سمية السليمانية
استشارية في مناهج العلوم الإنسانية


في ذاكرتي مواقف لا تنسى كنت أسمع “أحسنتوا” وكأنها لازمة صوتية تختص بنا نحن العمانيين أو نختص بها.

يحل موسم القيظ علينا في عقر نزوى الشامخة وتمر صواني و”سمم” الرطب على رأس حاملها، لم يكن مهم عندي وأنا صغيرة من يحملها بل ما فيها، مرة خلاص ومرة خنيزي ومرة برني ،،،، ألوان وأحجام وأشكال لا تنتهي، وكانت “أحسنتوا” تحيط بمسامعي أينما وليت القبلة. يعرض الحامل سمته “قبضوا” ويأتي الرد سريعاً “أحسنتوا”. والغريب عندما كان يأتي زائر لبيتنا كنت أسمع من أبي الكلمة ذاتها “أحسنتوا” منه ومن الزائر فما عدت أعرف من منهما المحسن. لا أخفيكم سراً أنني كنت أقولها لسنوات من عمري من دون التمعن في معناها العميق “أحسنتوا”.

كانت أمي بعد أن تنهي عملها في المطبخ تناولنا “المَلة”، وتأمرنا أن نذهب بها إلى الجيران،  وكانت من عادتها أن تملي علينا ما نقوله لهم ونحن نقبل عليهم “بالملة”، وفي كلامها قولوا “أحسنتوا”، ولأننا صغار كنا لا نتذكر ما حفظتنا من عبارات ولكننا لم نكن ننسى كلمة “أحسنتوا” وكأنها العلامة الفارقة، ومبلغ الفصاحة في الأقوال حينها حتى نشعر بالثقة ونحن نسير في مشوار طويل من بيتنا إلى بيت جيراننا قد يكلل برحلة برية سريعة إلى “العابية”، نكمل فيها حفر “الخَبة” أو نمتطي زورة في نخلة ونتأرجح، أو نغوص في “الجل” متناسين لحظة العقاب، متماهين مع لحظة اللعب المثلى.

وعندما كنت طالبة في الصف الأول من التعليم، كنت أحرص على أن آخذ علامة جيدة، كانت كراستي منظمة وتحت كل درس عبارة مع الدرجة ما استطعت قراءتها حتى انتقلت للصف الثاني “أحسنت” بكسر التاء. لقد أضاعت علي المعلمة فرحة الشعور بالكلمة لأنها كتبت حرف السين بخط الرقعة ولكن لا بأس فقد يكون ذلك سبباً للتفوق مدة عام. واليوم عندما أسأل ابنتي الصغيرة عن الكلمة المكتوبة في كراستها، يتضح لي أنها لم تكن مشكلتي بل مشكلة الكبار مع حرف السين في “أحسنت”.

تظل جدتي تقول “أحسنتوا” وهي تنهي حديثها مع المتصل بها من الأبناء والأحفاد، وتكررها على مسامعهم حتى آخر لحظة، ولا نعلم من المحسن من المتحدثين، الكبير أم الصغير. ما أروع جدتي وهي تعدد النعم وتذكر المعروف من القاصي والداني وإن كانت شق تمرة أو شربة ماء.

في الحقيقة ليست الذاكرة التي أعادتني إلى هذه الكلمة، فهي كلمة ما زالت في لساني منذ الصغر وما زلت أسمعها من الأهل والأصحاب. لكن معانيها أصبحت أكثر جلاء مع مستوى النضج عبر الحياة يقول عز وجل في محكم آياته: ” هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” .

وتتعدد أشكال الإحسان ما بين القول والفعل، من الكلمة الطيبة إلى الشعور الصادق إلى الإخلاق الرفيعة إلى التعاون والتكافل بالمال والحال. في كل رمشة عين “إحسان”  أو كلمة لسان “إحسان”.

وفي عمان الخير إحسان عظيم، ما نسمع وما نقرأ من تعليمات تقي الإنسان من الوقوع في التهلكة “إحسان” ، وما نرى من حكمة في التقيد بتلك التعليمات “إحسان” وما نشاهد من مواقف العطاء والتعاون “إحسان”، وما نعلم من جهود وتعاون في الأحوال “إحسان”. لنسأل الله الأمان، فالإحسان يحفظ الأبدان.

رحم الله من قال “أحسنتوا،،، في أمان الله”، وأسبغ الله عليه في قبرة رحماته وبركاته، وأدام الله علينا وبيننا هذه الكلمة قولاً وعملاً.

Hits: 231