ahmed

د. احمد الاسماعيلي
سلطنة عُمان..تلك الدَّولة التي مثَّلتْ في تاريخها -الوسيط، والحديث، والمعاصر- “اليسار الإسلامي” إنْ صحَّ التعبير هنا؛ وهو مُصطلح يُطلق غالبا على تلك النماذج الحركية التي تُحاول تصحيح المسار الإسلامي المتطرِّف، أو الخروج برؤية وسطية في كومة رؤى مختلفة ومتعددة تؤمن بها مركزية الدولة الإسلامية، وهذا ما حدث لسلطنة عُمان في علاقاتها مع الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وكذلك في تاريخها المعاصر مع تمركزات سياسية جديدة كجامعة الدول العربية أو في العلاقات البينية داخل منظومة الدول الإسلامية، وربما أيضا مركزية مجلس التعاون الخليجي.

لعبتْ سلطنة عُمان دورَ اليسار الإسلامي في كلِّ هذه أو تلك التمركزات التاريخية عربيًّا وإسلاميًّا، وهناك -بلا شك- عوامل عديدة دفعت عُمان إلى تبني هذا الخيار في تاريخها السياسي؛ لكن ما يهمُّنا هنا أنَّ تلك الرؤية أو ذلك الخيار الإستراتيجي -الذي حَدَث بشكل اعتباطي- دفع عُمان إلى الدخول في عوالم جديدة كانت قابعة خلف البحار، وتطل على المحيط الهندي؛ خاصة الشرق الإفريقي أو دول شبه القارة الهندية أو دولة فارس، وامتزجتْ الثقافة العُمانية بثقافات متعددة، أثَّرتْ في مكوِّناتها الداخلية، كما أثَّرت في طرائق تفكيرها؛ فلم تعد مصادر تلقي الأفكار بالنسبة للعقل الجمعي العُماني نابعة مما يحدث داخل مكونات الدولة الإسلامية أو العربية فقط؛ بل أصبحتْ هناك مصادر ثقافية أخرى قادمة من ثقافات المحيط الهندي، وهذه هي البدايات الأولى لصيرورة الأفكار وتحولاتها في عُمان؛ أي أنها تمثل فتح فضاءات جديدة في حركة الأفكار داخل الدولة والمجتمع.تحويل المسار نحو المحيط الهندي وشرق إفريقيا لم يؤدِّ فقط إلى خلخلة التفكير الجمعي العُماني واندماجه في ثقافات جديدة؛ بل ساهم -بشكل كبير- في استقطاب تلك العوالم بثقافاتها المتعدِّدة إلى داخل الدولة لتشكل ثقافة وحدوية في علاقتها بالدولة، نعبر عنها اليوم بـ”المواطنة”، في مصطلح حديث يُراد منه إسقاط مفهوم الدولة على العقل الجمعي؛ وهو ما يدفعنا إلى قراءة تشكُّلات الاجتماع السياسي للدولة العُمانية المعاصرة، وهي قراءة سوسيولوجية تهدف إلى فهم تشكلات البُنى الاجتماعية والدينية وصيرورة السياسي، كما أنَّها تهدف إلى فهم علاقات القوى بين الطبقات الاجتماعية والإثنية والدينية في عُمان.

يمتدُّ التاريخ العُماني -بحسب بعض الدراسات- إلى أكثر من خمسة آلاف عام، ومنذ أنْ دَخَل عُمانَ الإسلامُ لأوَّل مرة، كان يسكنها عرب نازحون من الشمال والجنوب بعد انفجار سد مأرب.وقد اعتنقتْ عُمان الإسلام طواعية، وكانت من بين العواصم الكبرى التي بَعَث إليها رسول الله برسالة يدعوها إلى الدخول في الإسلام كما بعث إلى مصر واليمن وروما وفارس والقسطنطينية.وبعد أحداث الفتنة الكبرى -ولعوامل تاريخية- دانت عُمان بدين الأباضية، وظلَّت طوال فتراتها التاريخية يحكمها الأباضية، ذو الجذور التاريخية لفرقة المحكمة التي انبثقت عنها فرق الخوارج فيما بعد.وترجع عراقة التعدُّد المذهبي في عُمان إلى القرن الثالث الهجري، وربما قبل ذلك؛ فقد وُجد في صحار والمناطق الساحلية من عُمان في تلك الفترة الزمنية الشيعة والمرجئة والمعتزلة، إلا أنَّ هذه المذاهب كانت ذات وجود بشري محدود؛ إذ لم تكن تُمثل ثقلا اجتماعيًّا وسياسيًّا يجعلها مؤهلة للمنافسة على صناعة التاريخ العُماني أو الهيمنة على مفاتيح السلطة السياسية للدولة، وربما لم يكن حضور تلك المذاهب بين العرب العُمانيين، وإنما لدى المهاجرين القادمين من شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، بعد الحروب الدموية التي حدثتْ بين الفرق الإسلامية بعد الفتنة الكبرى.وقد ظلَّت عُمان تحتفظ بتعدديتها الدينية بعيدا عن أيِّ صراعات دينية مذهبية، ولم يسجل التاريخ العُماني اعتداءً مذهبيًّا ودينيًّا؛ سواء من الدولة أو من الأفراد.

 وفي المقابل؛ ظلَّتْ السواحل العُمانية مفتوحة تجاريًّا منذ القدم، وقد وصل إلى الصين في مرحلة مبكرة أبو عبيدة الصغير القاسم بن محمد (ت: ق2هـ)، وقام بدور كبير في نشر الإسلام، كما أن ابني الجلندى -حكام عُمان في القرن الثاني الهجري- اضطرا للهروب إلى شرق إفريقيا بعد معارك دامية مع الدولة الأموية، وهذا فيه إشارة إلى الموانئ البحرية التي كان العُمانيون يرتادونها قبل ذلك.ومنذ العام 1270م، استطاعتْ مملكة هرمز أنْ تُهيمن على السواحل العمانية بداية من رأس مسندم شمالا وحتى رأس الحد شرقا، ثم تبعها بعد ذلك البرتغاليون بداية من العام 1500م، لمدة قرن ونصف القرن تقريبا؛ مما جَعَل السواحل العُمانية أشبه بمسرح جغرافي مفتوح، ترسو فيه الهجرات القادمة من الضفة الشرقية لبحر عُمان والخليج العربي والمحيط الهندي، خاصة تلك الهجرات القادمة من الهند وبلوشستان وفارس، وقد نتج عن ذلك تداخل ثقافات المحيط الهندي في الثقافة العُمانية منذ وقت مبكر.كما قد عرفت الدولة اليعربية ودولة آل سعيد -بشكل خاص- انفتاحا كبيرا على المحيط الهندي والسواحل الشرقية لإفريقيا؛ مما أسهم ذلك -بشكل كبير- في تعميق الاندماج الثقافي أو صناعة ثقافة التعددية المذهبية والإثنية واللغوية.

…أًصبحت عُمان إذن غنية بعوالم متعدِّدة، ساعدتها على الخروج من تاريخيتها؛ عوالم إثنية (العرب، الزنجبارية، البلوش، اللواتية، الهنود، الفرس، البياسرة، العبيد، والزط…وغيرهم)، أفرزت -بشكل طبيعي- عوالمَ لغوية عديدة في المجتمع العُماني؛ نظرا لأنَّ معظم المكونات الإثنية في عُمان أتتْ من خارج الوطن العربي، ولم تكن العربية لغتها الأولى؛ لهذا نجد أنَّ عُمان غنية بالتعددية اللغوية؛ فهناك -إلى جانب العربية- البلوشية واللواتية والكمزارية والفارسية والسواحيلية، إضافة إلى اللغات الأربع لأهل الجنوب العُماني، وهي لغات قديمة جدًّا وأصيلة في هذه المنطقة؛ كالمهرية والحرسوسية والشحرية والبطحرية، ولغة خامسة تسمَّى بـ”الهبويتية”، وكلها لغات حية.وقد كوَّنت هذه اللغات مقاربات ثقافية بين سكان منطقة الجنوب العُماني -سواء كان ذلك في العادات والتقاليد والأعراف والغناء والشعر- مما ساهم كلُّ ذلك في صناعة مقاربات ثقافية في طرائق التفكير، وساعد على ذلك أيضا الدين بصُوْرة كبيرة؛ كونهم جميعا يعتنقون المذهب الشافعي السني.ولهذا؛ فإنَّ منطقة الجنوب العُماني تُعتبر من المناطق الغنية بالوحدة الأنثروبولوجية: إثنيًّا، ولغويًّا،  ودينيًّا.ومن الطبيعي أن تفرز هذه المكونات الإثنية المختلفة في عُمان -بشكل عام- عوالم دينية (الإسلام، البهائية، الهندوسية)، وكذلك عوالم مذهبية (الأباضية، السنة، الشيعة)؛ شكلت خارطة ديموغرافية نادرة في الوطن العربي.

هذا التعدُّد اللغوي ساهمَ -بشكل كبير- في تشكُّل الثقافة العُمانية؛ سواء في طرائق التفكير، أو في تشكل الشخصية التاريخية لهذه التجمعات الإثنية.ولا شكَّ أنَّ التعدُّد اللغوي أسهم -إلى حد كبير- في جعل المجتمع يتحرك في فضاءات واسعة من التسامح، وهذا أقرب إلى التفسير المادي للتاريخ، الذي يَرَى أن البُنى الاجتماعية هي المسؤولة -بشكل كبير- عن طبيعة المنتج الثقافي الذي يُفكر من خلاله المجتمع؛ فهي التي تمارس نفوذها على الأفكار والمعتقدات، وهذا ما تصوره السوسيولوجيون الفرنسيون، وتبنَّاه بعد ذلك بشكل متطرف الماركسيون؛ فالبُنى الاجتماعية تتشكَّل لتُنتج ثقافة لا علاقة لها بحركة الأفكار بقدر علاقتها بحركة الهياكل الاجتماعية وصيرورتها.فكلُّ لغة تكمُن خلفها ثقافة، كما تكمُن خلفها شخصية تاريخية مستقلة في عاداتها وتقاليدها وطرائق عيشها.فقد ساهمتْ اللغة الزنجبارية في إحداث تحولات كبيرة في طرائق التفكير لدى القادمين من زنجبار، بالرغم من امتدادهم التاريخي العربي، وبالرغم من أنهم عرب عُمانيون.كما ساهمت اللغة البلوشية في إحداث مقاربات ثقافية كبيرة مع اللغات الهندية الأخرى الموجودة في عُمان؛ فشكَّل ذلك خارطة لغوية مُتعددة ذات ثقافة وحدوية مُتقاربة، وظلَّت تلك المقاربات الثقافية تشتغل خلال قرون طويلة شكلت وعيًا خاصًّا بأهمية الآخر؛ كونه أصبح جزءا من الذات.كما أسهمتْ هذه التعددية -الإثنية، واللغوية، والدينية- في خلق توازنات سياسية وفكرية داخل المجتمع العُماني، وفي صناعة مقاربات بنيوية كان لها دور كبير في تشكل خارطة الاجتماع السياسي في عُمان، كما كان لها دور كبير أيضا في تبلور إشكاليات الاجتماع السياسي العُماني.ويُمكننا أنْ نُرجع الأسباب التي أدَّت لصناعة ديموغرافيا خاصة بعُمان إلى أربعة أسباب:

– أولا: حضور إثني تشكل منذ تاريخ طويل في السواحل العُمانية؛ إذ هيمنت مملكة هرمز على السواحل العُمانية من أقصى الجنوب الشرقي (رأس الحد) إلى أقصى الشمال الشرقي لعُمان (مضيق هرمز والجزر التابعة )؛ وذلك منذ العام 1270 إلى العام 1500.وبعدها، تمكَّن البرتغاليون من احتلال السواحل العُمانية لمدة قرن ونصف القرن، حتى النصف الثاني من القرن السابع عشر، وهو عصر الدولة اليعربية، التي استطاعتْ طَرْد البرتغاليين من السواحل العُمانية والمحيط الهندي وشرق إفريقيا، واستعان بعض حكامها في أواخر عهد الدولة بالبلوش كقوة عسكرية لحسم الخلافات الداخلية التي حدثتْ في أواخر الدولة اليعربية؛ ولذلك تكوَّنت في السواحل العُمانية عرقيات مختلفة ومتعددة عبر أكثر من خمسة قرون، فرض فيها الهرمزيون والبرتغاليون هيمنتهم العسكرية، كما فرض فيها الهنود والعجم -بشكل عام- هيمنتهم الاقتصادية على السواحل العُمانية المطلة على بحر عُمان والخليج العربي إلى بحر العرب.

– ثانيا: حضور ديني تشكَّل بعد هيمنة عُمان على إفريقيا الشرقية وبلوشستان وبوشهر وبندر عباس ومملكة هرمز -المزدحمة بالوجود الفارسي والهندي- إلى منطقة البحرين؛ وذلك في عهد الدولتين اليعربية والبوسعيدية؛ مما أسهم -بشكل كبير- في التعددية المذهبية، بل والدينية أيضا.

– ثالثا: الغزو السعودي -المعروف بالغزو الوهابي في أدبيات التاريخ العُماني- لبعض الأراضي العُمانية؛ الأمر الذي جَعَل المذهب الوهابي يتوغَّل أكثر في المناطق العُمانية المحاذية للمملكة العربية السعودية، وهي المناطق الصحراوية التي تُشكِّل ظهر عُمان، والتي تُعرف بالبلدان الغربية، المطلة على صحراء الربع الخالي. ولهذا؛ أصبحتْ عُمان تحيط بها من الشمال الشرقي (السواحل البحرية) إثنيات متعددة عرقيا ومذهبيا ودينيا أيضا، كما توغَّل المذهب الوهابي من الجنوب الغربي والشمال الغربي (الصحراء)، واستطاع أن يفرض نفوذا لا بأس به على تلك المناطق؛ خاصة وأنَّ عددا لا بأس به من القبائل القاطنة في تلك المناطق هم من عرب الشمال (العدنانيون).

– رابعا: الصراع السياسي بين سلطة آل سعيد ودولة الإمامة في عُمان الداخل؛ الأمر الذي جعل من السلطة -التي كانت تحكم في تلك الفترة مناطق شاسعة خلف البحار؛ كبلوشستان وزنجبار وبندر عباس- تتفكك داخليًّا، بالرغم من أنَّ كلتا السلطتين -الدينية والسياسية- تنتمي إلى مذهب ديني واحد (الأباضية)، وكلتاهما تنتمي إثنيًّا إلى العرب. كما أدَّى ذلك الصراع إلى الاستعانة بالبلوش بشكل خاص بكثافة كبيرة -بالرغم من حضورهم القديم في عُمان- في عهد السلطان سعيد بن سلطان (ت:1856) وما بعد ذلك، وشكَّلوا مُعظم أفراد الجيش في دولة آل سعيد إلى أواخر عهد السلطان سعيد بن تيمور (1970).

وقبل أن نبدأ بقراءة التحولات الديموغرافية؛ علينا أنْ نحلِّل مظاهر مكونات الاجتماع السياسي العُماني، وهو موضوع طويل، قُمنا بتحليله في بحث مستقل نُشر سابقا في العدد السادس من مجلة عمران (مجلة محكمة)، وسنكتفي هنا بإعادة صياغة تلك المكونات بما يعطينا القدرة على تصور هذه المكونات المتعددة، وأثرها في صناعة مفهوم التعايش والتسامح مع الآخر، والتي وُجدت -بشكل عميق- في المجتمع العُماني. وقد ذكرنا في مطلع هذا المقال تلك المكونات: العرقية، والاجتماعية، والدينية، والسياسية، والتي تكوَّنت بفعل الجغرافيا المفتوحة لعُمان، والمطلة على بحر عُمان وبحر العرب وخلفها المحيط الهندي. وهذا لا يعني أنَّ العُمانيين قفزوا على سُنن الاجتماع في مسألة التعايش الإنساني؛ إذ ظلَّت كثيرٌ من المكونات الإثنية تستوطن السواحل فقط لفترة طويلة من الزمن، ولم تتمكَّن من الاندماج مع القبائل العُمانية الداخلية؛ لأسباب عديدة تتعلق باللغة والمذهب الديني والخوف الذي تشكل بفعل الحرب المزمنة بين عُمان الداخل ومسقط، ودخول بعض تلك الإثنيات في الحرب لمساعدة طرف ضد آخر، وهو ما حدث مباشرة في نهاية الدولة اليعربية. وبالرغم من العداء الواضح بين القبائل العُمانية في الداخل وبين العجم -بشكل عام- بفعل الصراع القائم بين السلطة الدينية المتمثلة في الإمامة والسلطة المدنية المتمثلة في مسقط؛ إلا أننا لم نجد في التاريخ الديني العُماني نظريات دينية جديدة شرَّعت قتل الآخر واستعداءه لجنسه أو عرقه أو دينه؛ فالدين في المجتمع الأباضي العُماني أو المجتمع السني العُماني أيضًا، لم يكن يُشكل أهمية كبيرة في رؤية الآخر؛ فهناك مساحة لا بأس بها من الحريات الدينية والمذهبية، في حين تعتبر الإثنية (كسياج اجتماعي) دائرة مغلقة ومقدسة، وهذا لا يتعلق بالعجم فقط،؛ بل نلاحظ ذلك حتى بين القبائل العُمانية ذاتها؛ إذ كرست المؤسسة الاجتماعية ثقافة التمايز الإثني والاجتماعي؛ فهناك -تاريخيًّا- العبيد في مقابل الأحرار، والعرب في مقابل العجم، والبدو في مقابل الحضر، وهناك الصيادون في منطقة الباطنة مقابل القبائل البدوية، والعُمانيون مقابل الزنجباريين، وهكذا نشأتْ تمايزات اجتماعية عميقة بفعل تركيبة البُنى الاجتماعية، ولم تتمكَّن تلك التصورات والمعتقدات المثالية من التعالي على طبيعة التركيب الاجتماعي؛ لكنَّها ظلت بعيدة عن أيِّ تنظير مُتطرف -سواء تلك النظريات الدينية أو النظريات الإثنية المتطرفة- غير أنْ ما يُمكننا تسجيله -بشيء من الاستغراب- هو مفارقات “الاندماج والقطيعة” التي ظهرتْ بين مكوِّنات المجتمع العُماني؛ ففي حين نلحظ تمايزا اجتماعيا عميقا بين القبائل العُمانية (هناوية/غافرية) -أدى إلى الاقتتال الطائفي لفترة طويلة- في المقابل، غابت نهائيًّا تلك الدعوات إلى قتل المختلف اثنيا (العرب/العجم)، كما نُلاحظ من جهة أخرى أنَّ نظرية الإمامة الدينية في المذهب الأباضي كانت حاضرة بقوة في الصراعات السياسية في تاريخ عُمان؛ فالإمامة تقاتل من أجل إقامة “شرع الله”؛ في حين غاب أيُّ صراع ديني مذهبي في عُمان من أجل لإقامة “شرع الله”، رغم وجود ثلاثة مذاهب إسلامية؛ فالاقتتال الاجتماعي بين القبائل العُمانية لم يمتد ليصبح اقتتالا إثنيا بين العرب والعجم، والصراع الدموي الديني-السياسي بين السلطة السياسية والسلطة الدينية لم يتحوَّل إلى اقتتال ديني مذهبي.. لماذا؟ وكيف يُمكننا أن نفسِّر عدم تحول الاجتماعي إلى إثني، والديني السياسي إلى ديني مذهبي؟

غالبًا ما يكون جَوْهر الصراع وحقيقته بخلاف تمظهراته الخارجية؛ فبالرغم من أنَّ الصراع بين الإمامة في عُمان الداخل، والسلطة المدنية في مسقط، كان يتمظهر حول مسألة الإمامة وهو إشكال ديني؛ بَيْد أنَّ جوهر الصراع أساسا هو صراع سياسي على السلطة وليس صراعا دينيا، وكذلك فيما يتعلق بالصراع الاجتماعي الاجتماعي (الهناوية/الغافرية)؛ فهو صراع سياسي في جوهره وليس صراعا اجتماعيًّا. وعلى هذا؛ فإنَّ “الديني المذهبي” في عُمان لم يمتلك شروطَ القوة يومًا ما لينازع على السلطة السياسية باسم المذهب، وكذلك “الإثني” لم يمتلك شروطَ القوة التي تؤهله للهيمنة على السلطة السياسية؛ لهذا بَقِي الصراع كلاسيكيًّا تقليديًّا؛ ليس لأن “الديني المذهبي” أو “الإثني” لم يعبأ بذلك؛ ولكن لأنَّه لم يكن قادرا على امتلاك شروط القوة التي تؤهله ليكون أحد طرفي الصراع؛ لهذا ظلَّ الصراع في عُمان كلاسيكيًّا، ولم يتحوَّل إلى صراع جديد مذهبيًّا أو إثنيًّا. وهذا يُحتِّم علينا تفسير الصراع وإرجاع مسبباته إلى قوانين الاجتماع المادية الصرفة كتفسير مادي للتاريخ، بعيدا عن أيَّة تأثيرات عاطفية غير واقعية تتعلق بمفاهيم التعايش أو التسامح أو التصورات المثالية الأخرى؛ إذ لا تمتلك هذه المفاهيم قواعد ناضجة من الوعي الاجتماعي والديني والسياسي تجعلها قادرة على صناعة الاستقرار عبر تراكمات تاريخية عديدة، وهذا ما يُفسِّر ما نراه اليوم من عودة قوية نحو الطائفية في بلدان عربية لطالما تغنَّتْ بمفاهيم التسامح والتعايش. ومما ساهم في إبقاء الصراع على طبيعته التقليدية هو المسافة الفاصلة بين مكونات الاجتماع السياسي في عُمان، والتي ظهرتْ -بصورة كبيرة- في القرون الثلاثة الأخيرة؛ حيث إنَّ عامل اللغة والتمظهر الثقافي والطقوس المذهبية والعادات والتقاليد؛ أسهم كل ذلك في عُزلة هذه المكونات وعدم قدرتها على الاندماج -بشكل سريع- مع بعضها البعض، وظلَّت القبائل العُمانية في الداخل تمارس نفوذا مطلقا في دائرة: السياسي، والاجتماعي، والديني، إلى عهد قريب، وظلَّ لأجل ذلك الصراع تقليديا على طبيعته التاريخية، وكلما ظلت هذه المسافة قائمة بين هذه المكونات المتعددة، ظلت في المقابل مفاهيم الصراع تقليدية، وظل الاستقرار السياسي رهنَ قوة الدولة ومركزيتها فقط، ولا أعني بالمسافة هنا ما يتَّصل بمسألة الاندماج والعوائق التي تقف خلفه، ولكن طبيعة الحراك نحو الدائرة السياسية.

نُدرك من خلال استقراء بسيط للتاريخ العُماني المعاصر أنَّ عملية فك الارتباط بين الديني والخطابات الأخرى مُعقَّدة جدًّا؛ فعندما يُعلن الديني عن وجوده كنظرية سياسية (الإمامة/الخلافة) في المجتمع والدولة، فإنه غالبا ما يؤثر في بنية المنظومة القبلية الاجتماعية، وهذا ما يُمكن ملاحظته بشكل طبيعي في التاريخ العُماني؛ لكنه لا يتحوَّل إلى مشروع مذهبي خالص لافتقاد المتعدِّد المذهبي إلى شروط القوة كما لاحظنا سابقا، ولعوامل أخرى سنذكرها بعد قليل. كما لا يتحوَّل الديني أيضا إلى مشروع هيمنة على المشتركات الثقافية بين كافة التعدُّديات في عُمان؛ فالمجتمع العُماني مُشبع في عاداته وتقاليده بثقافة متعددة. وهكذا تُصبح المعادلة قائمة بين مكونات المجتمع الديني والثقافي؛ لذلك تمثل هذه النقطة أهمية بالغة؛ فالثقافي -بكل تجلياته: اللغوية، والإثنية، والدينية أيضا- كان له حضور متعدد في التاريخ العُماني حتى العام 1970، ولم يكن الخطاب الديني حريصا على الهيمنة؛ كما أنَّ نظرية الإمامة الأباضية -كتأصيل سياسي ديني- لا تتحول مباشرة إلى مشروع مذهبي أو مشروع ثقافي أيديولوجي؛ بل تسعى فقط إلى تطبيق العدالة في أحكامها الشرعية وسلوكها الاجتماعي العام؛ بحسب ما تقتضيه أحكام المدرسة الأباضية. ولهذا؛ تجد أنَّ العُمانيين حكموا أجزاء كبيرة من الشرق الإفريقي، ولم يسعوا إلى نشر مذهبهم أو الدعوة إليه، بالرغم من أنَّهم يُمثلون السلطة السياسية الحاكمة هناك، كما أنَّ بعض العلماء الأباضية الكبار عاشوا هناك فترة طويلة من الزمن، دون أن تكون لهم مدارس فقهية ينشر من خلالها المذهب الأباضي.

… إنَّ الخطاب الديني في عُمان لم يتجرَّد تاريخيًّا عن التركيبة القبلية الاجتماعية، ولا يستطيع التحرُّك دُوْن مُلامسة مكونات الاجتماع العُماني القبلي؛ فالصراع السياسي/الديني حول نظرية الإمامة يتحوَّل أحيانا إلى صراع اجتماعي خالص بين القبائل العُمانية، بل يتطوَّر أحيانا إلى إشكال اجتماعي جديد، كما حدث في أواخر الدولة اليعربية؛ حيث انقسم العُمانيون اجتماعيًّا إلى تشكلات جديدة تمثَّلت في ما يعرف في التاريخ الاجتماعي العُماني بفرقتي الهناوية والغافرية (1718).

أسهمت هذه التحالفات الاجتماعية الجديدة في خُفوت بريق النزعات المذهبية في المجتمع العُماني، التي لم تكن أساسًا حاضرة، كما أسهمت بصورة كبيرة في تطور التشكلات الاجتماعية؛ الأمر الذي جعل العقل الجمعي العُماني يشتغل بـ”المكونات الاجتماعية الجديدة” أكثر من اشتغاله بالتكوينات المذهبية التقليدية. وإضافة إلى ذلك، فإنَّ هذا الصراع أعاد صياغة الإشكال الاجتماعي من جديد؛ فبعد أنْ كان العُمانيون ينقسمون إلى قبائل عدنانية وقبائل قحطانية؛ عرب الشمال وعرب الجنوب، أصبحت الكتلة الهناوية والغافرية تمثل تغييرا جذريا جديدا في تشكل الاجتماع-السياسي العُماني؛ إذ تتركَّب كل كتلة من قبائل عدنانية وقحطانية، ومن مذاهب سنية وأباضية، وهكذا تغيَّرت خارطة الاجتماع السياسي لأول مرة في تاريخ الاجتماع السياسي العُماني.

وعودًا على بَدْء؛ فإنَّ الديني -كنظرية مذهبية خالصة- لم تتجلَّ بصورة واضحة في تاريخ الدولة العُمانية، ولم تهيمن على فكر الأئمة الأباضية؛ لهذا لا نجد كثيرا من الجدل اللاهوتي الديني/الديني في التاريخ الديني العُماني، ولا في تاريخ شرق إفريقيا التي حكمها العُمانيون، خاصة في القرون الخمسة الأخيرة. أما الديني والاجتماعي؛ فإنَّ النظرية الدينية كمشروع سياسي يتعلق بالإمامة (الخلافة) ارتبط في فترات كثيرة بالقبيلة كعنصر مهم من عناصر تكوُّن المشروع السياسي الأباضي؛ ولهذا تقف معه أحيانا كافة القبائل العُمانية بشتى مذاهبها الدينية.

ويُمكننا إذن القول بأنَّ العلاقة بين الديني -كنظرية سياسية- والاجتماعي -كتركيبة قبلية- هي علاقة متوترة وجدلية، لا يمكن أن ينفصل الديني عنها؛ في حين تُصبح العلاقة بين الديني -كممارسة مذهبية- والاجتماعي -كحضور ثقافي- علاقة خافتة تمامًا في التاريخ العُماني، وكذلك بين الديني والإثني؛ فالتاريخ الاجتماعي والتاريخ الديني الأباضي -بشكل خاص- لم يسجِّلا وجودَ مشروع مذهبي أو مشروع ثقافي ذا منطلقات دينية أيديولوجية قامتْ به دولة الإمامة في عُمان عبر تاريخها الطويل. ثمَّة إشكال مهم هنا؛ فالدين لم يكن في عُمان سوى جزء من المتعدد الثقافي وليس العكس؛ فالثقافي هو المتحكم الأول في ارتباط المجتمع بالدولة، ويصبح التدين في هذه الحالة جزءا من التراث المعنوي للدولة؛ لأنَّ نظام التفكير داخل المجتمعات ذات التكوينات الثقافية المتعددة يحتفظ بمساحة لا بأس بها للثقافي داخل المجتمع على حساب النظريات الدينية الدوجماتية المنغلفة والمرتبطة بثنائية الحق/الباطل، الحلال/الحرام؛ فالدين هنا يتحوَّل إلى ثقافة تاريخانية ليعبِّر عن هُوية علاماتية أكثر من كونه عقيدة تفترض الحق المطلق، كما يتحوَّل إلى ممارسات طقوسية يومية؛ فهو يُمارس فاعليته في المجتمع كعلامة ثقافية مرتبطة بالهوية السياسية والوجود التاريخي، وهذا ما يُفسِّر عدم وجود أي صراع مذهبي في التاريخ العُماني وحتى التاريخ الحديث، وهو ما يُفسِّر أيضًا تقلص نسبة الأباضية في عُمان؛ إذ كلما اشتغل الديني (الأباضي) على ثنائية “الحلال والحرام” كدائرة مُغلقة، تقلَّصت هذه الدائرة وتضاءلت معها الدائرة المعبِّرة عن “الهوية العلاماتية والوجود التاريخي”، وأصبحتْ العلاقة عكسية، وهي إحدى سُنن التحوُّلات الاجتماعية وقوانينها لدى الأقليات؛ أيًّا كان دينها وثقافتها وشرعيتها التاريخية؛ فهي تظلُّ تخضع لشرائط التحول الاجتماعي وليس لمفهومي الحق والباطل.

لقد كان الدين والقبيلة في عُمان يُشكلان مكونات الاجتماع-السياسي، كما يُمثلان أعمدة التفكير في نظام الدولة (الإمامة الأباضية العُمانية). وهنا؛ أتحدث بشكل واضح عن شكل الدولة التقليدي، الذي تجلى بهذه الطريقة.

في حين أنَّ الدولة المدنية الحديثة بعد العام 1970 عملت على مأسسة الخطاب الديني؛ وذلك بوضعه داخل مؤسسة دينية، تتحرَّك في مساحات ذات مشروطيات ظرفية محدَّدة هيكليًّا وتشريعيًّا، تُعنى بخطاب نوعي موجَّه، كالشكل التالي:

هذا التحوُّل المأسسي للخطاب الديني -أو بعبارة أخرى: إنَّ محاولة وضع الخطاب الديني في إطار مؤسساتي- جعل الخطاب الأباضي -باعتباره الفاعل الحقيقي في الخطاب الديني العُماني- يتحوَّل تلقائيًّا من خطاب يتحكَّم في شكل الدولة إلى خطاب جزئي يسعى إلى إعادة صياغة المدرسة الأباضية مفاهيميًّا وموضوعيًّا وفق نظم التفكير (Système de pensée) المقارب للأقليات الدينية. ولكي نكون أكثر دقة؛ فإنَّ هذا التحول جعل المدرسة الأباضية تشتغل ضمن نظام المجموعات وليس الدولة؛ لهذا فإنَّ النتاج المعرفي للمدرسة اليوم والاشتغال الأيديولوجي أيضًا تحوَّلا ليخدما هذا النوع من التفكير.

… إنَّ هذا التحول البنيوي يشبه تلك التحولات الكبرى التي تحدث داخل الحركات الدينية التي تعنى بالجماعة كمنظومة فكرية/عقدية معاصرة أكثر من اعتنائها بالاجتماع كسيرورة مُتغير اجتماعي جذري. لذلك؛ نجد أنَّ الحركات الدينية في العالم الإسلامي تتحوَّل -بشكل اعتباطي أحيانا، وبشكل ممنهج أحيانا أخرى- إلى كتل مغلقة، تمارس خطاباتها وتشريعاتها في فضاءات ضيقة جدًّا؛ مما يجعلها تتمايز عن غيرها سلوكيًّا وفكريًّا وثقافيًّا وتنظيميًّا أيضًا. غير أنَّ نقل الخطاب من إطاره المغلق (الجماعة) إلى فضائه الاجتماعي الواسع (المجتمع) يحدث بصورة اعتباطية في كثير من الأحيان، ويهدف إلى خلق “حركة تصحيحية” داخل المجتمعات؛ فالمجتمعات الإسلامية انحرفت عن المنهج النبوي؛ ولهذا يتم إخضاع السلطة السياسية وكسر قراراتها السيادية من خلال الهيمنة على “المجتمع”، وهو ما يُسبِّب ارتباكات مذهبية ودينية داخل الدولة. فالدولة كنظرية سياسية تختفي لتحل محلها النظرية الدينية، وهي تتمثل في قوى ناشئة جديدة تمارس ذاتها دينيا أو اجتماعيا بشكل منفصل ومغلق.هكذا تشتغل غالبا حركة الأفكار الدينية في بنية الدولة؛ فالفكر الديني يُعاني من هواجس تاريخية تجعله يتحوَّل تلقائيًّا في خطابه من شكل إلى آخر بحسب السياقات الظرفية التي يمرُّ بها، كما يقوم أيضا بإعادة إنتاج المفاهيم والنظريات لكي تنسجمُ والمرحلة التي يمرُّ بها؛ لكنَّه غالبًا ما يفشل لسببين؛ لأنَّ التفكير الديني أولاً هو مغلق بطبيعة تفكيره في نصوصه التاريخانية التي لا يستطيع بسهولة الخروج عنها، وثانيا: لأنَّ الواقعية الاجتماعية سريعة التحول والاندماج في المظاهر الثقافية الحديثة أكثر من حركة الفكر الديني.

… إنَّ المدرسة الأباضية العاصرة (بعد العام 1970) -وهي تتحوَّل من مفهوم الدولة إلى مفهوم الجماعة- تراجعتْ بشكل كبير في بناء العلاقة بين الديني والاجتماعي؛ أيَّ أنَّ هذه العلاقة حدث فيها تراجع كبير جدًّا عمَّا كانت عليه في عصور الإمامة، كما لا نلحظ أيَّ تأثير في العلاقة بين الديني والإثني، وظلت صامتة؛ بل تكرَّست ربما القطيعة بشكل أكبر بحكم تغييرات حدثت في بنية الوعي الإثني أولا، وبحكم علاقة الاندماج العميقة بين السياسي والإثني تاريخيا. لقد هيمنتْ الدولة العُمانية الحديثة على هذا الملف (الفاعل الاجتماعي)، وعلى الملف الإثني، بخطابها السياسي الذي انفصل نهائيًّا عن الخطاب الديني، كما أنَّ الدولة عملتْ على تفكيك صورة الاجتماعي التاريخي السابق (تمثل ذلك في تعيين وزراء من خارج الفاعلين الاجتماعيين التاريخيين)؛ فقامت بإعادة بنائه من جديد أو ربما تركته يعيد بناء ذاته من جديد وفقَ رؤية مدنية تُعنى بصناعة مرجعيات اجتماعية جديدة، إضافة إلى تحرُّر الفرد عن القبيلة أكثر ممَّا كان عليه سابقا كفضاء اجتماعي مدني جديد. وإضافة إلى ذلك؛ فإنَّ المجتمع العُماني بعد النهضة دخل أيضا في دائرة المعرفة الشمولية بفعل العولمة، والتي أكسبته وعيًا جديدًا بصيرورة التحولات الاجتماعية؛ فلم تعد المراجع الاجتماعية تمثل قيمة معنوية كبرى في بناء الذات الفردية؛ فساهم ذلك في إحداث تحولات كبرى في صياغة الملف الاجتماعي العُماني، وتمثل هذا -بشكل واضح- في الأحداث المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية عام 2011؛ حيث لم تستطع المرجعيات الاجتماعية القيام بأي دور إيجابي في تلك الأحداث، وفرضت سلطة “المجتمع التعددي” قوَّتها على حساب المرجعيات الاجتماعية الفردية. في حين أنَّ العلاقة بين الديني والثقافي أصبحتْ اليوم -نوعًا ما- في صالح الديني؛ لأنَّ الخطابات الدينية في العالم العربي -بشكل عام- بدأتْ تتحوَّل إلى أشكال أيديولوجية، تمارس تاريخيتها وصورتها وطقوسها الشكلانية بقوة في العقل الجماهيري، وهو ما يبدو أنَّه يحدُث بشكل اعتباطي أو حركي في المجتمع العُماني اليوم، إلا أنَّ هذه الظاهرة تحتاج إلى مزيدٍ من الرَّصد في علامات التحوُّل، التي لم تظهر بشكل واضح في عُمان إلى الآن.

هكذا إذن يتشكَّل الخطاب الديني العُماني في مرحلتيه التاريخية والحديثة؛ فهناك تحوُّلات جذرية حدثتْ في بنية التفكير الديني في كافة مساقاته السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي علاقته مع الدولة من جهة، وعلاقته مع المكونات المذهبية والاجتماعية الأخرى في عُمان. تبدو إذن العلاقة جدلية بين الديني والسياسي، كما تبدو العلاقة بين الديني والاجتماعي خافتة؛ بحكم التغيرات الكبرى التي طالت الملف الاجتماعي في عُمان، وهكذا تبدو أيضا العلاقة بين الديني والإثني صامتة وضعيفة جدًّا، كما تبدو العلاقة بين الديني والثقافي التنويري (العلماني) متوترة لما يشهده الثقافي من تحولات حداثية كبرى، ومن صيغ فكرية جديدة لا علاقة لها بالدين الشكلاني نهائيا. لكن؛ وبالرغم من أنَّ العقل الجمعي العُماني هو عقل ديني بتاريخيته، إلا أنَّ التعدُّد الإثنولوجي في عُمان جعل الخطاب الديني أكثر تسامحا في فرض أطروحاته السياسية اليوم؛ كما أنَّ الخطاب الديني ذاته مُتعدِّد المدارس المذهبية، ولهذا؛ فإنَّ الوعي الاجتماعي يتشكَّل عبر خطابات دينية متعددة ومتضادة أحيانا في أطروحاتها السياسية والاجتماعية؛ الأمر الذي أدَّى إلى ضعف الخطاب الديني، وعدم قدرته على الفعل الاجتماعي والسياسي. وفي المقابل؛ ساهم العقل السياسي المعاصر -وبشكل خاص السلطان قابوس- في تكريس قيمة التعايش بين مختلف التعدُّديات الدينية والإثنية واللغوية والمذهبية، وهذا ما ظهر بشكل جلي في كافة المؤسسات الإدارية والسياسية والتشريعية، ولم يحاول العقل السياسي في عُمان اللعب على هذا الملف مُطلقا كما حدث في دول عربية أخرى، وهو يَشِي بالحكمة السياسية التي يمتاز بها العقل السياسي العُماني، والتي اكتسبها من تراكمات تاريخية امتدَّت لأكثر من ثلاثة قرون، وتمثَّلت في أسرة آل سعيد بشكل خاص؛ حيث إنَّها الأسرة الملكية الأكثر تفهما ووعيا لهذا الملف، كما أنَّ المرحلة التاريخية التي حكمتها هذه الأسرة هي من أهم المراحل التي حدث فيها التقارب الإثني والديني والثقافي في عُمان. وهذا لا يُمكن أبدًا أن يغفله الباحثون في ملف الاجتماع السياسي في عُمان؛ فإلى جانب الجغرافيا السياسية والتنوع الإثنوجرافي والتاريخ السياسي العُماني؛ فإنَّ أسرة آل سعيد -بشكل خاص- تظل أهم هذه المفاتيح التي رسَّخت وكرسَّت مفهوم التعايش الإنساني في عُمان.

ومن خلال ما سبق؛ فإنَّ التحولات الديموغرافية في عُمان اليوم تغيَّرت كثيرًا عمًّا كانت عليه، وفرض المجتمع المتعدِّد قوته وسلطته على حساب المجتمع الجماهيري أو النخبوي؛ بَيْد أنَّ تلك التحولات الديموغرافية كانتْ في معظمها إيجابية وليست سلبية؛ كونها استطاعتْ أن تحتفظ بقدر كبير من المرونة بين جميع مكونات الاجتماع السياسي العُماني، كما أسهمتْ أيضًا في خفوت نزعة التاريخانية الدينية، وإن ظهرتْ بصور أخرى، إلا أنها لا يمكن أن تشكل خطورة على الاستقرار السياسي في الدولة. وإضافة إلى ما سبق؛ فإنه ما لم تتحول البُنى الاجتماعية في هياكلها التقليدية إلى بُنى جديدة، فإنَّ المنتج الثقافي سيظل يمارس دورته التاريخية المعتادة، ولن يتمكَّن من فرض أنموذج ثقافي آخر، وهذا يجعلنا نعتقد بأنْ أيَّ تحولات تاريخية في عُمان ينبغي أن يسبقها تحولات في التنظيم الاجتماعي أولا، يُؤدي إلى صناعة ثقافة نخبوية سياسيا، أو صناعة ثقافة جماهيرية اجتماعيا، وهذا ما لم يحدث إلى الآن. وهناك عوامل عديدة تؤدي إلى التحول في صناعة التاريخ (جدلية الحلقات التاريخية)؛ منها عوامل سريعة الحدوث: كفقدان السلطة السياسية مركزيتها في صالح النخبوية الاجتماعية والاقتصادية، أو ضعف حركة الاقتصاد مما يجعل المجتمع يفكر بطريقة واحدة ويخضع لمعايير واحدة. ومنها عوامل بطيئة جدًّا: كانصهار المتعدد الثقافي في بنى واحدة، وهذا لا يمكن أن يحدث في المجتمعات ذات الثقافة البدائية.

7,894 total views, 5 views today