د. محمد بن عبدالكريم الشحي

إن بناء مجتمع العدالة القائم على المساواة وتكافؤ الفرص والشراكة ومحاربة التمييز والإقصاء والمعاملة الانتقائية؛ كان ولا يزال الهاجس الرئيس لدى الشعوب التي تبحث عن شفرة التمدن، واللحمة المجتمعية الراسخة؛ لذلك استأثرت العدالة الاجتماعية على سبيل المثال بالكثير من أدبيات الفلاسفة والمفكرين كجون لوك، و كانت، و رولس، و روسو، وجون ستيورات مل، وغيرهم ممن وضعوا الأرضية الفلسفية لهذه القيمة المدنية.

وإذا كانت نواة الفكرة قائمة على  شبكة مفاهيم تتصدرها العدالة والمساواة، والتوزيع المنصف للموارد بين الجميع، فإنني وبهذا التعريف الممعن في الاجرائية، سأستعير هذا الجهاز المفاهيمي للحديث عن مفهوم حديثٍ نسبياً وهو العدالة الثقافية [1]، التي تتخذ عدة أشكال دلالية تبعاً لسياقها التناولي [2]، فهي توقير وصون التعدد الثقافي الذي توفر له مناخات التعايش والتبادل المعرفي، وهي الفضاء المتاح لجميع المحاولات الرؤيوية خدمة للثقافة الجمعية وتراكماتها وذاكرتها، وهي التمكين الثقافي المبني على تكافؤ الفرص،  وهي القيمة الأهم لممارسة الحريات الثقافية المدنية بدون الاستئثار الفئوي بمقدرات المشهد أو احتكار موارده، وحين تتسع حاصرتا العدالة الثقافية فإنها تضم بين دفتيها إنصاف الثقافات الإنسانية والهويات العرقية المتجاورة، وحين تضيق الحاصرتان فإن المعنى يتجه للداخل؛ نحو الثقافة الواحدة ومكوناتها وعناصرها ومنظومة التفاعل بين جزيئاتها.

ولذلك يراها محمد محفوظ في “الحوار والثقة بالنفس واحترام الرأي الآخر ، والابتعاد عن سلاح التسقيط والتخوين والتكفير”[3] وكما تحارب العدالة الاجتماعية الاحتكار للموارد، وتوفير أسقف الضمانات بشكل انتقائي مشلول لا يعلي من التشاركية والإنصاف المتجاوز للتصنيفات المعلبة الضيقة؛ فإن العدالة الثقافية محاربة لاحتكار الفكر، و الحضور الثقافي، والتقدير للمتبنى الرؤيوي متفقاً أو مخالفاً.

وبما أننا نستقرئ السياق الثقافي العماني آفاقا وأطراً ومضمونية، فإن البحث الوافر وليس العرضي – كحال هذا المقال- هو من الضرورة بمكان إن كنا نتطلع لتوصيف دقيق لواقع وآفاق وتحديات العدالة الثقافية، ولا ريب أن أسئلة  تشخيصية كثيرة تتبادر للذهن من شأنها في حال التتبع المستفيض أن تعطي صورة مثلى لواقع العدالة الثقافية في سياقنا الثقافي، على سبيل المثال ما هي رؤيتنا على المستوى الاستراتيجي للتنمية الثقافية الشاملة باعتبارها جزءا حيوياً في بنية التنمية الوطنية المستدامة؟ هل تحظى مناخات العمل الثقافي بأطرٍ وضمانات تكفل لها المرونة الوافرة لممارسة عمل ثقافي رسمي أو مدني لا تضع البيروقراطية، وتصلّب شرايين القرار، وفحوص النوايا، العصا في عجلة إنتاجيته واستمراريته؟ كيف تساهم الدولة في تعزيز قدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاته ثقافياً؟

إن أسئلة كهذه وغيرها، إن حظيت بالبحث التشخيصي المنهجي ستعيننا على ترسيم واقع عدالتنا الثقافية وسبل تعزيزها والمراهنة عليها كمدخل من مدخلات التنمية الشاملة المستدامة.

لا يمكن للعدالة الثقافية أن تكون حجر أساس في أي مجتمع بدون وجود مجتمع مدني حيوي، ولا يمكن أن يتحقق وجود هذا المجتمع دون أن تكون التشريعات والبنى التحتية مواتية ومرنة ومحفزة لاستثمار رأس المال الاجتماعي الثقافي، والمتأمل في الشأن الداخلي سيجد كيف تعاني تطلعات الشرائح المختلفة مع القوانين المتأخرة كقانون الجمعيات الأهلية، والعمل التطوعي، والمطبوعات والنشر لارتباطه الوثيق بهوامش حريات التعبير عن الرأي، إن التأخر والبطء في هذا الشأن مع تصاعد نسق الوعي الحقوقي المدني، ونسق الدافعية للمشاركة في التنمية المجتمعية بمختلف مساراتها سيؤول على المدى البعيد لانسدادات في بنية النظام الاجتماعي، فضلاً عن أنه يحرم المجتمع من الاستفادة من مردود مكوناته الفاعلة فيما قد يجدد ويرمم ويطور بل ويخلق له ذاكرة ثقافية حيوية.

وقد يدفع بالمجتمعات وأفرادها لاختيارات متشنجة و يوفر لها مادة احتجاجية حين لا تجد الأطر الحيوية الكافية لممارساتها المدنية[4]، ولقد كانت المحاولات الجادة للقيام بعمل مدني ثقافي ولا زالت ترزح تحت وطأة تعقيدات وتحديات منشؤها هاجس الغايات والأدوات مما يضطرها للضمور أو الخروج بهويةٍ مرتبكة وبنية قلقة، أو الانطفاء الكلي[5].  إن الدفع باتجاه الالتباس والتضاد بين الرسمي والمدني يتناقض مع روح العدالة الثقافية من حيث أنه يكرّس لمفاهيم “التقابل” و “الخصومة” لا “التكامل” بين الدولة والمجتمع المدني. بل من نافلة القول هنا؛ أن العدالة الثقافية تقتضي تمكين العمل الثقافي المدني المستقل، وتأهيل مؤسساته، والحفاظ على تراكماته وأرصدته المتنامية، فإلى أي مدى اقتربت الدولة من الجهد المدني شرعنةً وتطويراً وتمكيناً وتأهيلاً؟.

إن أحد أهم تحديات العدالة الثقافية يأتي من إصرار العديد من الأنظمة على مختلف القطاعات؛ الصدورعن الرأي الرسمي فقط، واعتباره المرجعية والشرعية المطلقة، بينما لا تتاح الفرصة كافية للتفسير والفهم والعمل المدني، ومن هنا؛ فإن الإلحاح على تماهي الجميع في المشروع الوطني من خلال صيغة نمطية لا تؤمن بالصيغ المطوّرة للحمة المجتمعية المبنية على المختلفات وفسيفساء المتنوعات والتدافع الموضوعي، والنسيج المجتمعي متعدد العناصر، سوف لن يدع مجالاً للوقوف على طاقات المجتمع والأدوار التناوبية التي يمكن له فيها إكمال الدور الرسمي أو تعويضه. وحتى لا نصل لهذه المرحلة المتأزمة في سياقنا الثقافي، فإن الحوار الوطني الثقافي يجب أن يكون أحد أهم الأدوات التي نرى من خلالها جغرافية الراهن الثقافي، وتحدياته، وإلى أي مدى يوجد في “الحالة الثقافية” العمانية مناخ تعددي.

ومما لا شك فيه أن المطالبة بتنظيم القطاع المدني والارتقاء بمحدداته التنظيمية لتعزيز دوره لا يعني التغاضي عن تمظهرات انحرافاته وموارباته وحضوره اللامسؤول متى ما وجد ذلك، وكما يرى العديد من المنظرين في هذا المجال[6]، إن الدعوات لمساءلة مؤسسات المجتمع المدني والتي انطلقت من انكشافات إدارية، وتخبطات تنظيمية، وفساد مالي، خصوصاً في التعاطي مع الدعم المالي وآليات جمعه ومآلات توظيفه، والاختراقات اللأخلاقية لمنظومة العمل فيه قد عززت من أهمية المساءلة، حتى أن هيئة الضمان الإيداعي الفيدرالية بالولايات المتحدة اعتبرت مؤخراً العديد من المؤسسات المدنية ذات خطورة عالية مما يلزم البنوك بإقفال حساباتها. إن العدالة الثقافية إذاً؛ تقتضي إسناد وتدعيم العمل المدني، وخلق الفرص والمساحات الملائمة لانطلاقته بشكل مهني ومسؤول.

من أهم مقتضيات العدالة الثقافية أيضاً، وخصوصا عند النظر لمقومات المشهد الثقافي ومرجعياته، إنصاف الحقب الثقافية المختلفة باعتبارها تراكماً حضاريا وتركة لكل الأجيال لتمتح منها، وبالتالي تتضح أهمية تقييم المناهج للوقوف على جرعات الاسهاب لبعض الحقب التاريخية العمانية على حساب أخرى، فعدم إنصاف الحقب المعرفية والثقافية يحولها لذاكرة محنطة، و يحيل المتلقين لقراءتها من مصادر قد لا توفي السياق التاريخي حقه أو تخضعه لتأويلات وقراءات موازية تنأى به بعيدا عن محمولاته ومضموناته الأصلية.

لا يفوتني كذلك في هذا الصدد، التأكيد على أهمية دور الدولة في تعزيز المواطنة الثقافية   Cultural Citizenship والتي تعبّر عن قدرة المجتمعات على إنصاف المنجز الابداعي المحض وتجاوز مختلف أنماط العنصرية والفرقة والتصنيفات العرقية والطائفية وغيرها وتمسكها بهويتها الثقافية بكل رموزها ومبدعيها بغض النظر عن الجذور الانتمائية التي ينطلقون منها، فهل تعي الأجيال الحالية بتنوعها الجغرافي والمذهبي والقبلي وبمختلف تفريعات المنتمى إليه، أهمية الانطلاق من عمقها الفكري والمعرفي والحضاري بشكل عام، وإلى أي مدى عملت الدولة على تعميق هذا التواصل مع المنتج والإرث المعرفي العماني،  بتعال على الفئوية والقوالب وبتعزيز لمشاعر الانتماء الحقة للذاكرة الابداعية الجمعية،  فلا تحول دون احترامها “كوجهات نظر” أو دون الارتباط الشعوري معها قبيلة أو مذهب أو توجه تاريخي أو فكري أو سياسي ما؟

إن للمثقف،  وعموم “الانتلجنسيا” العمانية،  في تحقيق العدالة الثقافية الدور الجوهري،  بما أنه الفاعل الأهم في حركة الفعل الثقافي، ينخرط المثقف في تشكيلات رسمية ومدنية وفي المرحلة السابقة، اتضح بجلاء لدى بعض المثقفين مشكل الاستحواذ على المشهد وصناعة الــ “مع” والــ “ضد” التي لا تنم عن وعي بالدور العضوي للمثقف القائم على الحضور النوعي التقدمي بنقده الموضوعي، وبالعناية “بالتوليدية” للحيوات الثقافية وليس ” الاستحواذ”، والإلغاء، والانصراف لتكوين المليشيات الثقافية كما يسميها واسيني الاعرج [7]، إن علاقة المثقف بالمؤسسة الرسمية كذلك، بحاجة ماسة للتقييم من كلا الطرفين؛ ولأن الحديث هنا عن دور المثقف، فإن الإنصاف يقتضي الموضوعية في الحكم على/ والعمل مع/ المؤسسة الرسمية، إذ لطالما وقفنا على التبجيل أو الانتقاص الأعمى الذي يطفح بالحدّية والمتمترس وراء تعاطفات أخلاقية لا تمت بصلة للتشريح البنيوي الهادئ والموضوعي للمواقف. إن المثقف انحياز للقيم النسانية عبر ترسانة ارتباطات وتفاعلات همّها الضمير الجمعي الذي لا يصدر منه إلا إحقاق الحق، وترصّد الحقائق بموضوعية، وترشيد الوعي، وهذه مرتكزات أصيلة في بناء العدالة الثقافية.

ختاماً، عدالتنا الثقافية هي ترسيخ للنهج السامي في احترام التعددية، وعدم مصادرة الفكر، والتعاطي العادل والمنصف مع الآراء، والتطلعات المعرفية، والسلوك الثقافي، إنها محاربة الاحتكار، والتصنيف الحدّي، والاتجار بالفرص، والمركزية المتوجسة.

ولا أعتقد أن مقالا عابراً كهذا يستطيع أن يلم بجميع معطيات واستشرافات العدالة الثقافية في السياق الثقافي العماني، لكن لعله المربع الأول الذي تنطلق منه القراءات المستفيضة اللاحقة، والتي تستدعي التقصي المنهجي، والتي تسبر العدالة الثقافية حفريّاً وبشمولية أكثر، ما أردت إيضاحه هنا الوقوف على عتبة السؤال كيف ولماذا يجب أن نفكر في ترسيخ قيم عدالة ثقافية متحققة راهناً ومستقبلا.

—————–

[1] Li, H. (2009), Culture Justice of the 21st Century: Diverse Civilization, Asian Social Science, 5(1), pp. 75-81.

[2] Maddox, M. (2003). Cultural Justice, UNESCO Encyclopedia of Life Support Systems, Oxford: EOLSS Publishers.

[3]   محفوظ، محمد (2009) في معنى العدالة الثقافية.

http://www.alriyadh.com/464215 accessed in 8-5-2014

[4]   عبدالجبار، فالح، (2013). الطائفية في العالم العربي. في: عبدالإله بلقزيز(محرر)، الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية، من الفتنة إلى دولة القانون، (ط 1، ص ص 23-50). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

[5]   للمزيد أنظر، الهاشمي، سعيد. (مارس 2014) قراءة في مبادرات المجتمع المدني العُماني بعد حراك عام 2011

http://studies.aljazeera.net/issues/2014/03/20143594339143167.htm

accessed in 5-5-2014

[6]   هرمان، ميلاني. & كيرشبوم، دنيس (2000). تمويل الجمعيات الأهلية : تجنب مخاطر جمع الأموال.  المترجم: إيناس عفت. القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية.

[7]  الأعرج، واسيني. (فبراير 2014). شقاء الميليشيات الثقافية العربية.

http://www.alquds.co.uk/?p=138579

accessed in 7-5-2014

3,963 total views, 2 views today