ناصر الكندي

تَتَعَالى، مُؤخراً، العديدُ من الصَّرخات والشكاوى عن كساد الأدب وانحدار الذوق فيه، واللافت في هذه الصرخات تلك المبرِّرات العريضة “المادية” التي وُضِعَت سبباً في هذا التدهور العظيم للأدب؛ فمنهم من يرجع هذا الضمور الأدبي إلى تخلِّي الدولة عن دعم المبدعين وذلك بعدم تفريغ المبدع للكتابة وإغراقه في العمل الروتيني المضجر، وكذلك انشغال الدولة عن الأدب والفن عموما وقلة حيلة الصناديق المالية في دفع تكاليف إيجار المسارح والمعارض، ومنهم من يعزُو هذا الانحدار إلى دخول الأدب للسوق الرأسمالي، وكيف أنَّ الأدب الرفيع صار سلعة تحت رحمة العرض والطلب الجماهيري، والذي بالضرورة يُحيلنا إلى سبب آخر للتدهور وهو ذوق الجمهور، والذي قد يتَّجه إلى بعض الكتب الرديئة جماليا، ويترك التحف الفنية مركونة في الأرفف تحاور نسيج العناكب.

لِهَذا؛ كانت مطالب “حرَّاس الأدب الرفيع” أن تتدخَّل الدولة لحماية الأدب من الانهيار عن طريق تفريغ الأدباء لعملهم السامي، والدعم المادي للفرق المسرحية والصالونات الأدبية والنوادي الثقافية. وفي سبيل حماية الأدب من ذوق الجمهور المتدني، طالبَ هؤلاء الحرَّاس بوضع العمل الأدبي تحت مجهر لجنة من خبراء النقد الأدبي والفني كي تنقذ ما يُمكن إنقاذه من النصوص، وتنصِّبها نموذجا للعمل الأدبي الخالص، ولتخرج النصوص من ذوق الجمهور الرديء الذي قد لا يُلتفت إليه أبدا. وتستمرُّ المطالب في ضرورة الترويج للأعمال الأدبية “المختارة” في الصحف والمجلات وفي وسائل الإعلام السمعية والبصرية، ولا بأس بخلق بعض النجوم من خلال عمل هالة إعلامية حول أعمالهم، والإتيان بناقدين من خارج البلد لوضع هذه النصوص في مستوى النصوص الخارقة للعادة. وأمَّا بخصوص نشر العمل الأدبي؛ فلا ضَيْر أن تقوم الدولة بتحمُّل تكاليف طباعة ونشر هذا العمل؛ وذلك من باب تشجيع المواهب الشابة، وليتجنَّب صاحبُ العمل الأدبي أيَّة خسائر ناتجة عن عزوف القراء عن شراء كتابه.

وَبِشَكل عام، لَيْس هُناك من رابط يجمع هذه المطالب سوى “الكسل”؛ فالكاتب صار مُعتمدا على الحكومة، والفرق المسرحية والنوادي والجمعيَّات المعنية صارت حياتها رهناً لما يتم ضخُّه لها من دعم مادي، حتى إنَّ بعض مقار عملها صار أشبه ببيوت الأشباح. والأعمال الأدبية أصبحتْ تُناقش فقط في احتفاءات “خجولة”، كل أمانيها أن يكتملُ السطر الأول من المقاعد، ولم تتسلَّل بعض نصوص هذه الأعمال كاقتباسات يهرع إليها المستشهد في أي معرض للحديث. ولم يستفد السوق من النصوص التي تمَّ نشرها والتسويق لها بشق الأنفس، بل فضَّلت بعض المحال التجارية أن تستبدلها بكتب أكثر عملية للقارئ؛ مثل: كتب الطبخ والتنجيم، وكتب التشويق والخرافات؛ فالقارئ ليس لديه وقت الآن للالتفات إلى نصٍّ مُمل لا تتجاوز دهشته سوى كاتبه. ولم ينجح نظام “خلق النجوم” سوى في زيادة المسافة المنفِّرة بين الكاتب والجمهور؛ فالكاتب يحتقر القارئ وتدنِّي ذائقته، والقارئ يُدافع عن ذائقته بلا أدوات نقدية يفترض الكاتب أن يمتلكها حتى يتجرَّأ على أن ينتقد نصَّه.
وَمِنَ الغريب أنْ يكون الأدب حالة دكتاتورية؛ فالأدب إذا جئنا في بداياته، هو حالة استعراضية لجمهور معين. وأقصى غايات الأدب هي أنْ يعجب الجمهور به، وأن يدهشه، وإلَّا كان رمي الأحذية وبقايا الأكل من نصيبه. وأهم مخلِّد للأدب عموما هو الجمهور؛ فهو الذي يجعله أسطوريًّا ومذكورا. ومهما حاولت المؤسَّسات والأكاديميات جعله نصًّا جميلاً رغم أنف الذائقة الجماهيرية، فإن هذه المحاولات المستميتة ستبوء بالفشل بمجرد أن تتغيَّر هذه المؤسسات والحكومات، ولا يبقى سوى النص الجميل، والجميل فقط. والملاحَظ أنَّ أغلب المبرِّرات المذكورة من قبل حُرَّاس الأدب تتمحور حول شيء واحد؛ وهو: الهروب من النتيجة المفجعة: عدم نجاح نصوصهم. فهم بإدخال الحكومة لدعمهم -يعني في الجهة المقابلة- إنكار الجمهور كمقيِّم لنصوصهم، بل إنَّ الجمهور صار آخر همومهم، والشهرة والمسابقات الأدبية في أوائل غاياتهم.

والسُّؤالُ الحقيقيُّ الذي ينبغي أن يُطرح هنا؛ هو: هل الأدب الرفيع يرتهن حقيقةً بالحالة الماديَّة للكاتب؟ هل الإبداع حالة برجوازية؟ لا توجد أمثلة كثيرة في التاريخ تؤيد هذا المبدأ، وربما يمكن إيجاز هذه الأمثلة في: فيكتور هوجو، وتولستوي، وتورغينيف، وفلوبير، ومورافيا…وغيرهم الذين لا يمثِّلون السَّواد الأعظم من عمالقة الأدب ذوي الدخل البسيط أو المعدم أحيانا. فالمسرحي النرويجي “أبسن” لم يُفرغ للمعاش إلا في مرحلته الأخيرة من حياته، و”شارلز ديكنز” تُمثّل روايته “أوليفر تويست” طفولته البائسة في أزقة لندن الوسخة، و”دوستويفسكي” لا تخفى على قرَّائه مسألته مع الديون الدائمة، و”مكسيم غوركي” كان يكتب وهو يُلاحق من قبل الشرطة القيصرية، ويحكي عن تفاصيل فقرِه المريع في رسائله المتبادلة مع “أبو القصة القصيرة” تشيخوف…والقائمة تطول.

إنَّ حُرَّاس الأدب الرفيع لا يلتفتون إلى أهم نقطة في نجاح الأدب؛ وهي: القدرة على الإدهاش. وإدهاش الآخرين ليس سهلاً في الحقيقة؛ فهو يعني استفراغ الجهد والتقصِّي في معرفة عدو الدهشة؛ وهو: الضجر والملل. فالمبالغات الوصفيّة والحِسِّيَّة والشعرية المفرطة، والذاتية المُقْحَمة على النص، والوعظ والإرشاد، والدفاع عن طبقة معينة، ودخول المؤلف على الراوي، أو كما يحذر “هنري ميلر” بقوله: لا تمنطق النص! وحصر مهمة الكاتب فقط في تحرير المحاضر كما يدعو إلى ذلك “أميل زولا”، والعرض الرتيب لحدث معين، كل هذه الزوائد الطفيلية ينبغي أن يعرفها الكاتب الحقيقي عند كتابته للنص حتى لا يضجر منه القارئ. وهنا ينبغي على الكاتب والفنان أن ينتبه إلى ذائقة الجمهور، وأنْ لا يستهين بها؛ فهذا الجمهور صار يقرأ نصوصًا عالمية وإقليمية عظيمة، ويرى أفلاما ومسلسلات عديدة، وذائقته صارت أكثر تطلُّبا وإلحاحاً، ولا فائدة من الاستهانة به؛ لأنه هو الذي يقتني العمل الأدبي ويقرأه، وهو الذي ينصح غيره بقراءته ويروِّج له، ولن ينفع الكاتب ذلك الترويج الإعلامي الحكومي الذي يركِّز على الصورة أكثر من النص، وإذا كان يعتمد على وسامته أو جماله في الترويج لنصه، فإنَّ هذه الفضائل زائلة، والنص يزول معها إنْ لم يفصل ذاته المتضخمة عنها.

إنَّ هَذَا السجال بين حُرَّاس الأدب والحكومة ليس وليدَ اليوم، بل هو نتيجة تكوُّن ذلك الجمهور العريض من رحم الرأسمالية في القرن التاسع عشر، ولقد تناول الكاتب الفرنسي “أميل زولا” هذا الموضوع في كتابه “الرواية ومسائل أخرى”، والذي أخْتَتم به هذا المقال.. يقول زولا: إنَّ الدولة غير مُطالبة بتقديم أي شيء للكتَّاب الشبان، ولا يكفي كتابة بضع صفحات لكي يطرح المرء نفسه شهيدا إذا لم ينشر له أحد كتابه أو يخرج له مسرحيته؛ فالإسكافي الذي صنع أول زوج أحذية لا يرغم الحكومة على عرضها وبيعها من أجله. العامل هو من ينبغي عليه فرض عمله على الجمهور. وإذا لم يتمتع بمثل هذه القوة؛ فهو لا أحد، وسيظل مغموراً بحكم خطئه وعن حق. ينبغي قول ذلك بوضوح تام: لا يستحق الضعفاء، في الأدب، أي اهتمام. فما داموا ضعفاء، لماذا يرغبون في أن يكونوا أقوياء؟ إنَّ صرخة: “يا لتعاسة المغلوبين!” تنطبق عليهم أكثر مما تنطبق على غيرهم. ليس هناك من يرغم صبيًّا على الكتابة، فما إن يتناول قلمه، حتى يكون عليه تحمل نتائج المعركة” (1).

—————————————————-

المصادر:
(1) أميل زولا، “في الرواية وأشياء أخرى”، دار كلمة، ط:1، 2015م، ص:383.

901 total views, 8 views today