محمد الشحري

هل يمكن أن يتوصَّل علماء الدراسات الإنسانية وبقيَّة العلوم إلى تحديد العصر الذي فكَّر فيه الإنسان ووظَّف تفكيره في تحصيل المعرفة؟، وهل تكفي الآثار وعلوم الجينات لمعرفة بدايات تطور المستوى الفكري لدى الإنسان القديم؟، ثم هل مجتمعاتنا بحاجة إلى أن تنشأ فيها مجموعة من الأفكار تتحدَّى فيما بينها لا أن تتصارع أو توظِّف العنف في فرض ذاتها على أمر الواقع، كما هو حاصل الآن، ثم ماذا ننتظر من تعليمنا المستند على التلقين والحفظ لا على توليد الأفكار النيِّرة التي تصقل الوعي وتضيف رصيدًا هائلاً من المعارف إلى الثقافة التي يحملها الإنسان بين ظهرانيه، فإذا كانت جامعاتنا ومدارسنا تخلو من المقررات الفلسفية التي تحرض الإنسان على استخدام ملكة التفكير، فماذا يمكن أن ننتظر من الإنسان الخريج، الذي سيجد نفسه حاملاً لشهادة كرتونية بلا رصيد علمي من المؤسسة العلمية المسؤولة عن تخريج كوادر بشرية قادرة على تطوير مجتمعاتها وإيجاد الحلول الكفيلة بحل المعضلات التي تقف حائلاً في وجه التطور التاريخي والطبيعي للمجتمع.

 إحْياء حركة التَّنْوِير.

كانت تلك جملة من الأسئلة تحتاج إلى إجابات من المفكرين والمشتغلين بالدراسات الإنسانية، التي للأسف أصبحت شبه غائبة عن المشهد التربوي والسياسي والاجتماعي في العديد من الدول العربية، مع أن علاج الأزمات الحالية التي تعصف بالوطن العربي، من عنف وإرهاب وانتشار الفساد لن ينفع معها إلا الحل الفكري عبر سلسلة من النقاش والحوار العقلاني بعيدًا عن العواطف والمُشَاحنات، أي بمعنى آخر إعادة الاعتبار للعقل الذي تميز به الإنسان عن غيره من المخلوقات والمسؤول عن تصرفات الفرد وتوجهه، وهذا يقودنا إلى المناداة باستدعاء التنوير مرة أخرى، ومحاولة إحياء هذه الحركة التي قادها مفكرون كبار أمثال الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وحسن العطار ورفاعة الطَّهْطاوي الذين بحثوا عن القواسِم المشتركة بين الثقافة العربية الإسلامية وبين الحركة التنويرية التي شهدتها أوروبا، فحاولوا إحياء العقلانية والعلمية وربطها بالحضارة الحديثة، دون التنكُّر للثقافة العربية الإسلامية.

وبما أننا تحدثنا عن حركة التنوير فلابد من المرور سريعًا على عصر الأنوار الذي قدَّم للبشرية طفرة من الأفكار ساهمت في إثراء الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية وحتى الصناعية في أوروبا سرعان ما انتقلت إلى العالم أجمع، حيث ساهم كل من فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت وإيمانويل كانت وهربرت سبنسر وسبينوزا وفولتير ومونتسكيو وروسو، في قيادة التنوير كلٌّ في مجاله، «إذ ساهم بيكون في تحرير العقل من الأوهام وإرساء أصول المنهج العلمي في التفكير وعمل على إحلال المنهج الاستقرائي بدل المنهج القياسي، وقد أثْرَى العلوم الطبيعية التي شهدت تطورًا واسعًا في كل مجالاتها، بينما ساهم ديكارت في منح التفكير العقلي أولوية في الفكر والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، الأمر الذي أدَّى إلى تطور نظريات المعرفة، أما «ايمانويل كانت» فقد عرف عنه بمحرِّر العقل من الإرث الماضوي من خلال فلسفته النقدية، إضافة إلى تركيزه على الأخلاق التي تسمو بثراء المعارف، بينما كرَّس هربرت سبنسر نظرية التطور البيولوجي لخدمة السياسة والاجتماع والعقائد، أما باروخ سبينوزا فقد قدَّس العقل ومجَّدَه باعتباره أداة التفكير القادرة على صياغة النظم السياسية والاجتماعية، وشدد فولتير على حرِّية الفكر والمعتقد وإليه يُنْسب قول (تجارتي أن أقول ما أعتقد)، والذي ساهم مع جان جاك روسو ومونتسكيو في التمهيد لاندلاع الثورة الفرنسية، وقد مال بفكره إلى البناء بعد الهدم حيث وظَّف العقل والمنطق في صياغة القوانين الوضعية من معطيات الطبيعة والاجتماع والتاريخ ومصالح الجماعة، ويعد كتابه روح القوانين دستورًا للديموقراطية» (بتصرف من كتاب، إخوان الصفا رواد التنوير في الفكر العربي، محمود إسماعيل).

هكذا ساهمت الأفكار التي سادت في عصر التنوير في الثراء المعرفي، وفي تأطير المجتمعات، وفي بروز أنظمة الحكم وصياغة القوانين وتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية التي أدت إلى قيام الدول المدنية وتحرير المجتمعات من هيمنة الإقطاعيين وسلطة رجال الكنيسة وسطوة العائلات الحاكمة، التي تنازلت عن امتيازاتها بفعل مطالبة الشعوب بالمساواة في الحقوق والواجبات.

ولسائلٍ أنْ يتساءل عن جَدْوى إحياء حركة مرَّ عليها قرن من الزمان أو أكثر، هنا نقول إن حالة الجمود الفكري والذي عانت منه الأمة خلال الفترة الماضية يجعلنا نبحث عن محاولات تجسير بين حركة الإصلاح التي قام بها رجال فكر عرب ومسلمين في ذلك الوقت، وبين الوضع الراهن الذي يتطلب جرأة وشجاعة لمواجهة أفكار هدامة مدعومة ماليًّا وإعلاميًّا من قِبل أنظمة هيمنت على مقدَّرات الشعوب لتحافظ على كراسي الحكم، التي لا نجدها في مقولة الفقيه والشاعر الأندلسي محي الدين بن عربي القائل «الحُكْم نتيجة الحِكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حُكْمَ له، ومن لا معرفة له لا عِلْم له».

الأمَّة بين التَّفْكِير والتَّكْفِير.

وردت كلمَتَي العقل والفكر في القرآن الكريم في العديد من الآيات حاملة عبارات «أفلا يعقلون» و«أفلا يتفكرون» و«لعلكم تتفكرون» و«لعلكم تعقلون» كما وردت معاني العقل في القرآن الكريم (49مرة)، ووردت معاني الفِكر أيضًا (18 مرة)، وإنْ دَلَّ ذلك على شيء فإنه يدل على المكانة الرفيعة للعقل والتفكير في الدين الإسلامي، ويؤسفنا أن نرى هذه الأيام تقديم التكفير على التفكير لدى بعض العلماء المحسوبين على المذاهب الإسلامية، في ابتعاد كلِّي عن روح الإسلام ونهجه القويم، وإلا كيف نقارِن بين الأمر الرباني إلى نبيه موسى بالحوار اللين مع فرعون الذي وصفه عز وجل بالطاغية، قال تعالى ] اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ][طه الآيتين 43، 44[، وبين حملات التكفير المتبادلة بين بعض المحسوبين على المذاهب الإسلامية، لمجرد الاختلاف في الرأي، هنا نجد أن البعض لم يوظف ملكة التفكير بل خضع للعاطفة وغلبت عليه العصبية التي نهى عنها الإسلام، علمًا بأن العقل نعمة خصَّ الله به الإنسان دون غيره من المخلوقات، ولهذا نجد مقولة أفلاطون تقترب من حقيقة الإنسان الذي يتنازل عن حقه في التفكير، إذ يقول «نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر»، ويمكن أن نسحب هذه المقولة على حالة بعض المدارس الدينية والمرجعيات الفقهية التي تخلت عن التفكير واستبدلته بالتكفير.

بينما تعيش بعض المجتمعات حالة من الاتكالية والتطفل على إبداع الغير ونتاجهم الفكري، وتظن هذه المجتمعات أنها مجتمعات متحضرة أو متمدنة، وحسب رأيي _المتواضع_ فإنه لا يُوصَف المجتمع بالتطور والتقدم إلا حينما تتطور فيه الأفكار والمعارف، أما المجتمعات التي تقتني الأدوات والأجهزة الحديثة فلا يمكن أن نحسبها متقدمة كونها لم تنتج تلك الأدوات بل استهلكتها، ووصول التقنيات الحديثة التي لم نسهم في إيجادها إلينا لا يعني أننا ارتقينا بل يحسب لنجاح الشركات العابرة للحدود والأفكار والأيديولوجيات، ومن العار أن تعيش الأمة التي نزلت عليها رسالة (اقرأ) على أكتاف الآخرين وتقتات من أعمالهم وإنتاجاتهم.

الفِكر والمعرفة لمكافحة العَصَبِيَّات.

لا يخفى على أحد تصاعد النبرة الطائفية في الخطاب الديني والإعلامي المتصاعدة في المنطقة، والتي ساهمت في تأجيج الشقاق وشحن العواطف وتأليب القلوب بعضها على بعض وتفرقة المجتمعات العربية والإسلامية منها على وجه التحديد، لا الى أعراق عرب وغير عرب أو مسلمين وغير مسلمين بل شَقَّ الجسد الإسلامي نفسه إلى سُنَّة وشِيعة، الأمر الذي يستدعي التساؤل عن دور العقلاء والمفكرين ورجال الدِّين ووجوه المجتمع من شيوخ ومثقفين وفنانين وسياسيين، فيما يحدث من شق المجتمعات وقطع أواصر التواصُل والائتلاف بين شرائح المجتمع المختلفة، كما نتساءل أيضًا عن الأيديولوجيا العربية التي وقفت عاجزة عن إيجاد الحلول للأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا، كما نتساءل كذلك عن الذَّاكرة العربية والإسلامية التي احتفظت بخلاف سياسي بين عشائر من قبيلة قريش اختلفت على الحكم، واجترت الذاكرة هذا الخلاف وحملته على امتداد هذه القرون، إنها أسئلة واقعية لا يمكن التغاضِي عنها، ولم يتم الإجابة عنها منذ طرح هذه الإشكالية من قبل العديد من المفكِّرين الذين وجدت منهم المفكر العراقي علي الوردي الذي يقول «إن الطائفية ليست سوى نمط معين من العصبية، أي أنها تقوم على أساس من الانتماء الاجتماعي أكثر مما تقوم على أساس من الدِّين والحرص على سلامة تعاليمه».

خرجت الطائفية -حسبما أرى- من جباب بعض رجال الدين الذين نصَّبُوا أنفسهم أوصياء على الناس، مانحين أنفسهم حق التفكير المعرفة عن الآخرين وحق التأويل والتفسير وإعطاء المواعظ وإصدار الفتاوى، بينما توقف العامة عن البحث وعن منح أنفسهم حق التفكير فيما يُقال، واستسلموا لما يقوله الشيخ والمفتي، أي أن العامة أحالوا عقولهم إلى التقاعُد المبكر وتكاسلوا عن المطالعة ومقارنة الحُجَّة بالحُجَّة، وهذا ما أدَّى إلى إعفاء الفرد من مسؤوليته تجاه نفسه أولاً، ومحيطه ثانيًا بالركون إلى ما يُقال على المنابر أو في الخطاب الديني لأي طائفة كانت والتي تزعم أنها صاحب الحق، وأنها الفرقة الناجية أما بقية الطوائف الإسلامية فهي في النار، وهنا يأتي الإساءة إلى الإسلام من داخله أي ممن يدينون به، إذ قسم المسلمين أنفسهم إلى مذاهب وطوائف، متناسين أن الشهادة التي تدخل الإنسان إلى الإسلام تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنهم يعبدون رب واحد ويدينون بدين واحد ونبيهم واحد، ولكن السياسة هي التي شتت الأمة وفرَّقت الصحابة، وحملتهم على رفع السيوف في وجوه بعضهم البعض وسفك دماء بعضهم الآخر.

لكن ما العمل لمواجهة الخطر الطائفي المحْدِق بمجتمعاتنا؟ إنني أرى أن نواجه الطائفية بالفكر العقلاني عبر ترسيخ مفهوم المواطَنة واحترام حقوق الإنسان ووضع التشريعات والقوانين التي تحفظ لكلِّ المكونات العِرْقِية والطائفية حقها في أي بلد، ونرى أن التنوير هو المخلص الوحيد والآمن للمجتمعات من آفة الطائفية والعنصرية البغيضة، التي تشكِّل خطرًا أسوء من الاحتلال والتدخُّل الأجنبي، كوْن الطائفية تفتك بالجسد الوطني وتقضي على أي محاولة للمقاومة، كما أرى أن على الأفراد نفض التكاسل الفكري والبحث عن طريق الحق كل حسب طريقته وبإمكانياته الشخصية بعيدًا عن الفتاوى المعلَّبَة أو الجاهزة والتي لا تراعي الزمان ولا المكان ولا المناسبة، لقد آنَ الأوَان لإعادة ثقة الفرد بنفسه أولاً، ومساهمته في تحمُّل مسؤولية الحفاظ على اللُّحْمة الوطنية ثانيًا، وتقديم مصلحة الوطن قبل مصلحة الطائفة والمذهب ثالثًا.

قد نقسوا على ذَوَاتِنا ونجلدها لا للانتقام أو التَّشَفِّي؛ وإنما لشحْذ الهِمم وقدْح الأفكار للخروج من الحالة المهيمنة على الأقطار العربية والإسلامية، والتي ساد فيها الجهل والقتل والتعذيب وامتهان كرامة الإنسان، ولن يكون خروجنا منها إلا بالعلم والفكر والمعرفة، والتي وظفتها الشعوب الأخرى في الخروج من ظلماتها إلى التحضُّر والتمدُّن.

3,590 total views, 2 views today