“الفلسفة” ذلك المولود الذي أنجبته “الدهشة” – وفق أرسطو- تجاه هذا الوجود المترامي الأطراف، لم ينتظر لينتصب على قائمتين، بل باشر محاولاته لسبر أغواره مُذ أن كان لا يزال يحبو، حتى وقبل أن يتم دورة فطامه العقلي، نبعت عن مغامراته لأجل الاحاطة به “علما”، كما يحيط هو به “فعلا”، أولى الأفكار الفلسفية متخذة هيئة “الأساطير” لتترقى تدريجيا مع نمو مقدرات الانسان العقلية، وازدياد تجاربه، وبما نفحت في روحه همسات “الوحي”عبر سني الدهور.

وها نحن اليوم، نقف على أعتاب ذكرى “يوم الفلسفة العالمي”، خصصته “اليونسيف” لذلك العلم الذي عرفه “جان فرانسوا دورتيه” المعاصر، رئيس تحرير مجلة العلوم الانسانية Sciences Humanness بكونه “طموح لا حدود له لبلوغ أعتاب الحقيقة وسبر أغوارها”، وعرفها كذلك بفن غرضه تقديم إجابة محكمة عن سؤال : “كيف يمكن العيش بنحو حسن”، لتتوافق التعريفان مع ما كتبه “إبراهيم مدكور” أيضا في تعريف الفلسفة بأنه “فن رفيع للغاية، يبحث في معنى الحياة، ومشكلة المصير، لأجل توجيه السلوك”، ولتتوافق التعريفات الثلاثة بما سطره “عبدالله الطبري” حول الحكمة النظرية والحكمة العملية، معرفا الأولى بكونها معنية “بما هو” ومعرفا الأخرى بكونها معنية “كيف هو”.

وللقلم العماني اغترافات رائعة في نهر الفلسفة العذب، تعريفا وتنظيرا، يسعدني كثيرا أن أضع أكوابها بين يدي قراء الثقافة ومحبي المعرفة، وذلك في مجموعتين:

المجموعة الأولى: تضم ستة أكواب عبارة عن شروح لبعض أطروحات كبار الفلاسفة من الشرق والغرب، السقاؤن يطوفون بشرابهم فيها بنكهات فلسفية متنوعة، فمفهوم العدمية يتجلى في مسكوب “عادلة عدي”، وكوب بخلطة أوروبا الانجليزية أعدته أنامل “ابتهاج يونس” التي سكبت فيه شرحا وتقريبا لفكرة “سارتر” عن “الحرية”، وسُقيا “سعود الزدجالي” بنكهة فلسفة “هامبرماس” ، وكوب الدكتور “حسن اللواتي” بطعوم شرقية، وتحديدا مدرسة “إصفهان” الفلسفية، يقدم لنا قراءة وشرحا لمبدأ “أصالة الوجود” كما قررتها “الحكمة المتعالية” وأقامت مسألة “التوحيد” عليها، ويطوف “حسين الزعابي” وبكوبه عرض لحالتي “السعادة والشقاوة” عند المفكر العراقي “أحمد القبانجي”، وأخيرا، مشروب أعده “خميس العدوي” بنكهة محلية، يسقي القارئ شرابا طيبا عن “بنية الكون” كما قررها الفيلسوف العماني “أبي بكر الكندي”.

المجموعة الثانية: وتضم أكوابا أربع، سقاؤها يطوفون بها على القراء بنكهات من مسائل عقيلة تناولتها الفلسفات بالبحث، “فعلي الرواحي” يسقي قارءه كوبا عن مفهوم “الحرية” وصلتها بالفلسفة، و”ناصر الكندي” يسكب مفهوم “العلم” وصلته بالفلسفة، ومسكوب “أحمد النوفلي” يتعلق بالرؤية الفلسفية لمسألة “الوحي”، وأخيرا كوب بقلم “محمد حسين اللواتي” به شراب عن “العلم” وأبعاده الحسية والعقلية في الفكر الفلسفي الاسلامي.

المجموعة الثالثة: ولكي يرتفع منسوب العمق والأصالة في ملفنا هذا، والذي لأول مرة تقدمه مجلة ثقافية عمانية في السلطنة، أحببنا أن نخلطه بمزيج من نكهة فلسفية من المشرق العربي. يأتي “محمد الشيخ” ليطوف بكوب حول الاتجاه الذي تسلكه الفلسفة في العالم اليوم، بينما يسقي “ادريس هاني” قارئه بكوب عن “الزمان الوجودي”، وتأتي “ليلى السيد قطب” لتقدم مسكوبا عن العلاقة بين الفلسفة والدين، أما “أبو اليزيد العجمي” فيسقي قراءه أهمية الفلسفة كضرورة تربوية.

نحسب أن هذا التنوع يثري الملف بنحو مقبول، ويضع بين يدي القارئ المثقف رؤى فلسفية تمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها، وبين دفتيها تنوع شديد لمسائل طالما فكر الانسان فيها، سواء أكان يعجن الخبز في تنوره، أم يُصلح السيارة في مرآبه، أو يعالج مريضا في عيادته.

هذه هي الفلسفة، التي لا يستطيع البشر بما هو بشر إلا وأن يقتحمها بما يحمله بين جنباته من شغف بالوجود، والحياة، والمصير.

3,482 total views, 2 views today