د.سلوى بنت عبد الأمير بن سلطان

يسهم البحث العلميّ في حلّ المشكلات التي تعاني منها الأمم والمجتمعات، بأنواعها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتربويّة وغيرها، بما يوفّره لها من حقائق وإبداعات تسهم في تحسين نوعيّة الحياة، حتى أصبح البحث العلميّ هو الأساس في رقيّ المجتمعات ونهضتها.

ويتّخذ البحث العلميّ أنواعًا شتّى فمنه: البحث الأساسيّ الذي يستهدف إلى اكتشاف المعرفة وتطوير النّظريّة، والبحث التّطبيقيّ الذي يستهدف تطبيق النّظريّة، والبحث الكميّ والنّوعي، والبحث التّجريبيّ والوصفيّ … إلخ، ولكن ظهر في القرن الماضيّ نوع آخر من البحوث العلميّة، اهتمّ بحلّ مشكلات تعترض المعلّمين في عمليّة التّدريس والحياة المهْنيّة هو البحث الإجرائيّ، أو البحث الفاعل، أو البحث التّدخليّ، ؛ وسُمِّيَ بهذا الاسم لأنّ الباحث يستطيع التّدخّل في أثناء البحث بتنظيمات جديدة، وإجراءات لتعديل الظّاهرة، فالباحث يتدخّل وينشط كفاعل معنيٍّ بالأمر، ويحدث تغييرات على الموقف، ويقدّم حلولًا للمشكلة ودراسة آثارها (1). ويعدّ البحث الإجرائيّ أحد مداخل التّنمية المهْنية، فضلًا عن مدخل استطلاع الاحتياجات التّدريبيّة، ومدخل الكفايات المهنيّة، ومدخل تحليل الأداء، ومدخل تدعيم المعلّمين الجدد، ومدخل الممارسة المِهْنِيّة (التّأمليّة).

في هذا المقال سنتناول تعريف البحوث الإجرائية وأهدافها وأهميّتها، والفرق بينها وبين البحوث العلميّة الأكاديميّة، وواقع البحوث الإجرائيّة في الميدان التعليميّ.

ويعرّف البحث الإجرائي على أنّه: “بحث محدّد الإطار، يتناول حلّ مشكلات مدرسيّة، يقوم به المعلّمون والمديرون بغية تحسين نوعيّة القرارات التي يتّخذونها، والأعمال التي يمارسونها في المدرسة”، فهو بحث تطبيقيّ يكون فيه الباحث معلّمًا وممارسًا، ومطبّقًا شروط الاستقصاء العلميّ في الصّف، بهدف تشخيص المشكلات الدّراسيّة، والعمل على حلّها داخل المدرسة، وهو يسهم في تحسين التّعليم، وتجديد ممارسات المعلّمين المهْنيّة وإحداث التّغيّرات التّربويّة، ويقوم بها عادة المعلّمون الرّاغبون في تحسين كفاءتهم، ورفع مستوى أدائهم المهْنيّ، فضلًا عن أنّه وسيلة لتحسين اتّجاههم ومواقفهم نحو التّطور المهنيّ ونحو عمليّة التّغيير، ويسهم البحث الإجرائيّ في زيادة ثقة المعلّمين واعتمادهم على أنفسهم، ورغبتهم في الإنجاز، وخلق جوّ من المهنيّة والعلميّة؛ فالمعلّمون الذين يهتمّون بالبحوث، يحقّقون نموًّا على الصّعيدين: الشّخصيّ والمهنيّ(2).

والبحث الإجرائي بحث يمكن أنْ ينجزه معلّم واحد، أو ينجزه المعلّم بالتّعاون مع زملائه، ويمكن للمعلّمين أنْ يقوموا بالتَخطيط الفعليّ لحلّها بمجرّد الشّعور بالمشكلة، عبر الاستعانة بأساليب البحث العلميّ القائم على الملاحظة والتّجريب وهي: تحديد مشكلة البحث وصياغتها، ثمّ وصف مظاهر المشكلة وتحليلها، ثمّ صياغة الفرضيّات المتوقّع التّوصّل إليها، وتحديد أسلوب البحث، وتصميم التّجربة، واختيار أدوات البحث، ثمّ رسم خطّة البحث وتنفيذها، والعمل على جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها، واستخلاص النّتائج المستفادة من البحث(3).

وتعدّ البحوث الإجرائيّة التي يشارك بها المعلّمون من أفضل البحوث التّربويّة؛ لأنّها ترتبط مباشرة بالميدان، وتنطلق من مشكلات واقعيّة يحس بها المعلّمون، ومن الأهداف التي يحقّقها البحث الإجرائيّ: تجربة الأفكار والبرامج الجديدة، والتّأكّد من صحّتها وفائدتها، كما أنّه يحسم الخلاف في كثير من المشـكلات التي تعترض المعلّمين في أثناء التّدريس، أو عندما لا يبدو اقتناع أحد الأطراف بالحلّ المطروح ممكنًا، كما أنّه يلزم المعلّمين بتطبيق النّتائج إذا ثبت صحّتها (4).

وتكون البحوث الإجرائية مفيدة للمعلّمين عندما تكـون لــــدى المعلّـــم الدّافعيّــــة الذّاتيـة للقيــــام بها تطوعيًّـــا، من دون أنْ يكون ذلك فرضًا يؤدّيه من قِبَلِ سُلْطَةٍ غير سلطة ضميره المهْنيّ، وأنْ تمارس بحســـــــــب منطـق بحثيّ اســـــتقصائـــي، يتّصــــــف بالمرونة والإبداع إلى أنْ تصــبح جزءًا من النّظـام المدرسيّ، وعنصـرًا من عناصر ممارسة مهنة التّعليم، وأنْ تهــدف هذه البحوث إلى تحســــين التّعليم في المدارس، وتعــتمـد على التّأمّــل والْوَعْيِ بوجود مشكلة، وفهـم الممارسات القائمة، وتأمُّل النّتـائج، وربطهـا بالمسبّبات، ثمّ تطـــويرها وتعديل مـــا وراءها من معــــارف نظريّة، لاتّخاذ القرارات اللازمة تجاهها (5).

ومن مجالات البحث الإجرائي: المجال التربويّ الي يتمّ البحث فيه بالمشاكل المرتبطة بالعمليّة التّعليميّة التّعلميّة، والتّغلب على الفوضى التي يحدثها بعض التّلاميذ في الفصل، وتعرّف الأسباب التي يلجأ فيها التّلاميذ للغش، ومعرفة أساليب العقاب المناسبة للتّلميذ العدوانيّ، وفي المجال النفسيّ، يمكن البحث في المشاكل المرتبطة بنفسيّة المتعلّم وسلوكه مثل: السّرحان، والارتباك، وعدم الاندماج مع الآخرين، وفي المجال الاجتماعيّ، يمكن البحث في التّسرب المدرسيّ، أمّا في المجال الماديّ فيمكن البحث في المشاكل التي تؤّثر في التّعليم مثل: غياب المرافق في المدرسة كالمختبرات، وصالات الألعاب.

ويختلف البحث الإجرائي عن البحث العلميّ الأكاديميّ بجميع أشكاله في أمور كثيرة، فالبحث العلميّ الأكاديميّ يقوم به أكاديميّون أو ينجز تحت إشرافهم في الجامعات، أو للحصول على شهادة عليا، بينما البحث الإجرائي يقوم به المعلّمون في مدارسهم، والبحث العلميّ الأكاديميّ يحلّ الإشكاليّات البحثيّة، ويبقى وقفًا على الباحثين المتخصّصين والمتمرّسين، بينما يعدّ المعلّمون والتّلاميذ أطرافًا أساسيّة في إدراك المشكلة وحلّها في البحث الإجرائيّ، ويبقي الباحث الأكاديميّ مسافة بينه وبين موضوع بحثه، في حين أن الباحث الإجرائي يشرك الآخرين في بحثه.

كما أنّ البحث العلميّ الأكاديميّ يهدف إلى إغناء النّظريّة وتطوير العلم، وتُعَمَّمُ نتائجه على وضعيّات جديدة، أيْ: إنّه يُنْتِجُ قوانين، ويسهم في بناء معرفة نظريّة، بينما يهدف البحث الإجرائيّ إلى حلّ مشكلة محدّدة في ظروف طبيعيّة، وتحسين الأداء ولا يمكن تعميم نتائجه على وضعيّات متشابهة، ونتائجه لا تعتمد على التّنظير.

ويُسْتَنَدُ البحث العلميّ الأكاديمي إلى نظريّة، ويندرج في إطار منظومة فكريّة معيّنة، بينما لا يُسْتَنَدُ البحث الإجرائيّ إلى نظريّة، ولا يندرج في إطار منظومة فكريّة معيّنة، ويلتزم الباحث العلميّ الأكاديميّ بشروط المنهجيّة العلميّة الصّارمة، بينما توجد مرونة مع شروط المنهجيّة العلميّة في البحث الإجرائي، من دون أنْ يعني ذلك العشوائيّة، ويلجأ الباحثون إلى تقنيّات متطوّرة في التّحليل الإحصائيّة عند إجراء البحث العلميّ الأكاديمي، بينما يلجأ المعلّمون إلى تقنيّات التّحليل الإحصائيّ في مستوياتها الأوّليّة الدّنيا عند إجراء البحث الإجرائيّ (6).

وقد بدأت وزارة التّربية والتّعليم فـي سلطنة عُمان الاهتمـام بالبحوث العلميّة قـبل سـنوات قليلــة، فقـــــد صــــدر أوّل قـــــرار بتنشــيط مســابقات البحث العلمـــيّ التّربويّ فــــــــي العـام ألفيـن وثلاثـة (2003م)، كما قـامت بتقــديم أوّل ندوة للبحث التّربويّ في شهر مارس من عام (2005م)، ونادت حلقات النّقاش التي دارت عام ألفين وثمانية (2008م) بين عدد من التّربويّين العُمانيّين إلى تفعيل دور المعلّم في البحوث التّربويّة بعامّة والبحوث الإجرائية بخاصّة، لما لها من أثر فاعل في تطوير ممارساتهم، وزيادة رصـيدهم الفكريّ نحو المزيد من الابتكارات والمبادرات التّربويّة (7).
ومن الملاحظ في الميدان، أنّ عددًا قليلًا من المعلّمين يقومون بإجراء ببحوث عمل، نظرًا لقلّة المشرفين التّربويّين الذين يمتلكون تلك المهارة، وتوصيلها إلى المعلّمين؛ وبالرّغم من أهميّة البحوث الإجرائيّة، وفي الواقع الميدانيّ أشارت دراسة المعمريّة في عام ألفين وتسعة (2009م)، إلى ضعف في درجة وجود متطلّبات بحوث العمل والمناخ التّنظيمّيّ في مدارس التّعليم ما بعد الأســاسيّ في سلطنة عُمَان، ومن النّتائج الإيجابيّة التي توصّلت إليها: وجود علاقة جيّدة بين المعلّم الباحث وتلاميذ في هذه المدارس، ووجود آليّة لإشراك المعلّم في بحوث العمل على مستوى وزارة التّربية والتّعليم، كما أكّدت حرص الوزارة على توفير الكوادر المؤهّلة في مكتبات هذه المدارس، أمّا النتائج السّلبيّة التي توصّلت إليها، فتمثّلت في وجود قصور في: إجراء بحوث العمل على المستوى الجماعي، وتنوّع الحوافز الماديّة والمعنويّة المقدّمة، وتمويل بحوث العمل من قبل إدارات المدارس، وتدريب المعلّمين على البرامج الإحصائيّة وتحليل النّتائج وتفسيرها، ومهارة التّواصل في النّدوات والمؤتمرات، فضلًا عن أنّ إدارات المدارس لا تحتسب ساعات بحوث العمل كجزء من نصاب المعلّم (8).

أمّا الدّراسة التي قامت بها الوهيبية في عام (2011م)، فقد أظهرت أنّ المعلّمين يقومون بالبحوث الإجرائيّة بدرجة قليلة، وقد عزت ذلك إلى أنّ مثل هذه البحوث بحاجة إلى معرفة نظريّة، وهذه المعرفة النّظريّة لا تتوافر لدى العديد من المعلّمين والمشرفين التّربويّين، وكذلك إلى ندرة وجود الدّراسات والأبحاث التّربويّة المرتبطة بالبحث الإجرائيّ في مكتبات المحافظات التّعليميّة (9).
وقامت وزارة التّربية والتّعليم في سلطنة عُمَان عام ألفين وأحد عشر(2011م)، بتنفيذ برنامج البحث الإجرائيّ بالتّعاون مع جمعيّة القراءة الدّوليّة، في فترتين بمشاركة ثلاث وستّين (63) من المعلّمين، والمعلّمين الأوائل، والمشرفين التّربويّين، واختصاصيّي التّدريبّ، بهدف تزويدهم بمهارات إجراء البحوث الإجرائيّة؛ وقد تمّ التّركيز على فئة المعلّمين.

وظهرت أهميّة برنامج البحث الإجرائيّ الذي قامت به وزارة التربية والتعليم، في كونه من البرامج النّابعـة من الاحتياجات الفعليّة للمعلّمين والمشــرفين التّربويّيين، وتمّ تنفيذه من قبل مختصّين وأساتذة لديهم خبرة كبيرة في هذا المجال، وكانت فئة المتدرِّبين من المدرِّبين المعتمــــدين، واهتمّ البرنامج بجانبيـن: أحدهما نظـريّ، والآخر تطـبيـقيّ يُلْـزِمُ المشارك بإجراء بحث في محافظـته أو منطقته كمشــروع من متطلّبات إكمال البرنامج (10) .

إنّ نشر وزارة التّربية والتّعليم ثقافة البحوث الإجرائيّة، بتكثيف عدد النّدوات والملتقيات، وتكوين فرق عمل من المعلّمين، في مختلف التّخصّصات؛ لإجراء مثل هذه البحوث، وتوجيهها نحو حلّ المشكلات التّدريسيّة في مجال التّخصص على مستوى المدرسة، وعلى مستوى المحافظات التّعليميّة، وتشجيع المدارس ودعمها وتمويلها، سيسهم في تطوّر خبرات العاملين في الحقل التّربويّ، ورعاية مواهبهم، وتنمية مهاراتهم، كما سيشجّع المعلّمين على الاهتمام في تنويع طرق التّدريس، الذي ينعكس على إنجاز التّلاميذ ورفع مستوى أدائهم المدرسيّ.

2,086 total views, 40 views today