عصره، وهذا لن يتم إلا بما نقوم به نحن الآن تجاه هذا الكنز الثقافي.

————————–

1- أحمد صبحي منصور، “مراحل التدوين التاريخي”.

2- د.أمنية عامر، “التاريخ الشفهي تاريخ يغفله التاريخ”، عدد يونيو 2005م.

3- عبدالله بن إبراهيم العسكر، “أهمية تدوين التاريخ الشفهي”، مجلة الدرعية، العددان 40،39/9/2009م.

4- كما فعل العالمان ملمان بدرمي والبرتلورد، اللذان قدما نظرية الصياغة الشفهية التي تعدُّ من أحدث النظريات في مجال البحث العلمي المتعلق بالرواية الشفهية من حيث الجمع والتعامل.

5- الصادر بتاريخ 15 جُمادى الأولى 1426هـ، الموافق 22 يونيو 2005م.

3,193 total views, 11 views today