عائشة‭ ‬الدرمكيَّة

يُخبرنا‭ ‬ديفد‭ ‬هوكس‭ -‬في‭ ‬كتابه‭ “‬الأيديولوجية‭”- ‬أنَّ‭ ‬الانفتاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬والذي‭ ‬نَحا‭ ‬نحو‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬التبادل،‭ ‬قد‭ ‬أثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬للتمثيل‭ ‬الرمزي‭ ‬لهذا‭ ‬الاستهلاك‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الثقافي؛‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الثقافة‭ ‬وسيلة‭ ‬للربح‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬هنا‭ ‬يعود‭ ‬للبناء‭ ‬اللغوي‭ ‬والخطابات‭ ‬التي‭ ‬توجه‭ ‬إلى‭ “‬المستهلك‭” ‬بوصفه‭ ‬مُستهدَفاً‭. ‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬قد‭ ‬ارتبطت‭ ‬بـ‭”‬نظرية‭ ‬المصلحة‭” ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬العُدة‭ ‬المعيارية‭ ‬للإنسان؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ -‬كما‭ ‬يقول‭ ‬كليفورد‭ ‬غيرتز‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬تأويل‭ ‬الثقافات‭”- ‬هو‭ ‬في‭ “‬تجذيرها‭ ‬لأنظمة‭ ‬الأفكار‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬التربة‭ ‬الصلبة‭ ‬للبنية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬عبر‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬حوافز‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعتنقون‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة،‭ ‬وعلى‭ ‬اعتماد‭ ‬هذه‭ ‬الحوافز‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬الاجتماعي‭…”‬،‭ ‬فغيرتز‭ ‬هنا‭ ‬يُؤسِّس‭ ‬فكرة‭ ‬المصلحة‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ “‬أسلحة‭” ‬يتم‭ ‬ترسيخها‭ ‬عبر‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع؛‭ ‬فذلك‭ ‬لأن‭ ‬المؤسسة‭ ‬المجتمعية‭ ‬هي‭ ‬الوسيلة‭ ‬لاعتناق‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬الطبقة‭ ‬المجتمعية‭ ‬المعينة‭ -‬ونعني‭ ‬بها‭ ‬هنا‭ ‬الطبقة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬المهنية،‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭- ‬والطريقة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ -‬كما‭ ‬يقول‭- “‬القبض‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬السلطة‭”‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بُعد‭ ‬نظرية‭ ‬المصلحة‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والسيكولوجية‭ ‬جعلها‭ ‬تفشل‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬الوظيفية‭ ‬التي‭ ‬تُواجه‭ ‬المجتمعات‭ ‬ضمن‭ ‬التسارع‭ ‬الحضاري‭ ‬والامتداد‭ ‬المعرفي،‭ ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قدرة‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬الحديثة‭ ‬والتوترات‭ ‬المنمطة‭ ‬التي‭ ‬يُواجهها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭.‬

ولعلَّ‭ ‬نيتشه‭ ‬عندما‭ ‬يُقرر‭ -‬في‭ ‬كتابه‭ “‬أصل‭ ‬الأخلاق‭ ‬وفصلها‭”- ‬بـ‭”‬أننا‭ ‬بحاجة‭ ‬لنقد‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬وأن‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُطرح‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬البحث‭…”‬،‭ ‬فإنه‭ ‬بذلك‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ “‬الأخلاق‭” ‬نتيجة‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬الأنماط‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬بوصفها‭ “‬سببا،‭ ‬وعلاجا،‭ ‬وحافزا،‭ ‬وعائقا،‭ ‬أو‭ ‬سُمَّا‭ ‬زعافا‭” – ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره‭. ‬وبهذا‭ ‬المنطق،‭ ‬سيكون‭ ‬لدينا‭ ‬قيما‭ ‬إنسانية‭ ‬أرفع‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬أخرى،‭ ‬هكذا‭ ‬سيكون‭ “‬الطيِّب‭” ‬أرفع‭ ‬من‭ “‬الخبيث‭” ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬كلها‭. ‬

إن‭ ‬نيتشه‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق،‭ ‬سيجعل‭ ‬مستقبلها‭ ‬تحفَّه‭ ‬الأخطار؛‭ ‬فالأخلاق‭ (‬القديمة‭) -‬كما‭ ‬يُطلق‭ ‬عليها‭- ‬يتم‭ ‬استغلالها‭ ‬عصرًا‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬لتظهر‭ ‬بشكل‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬تزامنه،‭ ‬وهكذا‭ ‬سنجد‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬تفقد‭ ‬أصالتها‭ ‬وإخلاصها‭ ‬لقيمتها‭ ‬عصرًا‭ ‬بعد‭ ‬آخر؛‭ ‬ليقول‭: “‬إلى‭ ‬الأمام‭! ‬ها‭ ‬أخلاقنا‭ ‬القديمة‭ ‬تدخل‭ ‬بدورها‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬المهازل‭”. ‬لهذا؛‭ ‬ستجد‭ ‬الأخلاق‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬متزايدة‭ ‬كلما‭ ‬انفتحت‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وأصبحت‭ ‬متسارعة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الثقافي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬المجتمعي،‭ ‬فكيف‭ ‬للأخلاق‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التوترات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الحضارية‭!! ‬وكيف‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬بوصفها‭ “‬أصالة‭” ‬و‭”‬قيمة‭ ‬مطلقة‭” ‬تحاول‭ ‬الانفلات‭ ‬من‭ ‬رَبقة‭ ‬الأدلجة‭ ‬الحضارية‭ ‬المستمرة‭!!‬

إنَّ‭ ‬مُحاولة‭ ‬فهمنا‭ ‬للعالم‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العولمة‭ ‬والتسارع‭ ‬الحضاري‭ ‬والتقني،‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬المجتمعات؛‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬منبعها‭ ‬المجتمع‭ -‬كما‭ ‬قُلنا‭ ‬سابقا‭- ‬لهذا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬فكرة‭ ‬التقنية‭ ‬والأخلاق‭ ‬والأيديولوجيا‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ (‬القيود‭ – ‬والحركة‭ – ‬والتغيير‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬مُحدِّدات‭ ‬أساسية‭ ‬لهذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬نحاول‭ ‬الاشتغال‭ ‬عليها؛‭ ‬فالأيديولوجيا‭ ‬في‭ ‬جانبها‭ ‬الاجتماعي‭ “‬استجابة‭ ‬منمَّطة‭ ‬للتوترات‭ ‬المنمَّطة‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الاجتماعي‭” -‬كما‭ ‬يُعرفها‭ ‬غيرتز‭- ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تحاول‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬للاضطرابات‭ ‬العاطفية‭ ‬للمجتمعات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تشتغل‭ “‬التقنية‭”‬‭ ‬نحو‭ ‬تشكيل‭ ‬مُجتمع‭ ‬استهلاكي؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬تمثل‭ ‬عاملَ‭ ‬الحركة‭ ‬لتغيير‭ ‬أخلاقيات‭ ‬المجتمع‭ ‬عبر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الشمولية،‭ ‬وهي‭ ‬بهذا‭ ‬ستجعل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأخلاقيات‭ (‬القديمة‭) ‬قيمًا‭ ‬جديدة،‭ ‬لها‭ ‬أبعاد‭ ‬وظيفية‭ ‬ومعرفية‭ (‬تناسب‭) ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها،‭ ‬وستُحدثها‭ ‬مستقبلا،‭ ‬عبر‭ ‬أدواتها‭ ‬المتسارعة‭.‬

إننا‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الثلاثية‭ ‬لا‭ ‬نحاول‭ ‬المساس‭ ‬بأهمية‭ ‬كلٍّ‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬نعتبر‭ ‬جميعها‭ ‬مرجعيات‭ ‬انتماء؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬هُويتها‭ ‬دونما‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التشخيص‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الحضارية‭ ‬ضمن‭ ‬التوجه‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الذي‭ ‬تتبناه‭. ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬ردَّات‭ ‬فعل‭ ‬المجتمعات‭ -‬سواء‭ ‬كان‭ ‬متضامنا،‭ ‬أو‭ ‬مناصرا،‭ ‬أو‭ ‬مدافعا‭- ‬لتلك‭ ‬المتغيرات،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬تلك‭ ‬الردات‭ ‬كلها‭ ‬تُعبر‭ ‬عن‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬وقيادتها‭ ‬للفكر‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الذي‭ ‬تتبناه،‭ ‬والتفوُّق‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬تنطلق‭ ‬منه‭ ‬أخلاقها‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ -‬أفرادا‭ ‬ومؤسسات‭- ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ “‬الإلزام‭” ‬الذي‭ ‬يُحدثنا‭ ‬عنه‭ ‬كانط‭ ‬عندما‭ ‬يتساءل‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬ميتافيزيقيا‭ ‬الأخلاق‭” ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الحكمة،‭ ‬والدور‭ ‬الفاعل‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬الأخلاق‭ ‬للمجتمعات،‭ ‬وهو‭ ‬دَور‭ ‬يندرج‭ -‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفلسفي‭- ‬ضمن‭ ‬آفاق‭ ‬الحرية‭ ‬المجتمعية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تُوضع‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ “‬قاعدة‭ ‬الإلزام‭”‬؛‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭: ‬‭”…‬أليس‭ ‬من‭ ‬صواب‭ ‬الرأي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬الأمور‭ ‬ضرورة‭ ‬إعداد‭ ‬فلسفة‭ ‬أخلاقية‭ ‬خالصة،‭ ‬نقية‭ ‬نقاء‭ ‬تاما‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تجريبيا،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بعلم‭ ‬الإنسان‭ (‬الأنثروبولوجيا‭)…”‬،‭ ‬وهذا‭ -‬بحسب‭ ‬رأيه‭- ‬سيُسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬القوانين‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬التي‭ ‬تؤسس‭ ‬قاعدة‭ ‬الإلزام‭.‬

وقاعدة‭ ‬الإلزام‭ ‬هذه‭.. ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تنشأ‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬هذا‭ ‬البُعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬الذي‭ ‬تتأسس‭ ‬عليه‭ ‬الأخلاق‭ ‬بوصفها‭ “‬فعلا‭”. ‬وعليه،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الفعل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬ينشأ‭ ‬ضمن‭ ‬المنظومة‭ ‬الثقافية‭ ‬المجتمعية‭ ‬التي‭ ‬تتأسَّس‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬مستويين؛‭ ‬هما‭: ‬المستوى‭ ‬الاستبدالي‭ (‬ونقصد‭ ‬به‭: ‬الوجود‭ ‬العام‭ ‬والمجرد‭ ‬للقيم‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الإكسيولوجيا‭)‬،‭ ‬والمستوى‭ ‬التوزيعي‭ (‬وهو‭ ‬الوجود‭ ‬المشخص‭ ‬التصويري،‭ ‬والذي‭ ‬سيتمثل‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬نفسه‭). ‬وهما‭ ‬مستويان‭ ‬يجعلان‭ ‬من‭ ‬الأخلاق‭ ‬قيمةً‭ ‬معرفية‭ ‬وثقافية‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وقيمة‭ ‬ملموسة‭ ‬أو‭ ‬أفعالًا‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

ويشرح‭ ‬لنا‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬العلم‭ ‬والتقنية‭ ‬كأيديولوجيا‭” ‬القاعدة‭ ‬الإلزامية‭ ‬الكانطية،‭ ‬بأنها‭ “‬لا‭ ‬تعني‭ ‬كلية‭ ‬القوانين‭ ‬الأخلاقية‭ ‬إجمالا‭ ‬فقط‭ ‬الإلزامية‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الذوات،‭ ‬وإنما‭ ‬الشكل‭ ‬المجرد‭ ‬للصلاحية‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬مرتبطة‭ ‬قبليا‭ ‬بالتوافق‭…”‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التوافق‭ ‬الذي‭ ‬يُؤكد‭ ‬عليه‭ ‬هابرماس‭ ‬يتأسَّس‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬التواصل،‭ ‬وهو‭ ‬فعل‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬كانط‭ -‬في‭ “‬تأسيس‭ ‬ميتافيزيقيا‭ ‬الأخلاق‭”- ‬بـ‭”‬فعل‭ ‬الإرادة‭ ‬الإنسانية‭”‬؛‭ ‬وهو‭ ‬فعل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المرتكزات؛‭ ‬منها‭: ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬المرتبط‭ ‬بالقوانين‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والواجب‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والعلم‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالدوافع‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تمييزها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬العقل‭ ‬وبطريقة‭ ‬قبلية،‭ ‬والعلم‭ ‬المرتبط‭ ‬بالتجربة‭ ‬والمقارنة؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬بدوافعه‭ ‬التجريبية‭. ‬لهذا؛‭ ‬فإن‭ ‬كانط‭ ‬يضرب‭ ‬لنا‭ ‬مثالًا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بالصُّناع‭ ‬والحرفيين‭ ‬الذي‭ ‬يعملون‭ ‬بشكل‭ ‬فردي‭/‬جماعي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنتاج‭ ‬منظومة‭ ‬حِرَفية‭ ‬متكاملة،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الأخلاق‭ ‬العملية‭ ‬والعلم‭ ‬التجريبي‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬والتقنية‭.‬

ولعلَّنا‭ ‬نتساءل‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬آليات‭ ‬اشتغال‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬في‭ “‬الفعل‭ ‬الأخلاقي‭”‬؟‭ ‬وكيف‭ ‬يُمكن‭ ‬للفعل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الإلزام‭ ‬المجتمعي‭ ‬المعاصر،‭ ‬إنْ‭ ‬كان‭ ‬يتأسس‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬تاريخية‭ ‬ثابتة؟‭! ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍّ‭ ‬كبير‭ ‬يظهر‭ ‬أمام‭ ‬تتمَّة‭ ‬هذه‭ ‬الثلاثية؛‭ ‬وهي‭: “‬التقنية‭”‬،‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬أكثر‭ ‬استهلاكية‭ ‬ومتجهة‭ ‬نحو‭ “‬المصلحة‭” ‬بمعناها‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬باعتبارها‭ “‬تشكيلات‭ ‬الأفكار‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬تبريرات‭ ‬لشرعية،‭ ‬إلى‭ ‬كونها‭ ‬تسير‭ ‬كأدوات‭ ‬إقناع‭ ‬وإفحام‭ ‬وإخضاع،‭ ‬وأنها‭ ‬مغمورة‭ ‬كليًّا‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬الاجتماعية؛‭ ‬بسبب‭ ‬كونها‭ ‬مستقلة‭ ‬كليًّا‭ ‬في‭ ‬اقتصادها‭ ‬الاستدلالي‭” -‬كما‭ ‬يعرفها‭ ‬فرانسوا‭ ‬شاتليه‭ ‬في‭ “‬تاريخ‭ ‬الأيديولوجيات‭”- ‬فإننا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأفكار‭ ‬والممارسات‭ ‬التي‭ ‬أبدعها‭ ‬الإنسان‭ ‬عبر‭ ‬حيواته‭ ‬المختلفة‭ ‬تعتمد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬إنتاجاتها؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬تتأسس‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬الاستبدالية‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬والإنتاج،‭ ‬ويصبح‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التقنيات‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬والأخلاق‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬يجعل‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعرفية‭ ‬والتقنية‭ ‬في‭ ‬نزاعٍ‭ ‬مُستمر‭ ‬بين‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬ومصالح‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬الصغرى‭.‬

ولأنَّ‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬فعلٌ‭ ‬اجتماعيٌّ‭ -‬كما‭ ‬هي‭ ‬حال‭ ‬الأخلاق‭- ‬فإنَّ‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬يخلُص‭ ‬إليها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تُؤسِّسها‭ ‬التجربة‭ ‬والعقلية‭ ‬تقودنا‭ ‬لتقابلية‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ “‬الأخلاق‭/‬الواقع‭”‬؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬تهدف‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬مُطلق‭ ‬وثابت‭ ‬نسبيًّا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التاريخية‭. ‬أما‭ ‬الواقع،‭ ‬فهو‭ ‬مُتسارع‭ ‬ومُتغيِّر‭ -‬أيديولوجيًّا،‭ ‬وتقنيًّا،‭ ‬وحضاريًّا‭- ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬الانفتاح‭ ‬زادتْ‭ ‬تلك‭ ‬المسافة‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬النظرية،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬سلوك‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬سلوكٌ‭ ‬مُتغيِّر‭ ‬على‭ ‬الدوام؛‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬عصر‭ ‬يتطور‭ ‬الإنسان‭ ‬بتطور‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬وحضاريًّا‭. ‬

لهذا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬فلسفة‭ ‬الأخلاق‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬فلسفة‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الذي‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬فلسفة‭ ‬الطبيعة؛‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬كانط‭ -‬في‭ “‬نفد‭ ‬العقل‭ ‬المحض‭”- “‬إنَّ‭ ‬فلسفة‭ ‬الطبيعة‭ ‬تتناول‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬كائن‭. ‬أما‭ ‬فلسفة‭ ‬الأخلاق،‭ ‬فلا‭ ‬تتناول‭ ‬إلاَّ‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭”. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ “‬فلسفة‭ ‬الأخلاق‭” ‬ليست‭ ‬مُلْزِمة‭ ‬سوى‭ ‬للإنسان‭ ‬وحده،‭ ‬بوصفه‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬فعل‭ “‬الالتزام‭”‬،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬فعل‭ ‬الإلزام‭ ‬ذا‭ ‬سُلطة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يبقى‭ ‬مُتغيِّرا‭ ‬على‭ ‬الدوام‭. ‬لهذا؛‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬الأخلاق‭ ‬ثابتة‭ ‬وصامدة‭ ‬أمام‭ ‬التحولات‭ ‬والتغيرات،‭ ‬بل‭ ‬ستكون‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬وتطوُّر‭ ‬منبثقين‭ ‬من‭ ‬تاريخية‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الانفلات‭ ‬من‭ ‬رَبقة‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬والتنبُّه‭ ‬لخطر‭ ‬الانجراف‭ ‬نحو‭ ‬التقنية‭ ‬والاستهلاك‭ ‬على‭ ‬صَعيد‭ ‬المصلحة‭. ‬لهذا؛‭ ‬سنجد‭ ‬أنَّ‭ ‬منظومة‭ ‬الأخلاق‭ ‬لأي‭ ‬مجتمع‭ ‬تتأسَّس‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬المعرفية‭ ‬المرتكزة‭ ‬على‭ ‬السياقات‭: ‬الاجتماعية،‭ ‬والنفسية،‭ ‬والتراثية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الثقافية‭. ‬وعليه،‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأخلاق‭ ‬إلا‭ ‬بوَصْفها‭ ‬حالًا‭ ‬من‭ ‬أحوال‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتغيِّرة‭ ‬بحسب‭ ‬العقلنة‭ ‬العصرية‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬عامَّة‭.‬

وكما‭ ‬ينسف‭ ‬نموُّ‭ ‬قوَى‭ ‬الإنتاج‭ ‬المتأسِّس‭ ‬على‭ ‬التقدُّم‭ ‬العلمي‭ ‬التناسبات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فإنه‭ ‬أيضًا‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬ينسف‭ ‬منظومة‭ ‬الأخلاق‭ ‬التي‭ ‬يتأسس‭ ‬عليها‭ ‬المجتمع،‭ ‬وسيكون‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬التنبُّه‭ ‬لذلك،‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬المجتمعية‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬اتركزت‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬تطوراتها‭ ‬الحضارية‭ ‬المتعاقبة؛‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬عُرضة‭ ‬للتيارات‭ ‬التقنية،‭ ‬أو‭ ‬المصالح‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصَّعب‭ ‬تصنيف‭ ‬فعلها‭ ‬الأخلاقي‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬التاريخية؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬سيكون‭ ‬المجتمع‭ ‬عُرْضَة‭ ‬للانجراف‭ ‬نحو‭ “‬التلوث‭ ‬الأخلاقي‭” – ‬بتعبير‭ ‬نيتشه‭.‬

304 total views, 2 views today