صالح البلوشي

«عَفا الله عمَّا سَلَفَ»، تحت هذا الشعار انطلقت فلسفة النهضة في عمان في تعاملها مع جميع الذين كانوا يحملون آراءً وأفكارًا ومعتقدات تعارض نظام الحكم في تلك الفترة التاريخية من تاريخ عمان الحديث. في تلك الفترة كانت البلاد على شفا حفرة من الانهيار السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، لولا أن مَنَّ الله على عمان وشعبها بهذا القائد العظيم، صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله، الذي استطاع بحكمته وقيادته التاريخية الاستثنائية من إنقاذ البلاد من أصعب مرحلة كانت تمر بها في تاريخها الحديث. كانت البلاد في تلك الفترة تعاني من معارضة ماركسية مسلحة ابتدأت عملياتها المسلحة من سنة 1965، إلى جانب وجود حركات قومية وبعثية مرتبطة بالخارج تسعى – كما كانت تدعي – إلى الإصلاح والتغيير. وإضافة إلى ذلك فإن جزءًا كبيرًا من الشعب العماني كان قد ترك البلاد وذهب إلى الخارج للبحث عن لُقمة العيش. ولكن لمَّا كانت النظرية القابوسية في الحكم قائمة على البناء والعفو والإصلاح وعلى قراءة الواقع كما هو، فإنها مدَّت أيديها إلى جميع الذين كانوا يرفعون السلاح بوجه الدولة على قاعدة «عفا الله عما سلف». ولم تكتفِ بذلك بل وجهت إليهم الدعوة إلى المشاركة في بناء عمان الجديدة، عمان الغد، عمان المستقبل.

يقول المفكر البحريني اليساري عبد النبي العكري في كتابه «التنظيمات اليسارية في الجزيرة والخليج والعربي» ص 121: «على الصعيد السياسي أصدر قابوس منذ البداية العفو العام على كل من يسلم نفسه لقوات السلطان المسلحة أو سلطات الوالي في ظفار، ثم توسع هذا العفو ليشمل عناصر الجبهة أيًّا كانت صفتهم وفي أي مكان يتواجدون فيه حيث أنيط بالسفارات العمانية ترتيب عودتهم إلى وطنهم» وقال أيضًا: «كان قابوس مَرِنًا في تعاطيه مع خصومه، فباستثناء التحقيق الأمني الذي يجري مع أعضاء الجبهة العائدين والذي يتم في فيلات مريحة فإن العائد يعطي امتيازات إعادة تأسيس حياته وتأمين عمل له ويغلق ملفه الأمني». وكانت الحرب في ظفار أخطر أزمة واجهت الدولة الجديدة بعد وصول صاحب الجلالة المعظم إلى الحكم عام 1970، لأسباب متعددة، منها: إنها كانت حربًا تقودها منظمة ثورية تتبنى فلسفة أممية تقوم على العمل المسلح، ولها اتصالات مع دول أجنبية مختلفة بغرض تغيير النظام القائم واستبداله بفلسفة تتعارض مع القيم العمانية سواء الدينية منها أو الاجتماعية. ولذلك حرص صاحب الجلالة المعظم حفظه الله منذ البداية على مد اليد الأبوية إلى قياداتها وأفرادها للعودة إلى أحضان الوطن وترك السلاح على قاعدة العفو والتسامح التي انتهجتها الحكومة مع بقايا المعارضة التي كانت في الخارج أو الداخل، ونظرت إلى هؤلاء نظرة الأب المشفق على أبنائه الذين ضلوا عن جادة الحق والصواب بغرض إرجاعهم إلى البيت العماني الذي يسع جميع الأبناء على اختلاف توجهاتهم وقناعاتهم الفكرية. وبالفعل عاد جمع كبير من هؤلاء وشاركوا – ولا يزالون في إدارة الدولة الجديدة. وأما الأقلية التي رفضت العودة وأبت إلا رفع السلاح بوجه الدولة، فكان تعامل الدولة معها عسكريًّا من باب الحفاظ على أمن الوطن والمواطن، وهو حق مشروع يقوم به كل دولة يتعرض أمنها الوطني للخطر، فكيف إذا كان الخطر من الداخل ويتسلح بدعم خارجي! وفي مقابل ذلك كله لم يقتصر تعامل الدولة مع هؤلاء بالسلاح فقط، لأن الفكر السامي لجلالة السلطان المعظم حفظه الله تعامل مع الموضوع من أكثر من زاوية، منها أن القضية بدأت في منتصف الستينات وكانت ردًّا على افتقاد التنمية في عمان، وسوء الأحوال المادية والاجتماعية التي كان يعيش فيها المواطنون آنذاك، وهو أصل المشكلة.

إذن فالحل يكمن في القضاء على أصل المشكلة حتى لا يكون هناك أي مبرر لبقائها واستمرارها. فكانت الأوامر السامية بالبدء فورًا في عملية التنمية في جنوب الوطن وشماله، وفي شرقه وغربه، في جميع المجالات التنموية. وأذكر لقاءً طريفًا ذكره الباحث الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي في كتابه «تثمين الصراع في ظفار» الذي صدر في تلك الفترة – منتصف السبعينات قبل انتهاء الحرب عام 1976 – حدث بينه وبين أحد المقاتلين الذي كان أحد الذين استجابوا لنداء القائد وعادوا إلى المشاركة في عملية البناء والتعمير، واسمه هلال فضل الله، الذي قال للمؤلف بأنه كان يقاتل من أجل قضية كان يؤمن بها، وهذه القضية لا علاقة لها بأية أيديولوجية، ماركسية كانت أو غيرها، وإنما كانت تهدف إلى إنقاذ البلاد التي كانت في تلك الفترة تفتقد إلى التنمية والتعليم والصحة والبناء. واليوم وبعد وصول صاحب الجلالة المعظم إلى الحكم استجابت الحكومة الجديدة بكل هذه المطالب، وأصبحت المدارس، والمستشفيات، وغيرها، منتشرة في طول البلاد وعرضها؛ فلماذا القتال إذن؟

ولم تتوقف سياسية العفو والتسامح التي تُعد من أبرز ملامح الفلسفة القابوسية والنهضة العمانية عند هذه المحطة المهمة في التاريخ العماني المعاصر، بل امتدت طوال النهضة المباركة وشملت تنظيمات، وشخصيات مختلفة، أخطأت في حق الوطن والسلطان. ولكن شاء العفو الأبوي إلا أن يشملها أيضا بهذه السياسة الأبوية، كما حدث في التنظيم الذي أعتقل عام 1994، والآخر عام 2005، وأخيرًا قضية الإعابة التي حدثت عام 2012 وحكم القضاء العماني على بعض المتهمين فيها بالإدانة والسجن بمدد متفاوتة، ولكن العفو الأبوي السلطاني صدر من جديد وشمل الجميع. وهكذا الأب الحنون على شعبه يعتبرهم كأولاده ولا يفرق في النظرة إليهم من شخص إلى آخر.

وأما في العمل السياسي الخارجي فإن النظرية القابوسية في العلاقات الدولية أصبحت مثالاً في السياسات الناجحة بين الدول، وتتمثل في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مع ضرورة فض المنازعات بين الدول بالطرق السلمية، ورفض الاحتكام إلى العنف ولغة السلاح، ولذلك رفضت السلطنة قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر بعد توقيعها اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978 باعتبارها شأنًا داخليًّا مصريًّا قامت بناء على مصلحة تلك الدولة العربية. وكان للسلطنة الدور المهم في إعادة العلاقات العربية المصرية في ثمانيات القرن المنصرم بعد سنوات من القطيعة.

وعندما اندلعت الحرب المدمرة بين العراق وإيران عام 1980 وكادت أن تحرق بنيرانها الملتهبة دول الخليج أجمع، فقد احتفظت السلطنة بحيادها الإيجابي، وكانت سياستها الثابتة تتمثل في العمل على إيقاف الحرب بأقصى سرعة ممكنة. ورغم الأمواج العاتية التي كانت تهدد المنطقة في تلك الفترة فإنها لم تستطع إخراج السلطنة عن موقفها الثابت، وساهمت بشكل كبير في إيقاف النزاع. ولا تزال السلطنة تحتفظ بهذا النهج كمنهج ثابت في سياستها الخارجية كما أكد على ذلك رائد النهضة في عمان السلطان قابوس في خطاباته في المناسبات المختلفة.

وكان للسلطنة دور كبير أيضًا في عودة العلاقات السعودية الإيرانية عام 1991 التي قطعت بعد أحداث موسم الحج المؤسفة عام 1987، وأسهمت كذلك في التقارب الإيراني الأمريكي في قضية المشروع النووي الإيراني التي توجت بالمحادثات النووية بين الدولتين التي جرت في مسقط في نوفمبر الماضي.

وانطلاقًا من مبدأ الإيمان بالتعددية سواء في سياقها الديني، أو الاجتماعي، أو السياسي، فقد ارتكز الفكر القابوسي على مبدأ احترام التعددية المذهبية، والدينية، والاجتماعية في عمان، والعمل على حمايتها بالقوانين التي تكفل للجميع ممارسة الشعائر الدينية والتقاليد الاجتماعية بكل حرية في إطار السياق التعددي في السلطنة، ولذلك لا عجب أن تشيد التقارير الدولية التي تراقب مجال الحرية الدينية في العالم بفضاء التسامح والحرية الدينية في السلطنة وجميعها، تؤكد بأن النهج العماني حول قضية التسامح هو نهج ثابت ولا يتغير بتغير السنوات؛ لأنه ينبع من الروح العمانية التي ترفض التعصب الديني وكذلك الفكر السياسي العماني الذي جعل التسامح الديني والإيمان بالتعددية أحد أبرز المعالم الذي يقوم عليه.

5,033 total views, 2 views today