Mohd Reza

محمد بن رضا اللواتي

تسبق الحُروب عادة العديد من المقدِّمات التي تعمل على إذكاء نارها، وتبرِّر لها، وعادة يكون الإعلام الأداة الأقوى للترويج لها عبر تقديمها بالنحو الذي تكسب به تعاطف الرأي العام.

وتتضمَّن تلك المقدِّمات أخلاقا تتناسب وروحية الحرب التي تعني فرض منطق معين على الآخر قهرا وبالنار؛ ذاك الذي لم يكن ليقبله بالحوار بتاتا. ومن تلك الأخلاق: الكراهية، والمقت، والشعور بالعداء، والنفور، وحب الموت وإسالة الدم، والدمار، وإباحة الأعراض.. هذه الأخلاق تتحوَّل في ظلِّ الحرب -وأثناء قيامها- إلى سلوك يدخل في عداء قاتم مع المشاعر التي يبدأ الناس تحسُّسها تدريجيًّا بأنَّ الحرب لم تكن الخيار الأوحد، أو الأفضل.

وحدها الثقافة التي تجترح طريق السلم، وتُؤمن بالحوار حلًّا لكل مُعضلة بين البشرية؛ بإمكانها أنْ تلعب دورا كبيرا تجاه تقديم فهم صحيح لأخلاق الحرب والسلم، وكيف أنهما يقفان موقفَ مُجابهة الكراهية للحب، والزوال للبقاء، والعدم للأمل.

ليْسَ من شكٍّ في أنَّ الشرق الأوسط بنحو عام -والخليج العربي بنحو خاص- بات في حاجة هذه الأيام إلى فهم أخلاق الحرب والسلم، وإلى ثقافة سوف يتعيَّن عليها من الآن بيان مَوْقف هذين النمطين من الأخلاق، كما سيتعيَّن عليها بذل مجهود إضافي لكي يُعادل حجم دورها حجم ما سوف يلعبه الإعلام في بثِّ أخلاق الحرب، أو لكي يكون لها دور العقل المفكر بالنسبة للإعلام الراغب في بث أخلاق السلم.

فقبل فترة وجيزة، شبَّه أستاذ في كلية العلوم بجامعة “هارفارد”، ويدعى جوزيف ناي للقناة الأمريكية “CNN” أوضاعَ “الشرق الأوسط” بأنها تشبه اليوم حروب أوروبا الطاحنة التي تُعرف بـ”حروب الثلاثين عاما”!

فإذا كانت المخططات ترى -أو تريد- للشرق الأوسط، وللخليج العربي -الذي هو اليوم جزءٌ منه، ويشهد هذه الأيام حربًا عربية ضد بلد عربي- أن تكون بؤرة لحروب ضروس وطويلة المدى، فنحن في حاجة إلى الثقافة التي تقف موقف مواجهة أخلاق الحرب.

لقد أدْرَك الأوروبيون أهمية بث المعرفة التي تتخذ على عاتقها مسؤولية إفهام الرأي العام بأنهم في حالة اعتناق قرار الحرب والتعاطف معه، يكونون قد اعتنقوا خيارَ المقت عِوَضا عن الحب؛ فنهضة الثقافة المناوئة للحروب بمسؤوليتها تكون عبر تقديم أعمال مُتميزة على مستوى السينما والمسرح والفن التشكيلي…وغيرها من الأساليب الممكنة، التي من خلالها يتم مناهضة قرار الحرب، ودور الإعلام آنذاك في تجميله والتبرير له؛ باعتبار أنَّ هذا الأخير قلَّما يستطيع أن يفعل شيئا باستقلال عن الإملاء السياسي له.

ولنلقي نظرة على رواية “الحرب والسلام”، التي ألفها “تولستري” عام 1869، والتي أرَّخت لأحداث اجتياح “نابليون بونابرت” لروسيا القيصرية -عهد “ألكسندر الأول”، الذي رفض الاستسلام- هذا ما بين عامي 1805 و1812م.

لماذا؟

لأنَّ “تولستوي” تمكَّن من أن يبيِّن في ملحمته الأسطورية تلك كيف أنَّ مجموعة كبيرة من الشخصيات تعمل على جرجرة أممٍ كاملة إلى حروب الإبادة. ومن هُنا، فإنَّ القارئ لهذه الرواية التي صدرت بالعربية في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يجد أكثر من 160 شخصية في حبكة درامية مثيرة تتحدَّث عن الحب والكراهية، وتتعرَّض لأخلاق الحرب والسلام؛ لتضع على عواتق أكثر من شخصية قرارات مُؤلمة جدًّا مثل قرار الحرب.

يقول:

“إنَّ حادثاً احترب فيه ملايين البشر، وقتل فيه نصف مليون من الرجال، لا يمكن أن تكون إرادة فرد واحد هي سببه. إنَّ رجلاً وحده لا يستطيع أن يُجبر 500 ألف شخص على أن يموتوا. إنَّني حين وصفت الأحداث التاريخية التي وقعت سنة 1805 وسنة 1807 وسنة 1812 خصوصاً -وهي السنوات التي تظهر فيها الحتمية التاريخية بارزة بأوسع أشكالها- لم أستطع أن أنسب شأناً كبيراً إلى الأعمال والإشارات التي قام بها رجال ظنوا أنهم يوجهون هذه الأحداث ويتحكمون بها، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا أقل سائر العاملين تدخلاً فيها بنشاط إنساني حُر”.

مأساة الحروب، والأشخاص الذين يكونون مهووسين بها، والنزعات التي تجعل منها حتمًا مقدَّرا، والشباب الذي يكبُر حتى يهرم في ظلها، وعلاقات العنف والكراهية في مُواجهة علاقات الزواج والحب فيها، والأمل والرغبة في الحياة التي تقف في مواجهة إرادات الحروب، هذه كلها وكأنها يُراد لها أن تغدو قدرا من الأقدار التي سيعيشها العالم العربي للفترات المقبلة، وقد بَدَتْ ملامح ذلك جلية في أفق الخليج العربي.

فإذا كانت “سان بطرس” نقطة الانطلاق في ذلك العمل الروائي الملحمي، أملت على “تولستوي” أن يقوم بَحْبك أخلاق مُناسبة للمدن التي تكون مهدًا -ومن ثمَّ مضمارا- للدمار؛ فإنَّ في الشرق الأوسط، والخليج العربي، من القرى والمدن والمناطق، من قبيل “قلمون” و”عرسال” و”إدلب” في سوريا، و”الرمادي” و”نينوى” و “الموصل” في العراق، و”صنعاء” و”صعدة”…وغيرهما في “اليمن”، كلها بإمكان الثقافة المناوئة للحروب وأخلاقها، أن تتخذ منها نقاطَ انطلاق فيما عليها أن تؤديه تجاه المجتمعات العربية والخليجية.

السَّلام والحرب لم يشأ الأوروبيون أن يكتفوا بقراءتهما في عمل “تولستوي” فحسب، وكما ألمحنا؛ فعملت البؤر الثقافية إلى تداول مضمون الرواية، وإلى بث القيم التي نادتْ بها بين الناس من خلال مجموعة من الأعمال الفنية؛ ففي العام 1915 ظهرتْ الرواية على هيئة فيلم أمريكي حمل اسمها، أتبعه عمل سينمائي روسي عام 1956، وختمته السينما في العام 1966 بفيلم آخر يتحدَّث عن حياة المجتمعات التي تعيش وتتأثر وتؤثر في السلم والحرب.

(BBC) أنتجت مُسلسلا مُقتبسا من الرواية عام 1972، والفرنسيون في مطلع العام 2000 أنتجوا عملا دراميا يحكي عن الرواية، تبعهم الطليان بدراما أخرى تحكي قصصَ مُجتمعات الحرب والسلم عام 2007 يستمدُّ مادته من رواية “الحرب والسلام” هذه.

سَرَى تأثير الحياة التي صوَّرها “تولستوي” في الفن التشكيلي كذلك؛ فلقد برزتْ أول لوحة تشكيلية ملوَّنة تحكي الروائي الكبير عام 1908. وفي العام ذاته، برزتْ لوحة أخرى ترسم إحدى شخصيات مجتمع الحرب والسلام. وفي العام 1914، قامت الفنانة “إليزابث بون” برسم إحدى النساء المؤثرات في مجتمع الحرب والسلام من أبطال الرواية.

… لقد أتقنتْ هذه الأعمال دَوْرها في تذكير المجتمع الأوروبي بمآسي الحروب وويلاتها، والشخصيات التي تعمل على إذكاء روح الحرب، ولماذا، وتشبث الإرادات البشرية بالأمل في مُواجهة العنف، وبالعيش في مُواجهة الموت، وبالحب في مُواجهة الكراهية؛ فهذه أخلاقيات السلام، وتلك ما تتلوه الحرب فيما تفعله من دمار، وإسالة الدماء.

لا ينبغي للبؤر الثقافية العربية والخليجية، التي تتبنَّى أصالة موقف التعايش السلمي، أن تُحرم عن تناول هذه أخلاق السلام في نشاطاتها. وسلطنة عمان -التي تحتل موقعا رياديا في توجهاتها حول نبذ الحروب، ومنح الحريات وتأصيل التعايش السلمي الذي بات مطلوبا لأجل أن يتم تصديره- المتعين على مثقفيها أن يكونوا روَّادَ بث أخلاق السلم، وتفريقها عن أخلاق الحرب، وبيان أنَّ هذه الأخيرة تتعلق بما لا تتعلق به نزعة الإنسان إلى العيش بجوار الإنسان في ظلِّ العدالة والسلام.

لعلَّ الفلسفة -هذا الركن الأوثق ارتباطا بالعقل من مجموع من ثقافات البشر- باعتبارها ربيبة التأمل العقلي فيما هو “مُتحقَّق” و”ما ينبغي” و”ما لا ينبغي”، وصِلَة تأملاتها العقلية بالقيم والجمال والفضيلة والعدالة والإحسان، تستطيع أنْ تَجْري في هذا المضمار أسرع من غيرها؛ لبلورة رُؤى تتعلق بالحقِّ والخير.

ولعلَّ الأوفق ها هنا -وقد ذكرنا الفلسفة- أنَّ نقوم بالتدليل على ما أشرنا إليه، ببعض أقوال آخر فلاسفة الإنجليز الكبار -وأعني “راسل”- الذي دَعَا إلى نبذ العنف، وتجريد العالم من أسلحة الدمار الشامل، ومن كلماته في هذا الصدد، ما كتبه في عمود له في جريدة “التايمز” اللندنية (عدد ديسمبر، عام 1957) حول الحرب الثلاثية على مصر عام 1956:

“إنَّ أهواءنا السياسية تفسد علينا صداقاتنا، وتميل بنا عن طريق العدل والإنصاف؛ فبترول الشرق الأوسط مثلاً مُهم لنا ولأمريكا، ولكننا لا نستطيع الاستفادة منه دون أن نصطدم بعقبات ومتاعب؛ فأمريكا تقف إلى جانب إسرائيل وتنصرها على العرب؛ لأن العرب ليست لهم أصوات مُهمِّة في انتخابات الرئاسة الأمريكية، والنتيجة الطبيعية لهذا هي فتور العالم العربي منا وميله إلى جانب السوفييت”.

وحول فلسطين كتب يقول:

“مأساة شعب فلسطين هي إعطاء بلادهم -بقوة خارجية- لشعب آخر من أجل بناء دولة جديدة. إلى أيِّ حدٍّ سيتحمل العالم عازماً رؤية هذه المشهد من القسوة الوحشية؟ إنه واضحٌ بما فيه الكفاية أنَّ اللاجئين لهم كل الحق في أرض وطنهم من حيث تم استياقهم، وإنكار هذا الحق هو جوهر الصراع الدائم. لا يوجد شعب في العالم في أي مكان يُمكن أن يتقبل طرد الناس بكميات من بلادهم؛ وكيف يستطيع أي شخص أن يجعل الفلسطينيين يقبلون بعِقَابٍ لا يتسامح فيه أي شخص؟ إنَّ التوصل لتسوية دائمة عادلة للاجئين في وطنهم عُنصر أساسي لأي تسوية حقيقية في الشرق الأوسط. قيل لنا مراراً وتكراراً إنَّه يجب التعاطف مع إسرائيل؛ وذلك بسبب معاناة اليهود في أوروبا على أيادي النازيين. ما تفعله إسرائيل اليوم لا يمكن التغاضي عنه، ولإثارة أهوال الماضي لتبرير أهوال الحاضر فهو نفاقٌ عظيم. وليس فقط أن تحكم إسرائيل على عدد كبير من اللاجئين بالبؤس، وليس فقط العديد من العرب تحت ظل الاحتلال يُحكم عليهم بالحكم العسكري؛ ولكن تدين إسرائيل الأمم العربية التي خرجت حديثاً من الحكم الاستعماري لتفقرهم عن طريق المتطلبات العسكرية عِوَضاً عن التنمية الوطنية.

كلُّ من يريد أن يرى نهاية سَفْك الدماء في الشرق الأوسط، يجب أن يُؤكد أنَّ أيَّ تسوية لا تحتوي على بُذور صراع مستقبلي. تتطلَّب العدالة خطوة أولى تجاه تسوية؛ وبالتأكيد هي تكون بالتراجع الإسرائيلي من كل الأراضي المحتلة”.

3,077 total views, 8 views today