Hadrami

محمد بن سليمان الحضرمي

ريشة النهضة لونت وجه المدينة الحديثة بلمسات جمالية ورممت أبرز معالمها الأثرية

التاريخ الثقافي والحضاري الكبير لمدينة نزوى، أهلتها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2015م، حيث اختيرت من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الآيسسكو)، فهي عاصمة عمانية لألف قرن من الزمان، وهي أيضا مدينة العلم و العلماء، حيث خرجت عبر امتداد زمني طويل المئات من المشتغلين بالفقه وعلوم العربية، والأدب، وتتضمن المدينة شواهد معمارية تمتاز بروعة البناء وعراقة المعمار، كقلعة نزوى الدائرية، التي لا يوجد لها مثيل في الشرق الأوسط، وقلاع أخرى وأبراج تزنر الرؤوس الجبلية المطلة على المدينة، وحارات أثرية وبوابات ومساجد بمحاريب مزخرفة تعود إلى القرن العاشر الهجري وأسواق، إنها مدينة تضج بالحياة منذ ما قبل الإسلام، وبدخول الإسلام إلى عمان، أصبحت مدينة نزوى خلال بضعة قرون مركزا إداريا وعاصمة، استقرت فيها الإمامة، وتناوب عليها أسر عمانية، كأسرة النباهنة الذين عاشوا فيها حكاما لقرون عديدة، ووصل نفوذهم إلى المدن البعيدة، الغائصة في عمق المحيط الهندي.

يقول الباحث محمد بن عبدالله السيفي، في موسوعته “السلوى في تاريخ نزوى”، والتي من المؤمل أن تصدر مطبوعة خلال العام القادم: إن مدينة نزوى لا تقل أهمية عن المدن العربية الكبيرة التي تم تدوين تاريخها، فهي لها دور في الفتوحات الاسلامية، التي وصلت إلى شرق افريقيا، واستطاع الامام الصلت بن مالك الخروصي تحرير جزيرة “سقطرى”، وحينها كان الإمام في نزوى، ومنها انطلقت الجيوش، كما أن تاريخها الثقافي يزخر بشخصيات علمية وفقيهة وأدبية. وفي هذه الموسوعة يكشف الباحث عن مسميات قديمة لنزوى، فهي تسمى أيضا “بليبل”، وإلى اليوم يسمى سوق نزوى “سوق بليبل”، ووردت لهذه التسمية إشارة شعرية في بيت من قصيدة للشاعر راشد بن خميس بن جمعة الحبسي (ت: 1150هـ)، حيث قال: (وهاجك تذكار بأرض بليبل، به قد أثارت في حشاك البلابل).

أبَّهة المدن العمانية

من هذا المنطلق، تشكلت لمدينة نزوى أبهة حضارية بين المدن العمانية، وذاع صيتها في الأرجاء البعيدة، وأصبحت نزوى تعرف للقاصي والداني، كونها مركز إشعاع حضاري كبير، وفي هذا العصر الميمون أضافت ريشة النهضة العمانية الكثير من اللمسات على وجه المدينة، حيث تم ترميم أبرز المعالم الأثرية فيها، كقلعة نزوى الشهيرة، وما جوارها من أسواره وأسواق، إلى جانب ترميم الأبراج والبوابات الأثرية، والجوامع العريقة، مع الاحتفاظ بشكلها وجمالها، وزخارفها ومحاريبها ذات النقوش البديعة، كجامع سعال الذي يعد تحفة معمارية بمحاربه الأنيق، وكذلك مسجد “الشواذنة”، ويجري حاليا ترميم مسجد الشرجة، وأسوار حارة العقر وغيرها، وما تزال عمليات الترميم متواصلة وقائمة، إلى جانب الاهتمام بمركز المدينة، والذي يتشكل من القلعة والجامع والسوق، ثلاثة وجوه ارتسمت في ذاكرة المدينة، وبقيت محافظة على شكلها المعهود منذ قرون، دون تدخل في الملامح الخارجية، إلا ما كان ضروريا، ولا يحدث تغييره تشويها لوجه المدينة المعروف.

ومن يزور مدينة نزوى اليوم، وبالأخص زوارها من غير العمانيين، سوف يستشعر مكانتها التاريخية، حين يقف أمام بوابة قلعة نزوى، وسيحاول أن يصل ببصره إلى ارتفاعها البعيد، وسيدهش من تلك العقول التي رسمت هذه التحفة المعمارية الأثرية، بناء يتسم بهندسته الدفاعية العسكرية، وحسه الجمالي، هي إحدى التحف المعمارية التي بنيت خلال دول اليعاربة، شيدها الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، خلال منتصف القرن السابع عشر الميلادي، أي حوالي عام 1650م، يبلغ ارتفاعها 24 مترا، وقطرها الخارجي 43 مترا، والقطر الداخلي 39 مترا، وبها سبعة آبار، وفتحات متعددة لمرابطة المقاتلين المدافعين عن القلعة والمدينة، خلال العصور القديمة، وبداخلها مواقع مختلفة للسجون.

ويجاور هذه التحفة المعمارية حصن قديم، ظل مقراً دائماً للوالي لفترة طويلة، امتدت حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، شيد الحصن بحسب كتب التاريخ في عام 225هـ – 845م، ويقال: إن الذي بناه هو الإمام الصلت بن مالك الخروصي.

القلعة والحصن والسوق

ومن يزور القلعة والحصن اليوم لن يشعر بأي فاصل بينهما، كلاهما متداخلان، ما سوى أن القلعة تمتاز ببناء الدائري المهيب، أم الحصن فيلاصقها من جهة الغرب، وقد تمت تهيئتهما لاستقبال آلاف الزوار كل أسبوع، حيث أصبحت محجا للوفود السياحية، التي تأتي لزيارة المدينة، ومن ثم تدخل القلعة، وتهيم في تفاصيلها المعمارية، ولذلك استحدثت وزارة السياحة ممثلة في دائرة السياحة بنزوى متحفا يبرز جانبا من التراث والثقافة لهذه المدينة، حيث سيتعرف من خلال عن بعض ما تزخر به المدينة من حرف تقليدية ومعالم أثرية وهبات حضارية.

ثم يسرح بعد ذلك داخل السوق الأثري، وهو يعد مركز المدينة الحقيقي الصاخب بالحياة، حيث تنشط فيها حركة البيع والشراء لمختلف أنواع الحرفيات التقليدية، والمصوغات الفضية والتحف، والهدايا التذكارية، والأقمشة والمنسوجات والعطريات، ومن لديه اهتمامات بالقراءة ومطالعة الكتب فإن مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم قد أنشأ مكتبة، ألحقها بمبنى جامع السلطان قابوس بنزوى، وتعد إحدى المراكز التثقيفية التي يسعى إليها عشاق القراءة والمطالعة.

ويأتي السوق الشرقي الأثري، كأحد أهم الأسواق القائمة والزاخرة بالحياة، فحالما يدخله الزائر يشعر برهبة المكان، وبجمال نفوس الناس، وبساطة كبار السن الذي يقضون نهاراتهم، خلال فترتي الصباح والمساء، في دكاكين صغيرة، أكثر مما يمكثون في بيوتهم، فيلتقي بهم الناس، ويشترون منهم بضائع وتحف، وأنواع مختلفة من المنسوجات والعطريات والأعشاب والزيوت الطبية ومصنوعات الحدادة العمانية والبذور والبهارات وغيرها، ولهذا تفوح من أرجاء السوق روائح عطرة، تمتزج برائحة المكان التاريخ، تلك الرائحة التي تتضوع من شوق الجدران، بنفس الجمال والبساطة والرقة التي تنضح بها الوجوه.

محاريب المساجد الأثرية

أما المساجد الأثرية فهي كثيرة، وما تزال محافظة على جمالها وبساطة معماره، من بينها مسجد “الشواذنة”، الذي يقع أيضاً في داخل حارة العقر، وتسرد الكتب التاريخية العمانية أنه أول مسجد بني نزوى، ثم جامع “سعال” الذي بني في السنة الثامنة للهجرة، بالإضافة إلى عدد كبير من المساجد القديمة منها مسجد الشرجة، ومسجد العين، ومسجد الشرع بقرية تـنوف.

ويأتي محراب جامع سعال في صدارة الجوامع الأثرية، حيث يمتاز بجمال التنقيش، وبحسب الباحث الإيطالي إيروس بلديسيرا في كتابه عن محاريب المساجد العمانية الأثرية، فإن تاريخ تنقيش المحراب يعود إلى ربيع الثاني 650 هـ/ يونيو 1252 م، والمحراب يشهد على مهارة الصانع وعلى المستوى الفني والتقني العالي وخبرة فناني عُمان القرن السابع للهجرة، وبراعتهم في فن زخرفة الجص، والمحراب مربع الشكل يبلغ طول ضلعه ثلاثة أمتار، وإطاره الخارجي تحيط به من الداخل والخارج كتابات قرآنية، كتبت بالخط الكوفي. أما الجزء السفلي، فيحتوي على اثنين وعشرين ختماً يحمل كل منها رسماً زخرفياً متنوعاً؛ كما يحتوي عقد طاقية المحراب على إطار مستطيل يقرأ فيه توقيع الصانع على النحو التالي: “مما أمر بعمله العبد الراجي رحمة ربه أحمد بن إبراهيم بن محمد السعالي”، وهذه القراءة لم تكن لتتحقق لولا همة وجهد الباحث بلديسيرا، والذي قدم قراءة في نقوش كل مساجد عمان الأثرية، واستطاع أن يفسر تلك الزخارف،  ويفكك لحمتها، ويحدد نوع الخط الجصي الذي امتازت به.

وحاليا تتواصل مشاريع الترميم التي تقوم بها وزارة التراث والثقافة في مدينة نزوى، لتشمل ترميم “صباح مؤثر” في حارة العقر، وجانباً من سور الحارة الملاصق للسوق، وكان الباحث هيثم بن سعيد الفرقاني قد تناول سور العقر في دراسة مستقلة، قدم فيها معلومات تاريخية، حيث أوضح أن “سور العقر” يعتبر واحدا من أطول وأعرق أسوار الحارات في السلطنة، ولا يزال صامدا في وجه المتغيرات.

بين الأصالة والمعاصرة

ويضيف في بحثه: إن تاريخ بناء سور العقر يعود إلى أكثر من 1100 عام، استنادا إلى الدلائل الظاهرة، بحكم ارتباطه بحصن نزوى، الذي يرجع تاريخ بنائه إلى ذلك الزمان، ويرجح بعض أهل العلم كالشيخ عبدالله بن سعيد السيفي وعبدالله بن ناصر الغريبي اللذين كانا وكيلا للسور وغيرهما، أن تاريخ بناء السور يتزامن مع تاريخ بناء الحصن.

يبلغ طول سور العقر قرابة الكيلومترين، ويحيط السور بحارة العقر، ويعتبر الخط الدفاعي الأهم لساكني الحارة، ويتراوح سمك السور بين متر ونصف إلى المترين، ويزيد من متانة السور قاعدة صخرية، يتراوح ارتفاعها بين نصف متر إلى متر واحد، ويتراوح ارتفاع السور من خمسة إلى ستة أمتار، كما يحتوي سور العقر على العديد من الأبراج المتصلة به، يزيد عددها عن 12 برجا، بعضها اندثر، كما تبلغ المسافة بين كل برجين بحوالي (150ـ200م).

ويضيف الباحث: إن أكثر الأبراج ذات شكل أسطواني، بقاعدة دائرية الشكل، ويتراوح قطر قاعدتها من 4ـ5 أمتار، والبعض الآخر مكعب الشكل بقاعدة مربعة الشكل، عند كل برج يوجد درج مرتبط بالسور، وظيفته تسهيل مهمة العسكر في الصعود والهبوط، إلى السور أثناء فترات الحراسة في الأبراج.

هذه هي إلماحة من نزوى الحضارة والأصالة، أما نزوى الحاضر والمعاصرة فهي مدينة تتكامل فيها شروط الحياة العصرية، بكل ما تضمه من مؤسسات ثقافية وتعليمية وصحية وعسكرية واقتصادية، وكونها عاصمة للثقافة الإسلامية فإن وزارة التراث والثقافة تشيد هذه الأيام مركز ثقافيا كبيرا، في مساحة تصل إلى عشرة آلاف متر مربع، بميزانية مالية تبلغ خمسة مليون ريال عماني، يضم المرافق الآتية وهي: المسرح، ومبنى للإدارة، ومكتبة عامة، ونادي علمي، لمسرح خارجي، وورشة للأعمال الفنية، ونادي للموسيقي، ومكتبة للأطفال، ومخزن للآثار، ومرافق خدمة أخرى، ومن المؤمل أن ينتهي البناء منه منتصف العام القادم.

نهر دارس العذب

وفي الختام، لابد من التعريج على تلك اللوحة الخضراء التي تلوح رأي العين، لكل من يزور نزوى، فهي واحدة من هبات الطبيعة، حيث تلوح غابات النخيل الشامخة، والتي يُرى اخضرارها من بعيد، ووراء هذه الجنائن الخضراء يتدفق سر من أسرار النماء، وشريان يضخ بالحياة لجسد الأرض، إنها فلج “دارس” العذب، والذي يعد أحد الأفلاج الخمسة الشهيرة في عمان، ويعتبر الفلج اليوم أحد الأنهار الخصيبة التي لا تنضب، ولهندسته الفريدة اختارته منظمة اليونسكو ليكون فلجا يشكل أحد أهم إبداعات الانسانية، ومعه فلج “الخطمين” بنيابة بركة الموز، التابعة لولاية نزوى، وكلا الفلجين يعدان من بين أبرز الأفلاج التي تروي ضواحي المدينة وما جاورها من عشرات القرى، أما في نزوى فثمة فلجين آخرين، يرويان جانبا من نزوى الخضراء، وهما “الغنتق” و”ضوت” و”سعال”، وهي أسماء تتخذ من أسماء الأماكن التي ترويها اسمها لها، لترسم جميعا اللوحة الخضراء التي تصافح العين، ولولا الأفلاج لما استقر الانسان في هذا المكان.

4,968 total views, 2 views today