saleh

صالح البلوشي

كلمة أيديولوجيا (Ideology) كلمة يُونانية تتكوَّن من مقطعيْن؛ المقطع الأول: (Idea)؛ ويعنى: الفكرة. والمقطع الثاني: (Logos)؛ ويعني: العلم؛ فتكون الترجمة الحرفية: “علم الأفكار”. وهذا المفهوم يُعتبر من أقل المفاهيم ثباتا؛ حيث يراه البعض مفهوما علميا، وعند آخرين معنى مبتذل، بل يُمكن أن يكون سُبَّة كما نجد عند الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون (1905-1983)، بل إنَّ نهايتها وشيكة كما ينظر لذلك فوكوياما. أما كارل ماركس (1818-1883)، فيرى أنَّ الفكر الأيديولوجي ليس علميًّا؛ بمعنى آخر أنه وهمي؛ حيث يقول: إنَّ “العلم الحقيقي والإيجابي ينطلق من الحياة الواقعية، من استعراض نشاط الإنسان، وعملية تطور الإنسان المادي”. واشتهر عنه عبارته الشهيرة في كتابه الشهير “الأيديولوجيا الألمانية” التي قال فيها: “ليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي”.

ويُعدُّ الفيلسوف الفرنسي ديتوت دى تراسي (1754-1836) أوَّل من صكَّ هذا المصطلح في عصر التنوير في كتابه”عناصر الأيديولوجية”؛ ويقصُد به: علم الأفكار، أو العلم الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الأفكار التي يحملها الناس، هذه الأفكار التي تُبنى منها النظريات والفرضيات، التي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع. وقد تأثر دي تراسي بالنظرية التجريبية للفيلسوف الإنجليزي جون لوك، كما تأثر بمذهب الفيلسوف الفرنسي كوندياك الذي يرد كل معرفة أو إدراك إلى أصول حسية بحتة. ويرى المفكر المغربي عبدالله العروي في كتابه “مفهوم الأيديولوجيا” (ص 9) أنَّ “كلمة أيديولوجيا دخيلة على جميع اللغات الحية، تعني في أصلها الفرنسي علم الأفكار. لكنها لم تحتفظ بالمعنى اللغوي؛ إذ استعارها الألمان وضمَّنوها معنى آخر، ثم رجعت إلى الفرنسية، فأصبحت دخيلة حتى في لغتها الأصلية”.

وقد وَصَف هنري دافيد إيكن القرن التاسع عشر بأنَّه عصر ازدهار الأيديولوجيات؛ حيث قال: “إن ما لم يفهم بالوضوح الكافي رُبما هو أن العقائد الأساسية لفلاسفة القرن التاسع عشر، هي أيضا أيديولوجية إلى حد بعيد (…)؛ لذلك فلا يقتصر رأيي على أنَّ معظم العقائد البارزة والمؤثرة لفلاسفة القرن التاسع عشر هي في جوهرها أيديولوجية الطابع فحسب، بل أرى أيضا أنه منذ “كانط” تزايد الوعي بأنَّ المهمة الأولى لا تمت بصلة إلى “العلم” في أي معنى من المعاني المألوفة لهذا الاصطلاح، بل تمت إلى شيء لا تلائمه غير كلمة “الأيديولوجيا”.

ويُحدِّد عالم الاجتماع كارل مانهايم (1893-1947) في كتابه “الأيديولوجيا واليوتوبيا” مفهوم الأيديولوجيا؛ من خلال مستويين؛ المستوى الأول: هو المستوى التقويمي. أما المستوى الثاني، فهو: المستوى الدينامي. ويتعامل المستوى التقويمي مع الأيديولوجيا على أساس أنها تتضمَّن أحكاماً تُعنى بواقع الأفكار، وبناءات الوعي. أما المستوى الدينامي، فيتناول الأيديولوجيا من خلال سمتها الدينامية، على أساس أن هذه الأحكام دائماً ما تُقاس عن طريق الواقع؛ ذلك الواقع الذي يحيا في ظل تدفق ثابت أو جريان دائم. ويُشير مانهايم إلى ما أسماه بالتشوه الأيديولوجي والوعي الزائف؛ أي التفسير غير الصادق الذي يضعه شخص ما. وهذا ما أكَّد عليه ديفيد هوكس من أنَّ كلمة “أيديولوجيا” تُشير أحياناً إلى طريقة خاطئة في التفكير على نحو نسقي، ووعي زائف”. وقد فرَّق مانهايم بين نمطين من الأيديولوجيا؛ هما: الأيديولوجيا الخاصة التي تتعلق بمفهوم الأفراد وتبريراتهم للمواقف التي تهدد مصالحهم الخاصة؛ والأيديولوجيا الكلية التي تتعلق بالتفكير السائد داخل الطبقة أو الحقبة التاريخية، كما هي الحال لنمط التفكير السائد لدى البرجوازية أو البروليتاريا (الطبقة العاملة). وفي ضوء ذلك، عرَّف الأيديولوجيا بوصفها مجموعة قيم أساسية ونماذج للمعرفة والإدراك، ترتبط ببعضها وتنشأ صلات بينها وبين القوى الاجتماعية والاقتصادية.

وقد نَشَر المفكِّر السياسي الأمريكي دانيل بيل عام 1961 كتابا بعنوان “نهاية الأيديولوجيا”؛ تنبَّأ فيه بموت الأيديولوجيات.. ويرى بعض الباحثين أنَّ بيل كان يضع في ذهنه عند تأليف الكتاب الأيديولوجيات الكبرى التي تزعَّمت العالم في تلك الفترة؛ مثل: النازية، والفاشية، والشيوعية. وبعد هزيمة الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفييتي سنة 1992، كتب المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما كتابا بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”؛ قال فيه إنه وبسقوط الاتحاد السوفييتي انتهى عهد الأيديولوجيات بانتصار الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية الغربية. ولكن يبدو أنَّ نبوءة فوكوياما لم تكن في محلها؛ فالأيديولوجيا في نهاية الأمر -وعلى اختلاف مفاهيمها واستخداماتها- جزء من التفكير الذهني للإنسان، وليس بالضرورة أن يؤمن الإنسان بأيديولوجيا عالمية كالشيوعية أو النازية…وغيرها، وإنما حتى المنظمات المتطرفة التي تنتشر في بقاع الأرض تؤمن بأيديولوجية ما أيضا.

—————

المصادر:

1- كتاب ” خرائط أيديولوجية ممزقة”، إدريس هاني، دار الانتشار العربي، 2007.

2- كتاب “مفهوم الأيديولوجيا”، د.عبدالله العروي، المركز الثقافي العربي.

3- الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت).

4,594 total views, 14 views today