د. احمد الاسماعيلي

   موضوع العلاقات العمانية الإيرانية وتأثيرها في الاندماج الخليجي هو الورقة التي قدمتها إلى مؤتمر الدوحة، الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتأريخ 6-7-8/12/2014، وكان بعنوان ” مجلس التعاون الخليجي؛ السياسة والاقتصاد في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية”، ترآى لي بعد عرض الورقة أن ثمة إشكالا عميقا يتعلق بالدور الإعلامي الذي لعبته السلطنة كمؤسسات رسمية أو مدنية في تسويق رؤيتها السياسية في موضوع الملف العماني الإيراني، سواء على صعيد مجلس التعاون بشكل خاص أو على صعيد الدول العربية بشكل عام. حيث أبدى – في ذلك المؤتمر- عديد من المهتمين بالشأن السياسي الخليجي عدم قدرتهم على تفهم الموقف العماني في مقارباته السياسية مع إيران؛ فضلا عن قبول ذلك الموقف لما يمثله من تداعيات جيواستراتيجية على الهوية الخليجية؛ تلك الهوية التي قدمت في إطار ديني تأريخي لا تتساوق وتاريخانية الدولة العمانية.

حاولت أن أقدم وجهة نظري في هذا الموضوع كالتزام أدبي وأخلاقي؛ كوني قبلت مبدئيا الحديث عن أهم القضايا السياسية التي اشتغلت عليها سلطنة عمان إقليميا في سنواتها الأخيرة، وهي العلاقات العمانية الإيرانية والتأثير الذي أحدثته تلك العلاقة في مسألة الاندماج الخليجي. لا أستطيع طبعا الادعاء أن تلك المحاولة كانت ناجحة؛ كوني أولا أكتب من فضاء الباحث وليس من فضاء العمل الدبلوماسي المحنك، إضافة إلى أن مثل هذه القضايا الحساسة تحتاج إلى مزيد من المقاربات المعرفية؛ لكي يتمكن العقل السياسي الخليجي على الأقل من تفهم هذا الملف بشكل واضح بدلا من الكتابة بشكل سلبي حول هذه القضايا التي تعتبر مسائل هامة جدا ليس على الصعيد السياسي الراهن فقط؛ بل أيضا في تأريخ التحولات السياسية في المنطقة، ولا يمكننا أن ننكر بأن سلطنةعمان عانت كثيرا من تلك الكتابات التسطيحية، سواء أكان ذلك في هذا الملف أو في غيره من الملفات الأخرى، ويمكنني أن أذكر هنا ما كتبه سايمون هندرسون، بتأريخ 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 ، وهو مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن، وذلك في مقال له نشرته صحيفة الواشنطن بوست الشهر الماضي عن تأثير السلطنة في ملف المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+1)، والذي ارتكب فيه أخطاء عديدة ليس في الفهم والتحليل الذي قد نختلف حوله؛ ولكن في المعطى المعرفي الذي استند عليه الباحث، ومثل هذا المقال تأتي معظم الدراسات والكتابات السياسية المتعلقة بالدين والدولة والمجتمع.

وبالرغم من أن الورقة التي قدمتها إلى ذلك المؤتمر ستطبع باللغتين العربية والإنجليزية وستنشر في بعض الدوريات العلمية المحكمة، إلا أنني آثرت الكتابة هنا بشكل مختصر عن  هذا الموضوع؛ لأضيف بشكل مختصر فهومات تحليلية أخرى مختلفة نوعا ما عن تلك الدراسات التي قدمت في هذا الموضوع، ولا أنسى أن أشيد هنا بالعمل الذي قدمته المحامية بسمة مبارك حول هذا الموضوع، والذي نشره مركز الجزيرة للدراسات. إن أهم الإشكالات التي يمكن أن أجيب عنها في هذه السطور القليلة هي لماذا اقتربت سلطنة عمان من إيران ؟ وما تأثير ذلك التقارب في مسألة الاندماج الخليجي؟

تعود العلاقات العمانية الإيرانية إلى ما قبل الإسلام بحكم الجوار الجغرافي على ضفتي الخليج العربي وبحر عمان؛ غير أن تلك العلاقات كانت ندية تتضمن دلالات الصراع والنفوذ الاستراتيجي على منطقة الخليج العربي، ووصلت أحيانا إلى الصدام العسكري، كما أن محركات الصراع بين القوتين العمانية والفارسية كانت تقليدية، يدفعها الرغبة في الهيمنة على المناطق الاستراتيجية في منطقة الخليج والمحيط الهندي، واستمر ذلك الوضع حتى  القرن الثامن عشر الميلادي، خاصة بعد ظهور الدولة السعودية الثانية ككيان سياسي ودستوري جديد في منطقة الخليج العربي، إذ تحول الصراع في منطقة الخليج من صراع جيوسياسي خالص إلى صراع أصبح الدين لاعبا أساسيا فيه، أو محركا من محركات الصراع السياسي في المنطقة، وذلك بالنظر إلى الأهداف المعلنة على أقل تقدير، وهي أهداف دينية خالصة تتمثل في تطهير الجزيرة العربية من البدعة. هكذا أصبحت منطقة الخليج العربي تحمل شكلا جديدا من أشكال الصراع السياسي؛ من حيث القوى الفاعلة ومن حيث محركات الصراع وطبيعته في المنطقة. وقد بينت في ورقة أخرى قدمتها إلى مؤتمر “صناعة الطائفية في الوطن العربي” بعنوان ” التحولات الديمغرفية في عمان بعد عام 1970″ أن سلطنة عمان لا يمكن أن توظف الدين مطلقا في الصراعات الإقليمية، لما يشكله من انعكاس سلبي على مكونات الاجتماع الديني في عمان. إضافة إلى أن عمان كدولة أو سلطة سياسية لا تتحول مطلقا إلى سلطة دينية حتى في عصور الإمامة، فالعقل الجمعي بما فيه العقل السياسي سرعان ما يتحول ليشتغل في فضاء الاجتماع الديني بدل الاشتغال في منطقة الحقل الديني الخالص، ولهذه التحولات عوامل عديدة تتعلق بالتكوين التأريخي والجغرافي والسسيولوجي والإثني أيضا.

يعتبر عام 1970 من أهم اللحظات التأريخية في عمان من حيث التحولات السياسية التي حدثت في تأريخها السياسي المعاصر، وقد تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في مرحلة حرجة كانت تمر بها عمان بشكل خاص ومنطقة الخليج العربي بشكل عام، إذ أن السياقات التأريخية التي حدثت في تلك المرحلة ساهمت في فرض إيقاعاتها على صناعة مفاهيم الدبلوماسية العمانية في علاقتها بالآخر الإقليمي، ومن جملة تلك التحولات الكبرى التي شهدتها عمان في تلك المرحلة التأريخية (1960 /1970) على المستوى الإقلمي هو ذلك التراجع الكبير للهيمنة العمانية على المحيط الهندي وشرق أفريقيا وبلوشستان، وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة ككيان سياسي ودستوري جديد في المنطقة، وتوغل القوى اليسارية في العمق العربي، وعلى الصعيد الداخلي كانت عمان تمر بأسوأ أيامها في تأريخها المعاصر بداية من الحركات الراديكالية ذات النزعة اليسارية في الجنوب العماني وإلى الحركات الراديكالية الدينية (الإمامة) في الداخل العماني، فضلا عن التخلف الذي كان المجتمع العماني غارقا فيه بكل أبجدياته ومستوياته.

تلك المتغيرات السياسية بسياقاتها التأريخية ومشروطياتها دفعت الدبلوماسية العمانية إلى إعادة إنتاج الذات السياسية من جديد في علاقاتها بالمحيط الإقليمي، ولهذا تم الإعلان عن أهم مبدأين من مبادئ الدبلوماسية العمانية في علاقتها الخارجية، وهما عدم التدخل في شؤون الآخر والتزام الحيادية، وظلت حيادية الدبلوماسية العمانية قائمة حتى في لحظات حرجة جدا مرت بها المنطقة إقليميا وعربيا، كالحرب الإيرانية العراقية والمقاطعة العربية لمصر وحرب الخليج الأولى والثانية، وآخرها موقفها من الملفات الحديثة في السياسة العربية بعد عام 2009، ومنها الملف المصري والملف التونسي والملف السوري والملف الليبي والملف اليمني وحتى الملف البحريني. ولذلك؛ استطاعت سلطنة عمان أن تجعل من هذين المبدأين المحرك الديناميكي لملفاتها الخارجية، وهما في الحقيقة ليسا مبدأين دبلوماسيين بقدر ما كانا ” خيارا استراتيجيا حتميا“، دفع الدبلوماسية العمانية إلى تبني هذه المبادئ كخيار استراتيجي تفرضه أبجديات اللحظة التأريخية، وذلك لعدة أسباب؛ من أهمها:

  • أن سلطنة عمان لم تعد تلك الدولة التي تهيمن على مناطق ما وراء البحار، ولهذا فضلت الاشتغال بمكوناتها الداخلية عن الصراعات الاقليمية لمحدودية القوة الاقتصادية والعسكرية بشكل خاص؛
  • أن محركات الصراع الإقليمي قد تنعكس سلبا على البنى التركيبية للمجتمع العماني؛ كون عمان دولة ذات مكونات إثنية ودينية واجتماعية متعددة، قد تستجيب بعض تلك المكونات لخطابات إقليمية إذا كان الفضاء الداخلي مهيئا لصناعة الخطاب الطائفي؛ أي أن مفهوم الهوية يصبح إشكالا كبيرا إذا تمت صناعته في مناخ مفكك بين الديني والسياسي؛
  • إسقاط ما أسميه دائما بـ ” الشخصية التأريخية العمانية” في فهومات الراهن السياسي، فعمان هي تلك الدولة التي لم تشتغل تاريخيا في قضايا العمق السياسي العربي؛ كونها امتلكت “مركزية الدولة” لأكثر من أربعة عشر قرنا، ولهذا فضلت الاشتغال بمناطق ما وراء البحار في المحيط الهندي وشرق أفريقيا وبلوشستان وبندر عباس؛ أي أنها اتجهت كتكتيك جيوسياسي الى المحيط الهندي بدل العمق العربي إلا في استثناءات قليلة جدا، ولهذا ظلت هذه المبادئ (الحيادية وعدم التدخل في شؤون الآخر) تمثل ” قيدا استراتيجيا” عن الانصهار في عمق القضايا العربية، بحيث أصبح هذا الخيار الاستراتيجي ورقة سياسية تستخدمها السلطنة لحفظ التوازن الاستراتيجي في سياساتها الخارجية.

كان لهذين المبدأين الدبلوماسيين دور كبير في التقارب العماني الإيراني، إضافة إلى السياقات التأريخية لمثلث القوى الفاعل في منطقة الخليج العربي بعد القرن الثامن عشر، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الثقة في العلاقات العمانية الإيرانية، وتوجت تلك الثقة بزيارة جلالة السلطان قابوس إلى إيران عام 2009، فكانت تلك اللحظة من أهم لحظات التحول في العلاقات العمانية الإيرانية، ثم كانت الزيارة الثانية في عهد إيران الجمهورية عام 2013، وهي زيارات تكشف عن مقاربات ثنائية لأهم القضايا السياسية التي تحدث في المنطقة إقليميا وعربيا، إذ بين هاتين الزيارتين تشكل ما يعرف بأهم ملفين اشتغلت بهما الدبلوماسية العمانية وتعاونت فيهما مع إيران، وهما ملف الرهائن وملف المفاوضات النووية، ويظل السؤال الأهم هنا هو لماذا اشتغلت عمان بهذين الملفين؟ ولماذا هذا التقارب الكبير بين عمان وإيران في السنوات الخمس الأخيرة ؟

كثيرا ما تعلن الدبلوماسية العمانية عن أهمية الثوابت التأريخية والجغرافيا بالإضافة إلى المشتركات الإنسانية والدينية في التقارب العماني الإيراني، وهي مبررات صحيحة نظرا إلى النصوص التأسيسية الأولى للخطاب السياسي العماني المعاصر في علاقة الدولة بمحيطها الإقليمي، وهو أمر لا يمكن التشكيك فيه كأطروحة أخلاقية في السياسة الخارجية العمانية؛ لكنها تظل غير مقبولة على المستوى الآكاديمي؛ لأن دخول السلطنة في ملف المفاوضات النووية يعد ذاته خرقا لمبدأ الحيادية؛ لما يحدثه من ضرر على عديد من المفات الخليجية، ولهذا أرى أن ثمة أسبابا أخرى دفعت السلطنة إلى مقاربات سياسية كبرى مع إيران في السنوات الخمس الأخيرة، ومن هذه الأسباب:

  • اختلال موازين القوى بين دول مجلس التعاون وإيران على كافة المستويات، الأمر الذي دفع السلطنة إلى مزيد من التقارب مع إيران، وهو ما أكده الدكتور خالد الدخيل؛ إذ أصبحت إيران قوة متعاظمة في منطقة الخليج العربي، وفي المقابل؛ هناك فشل كبير في العمل السياسي لمنظومة الجامعة العربية ودول مجلس التعاون الخليجي.
  • اختلال موازين القوى بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا لا يتعلق بموازين القوى العسكرية فقط بل بموازين القوى الإعلامية والاقتصادية والسياسية والدينية كذلك، وهو ما دفع عمان إلى عدم الاعتماد كليا على منظومة مجلس التعاون التي تراها فاقدة لشروط الفعل، خاصة مع الاختلافات التي حدثت بين دول المجلس في السنوات الخمس الأخيرة على أكثر من مستوى؛
  • ثمة إخفاق لدول المجلس في إيجاد فضاء سياسي مشترك يعمل على تنسيق السياسات الإقليمية والمواقف الدولية بين دول مجلس التعاون، ولهذا نجد رؤى متعددة لدول المجلس في السياسات الخارجية خاصة من إيران على سبيل المثال، فهناك الموقف العماني والموقف القطري والموقف السعودي، فضلا عن الملفات الأخرى المتعلقة بسياسة المجلس الخارجية مع الملفات العربية في مرحلة ما بعد الربيع العربي؛
  • تجنب حدوث أي صدام عسكري بين إيران والغرب، لإشكالات تتعلق بالجغرافيا أولا وبالاتفاقيات العسكرية الدولية ثانيا؛
  • حماية للملف الاقتصادي العماني من أي استفزازات اقتصادية قد تقوم بها دول الجوار في المستقبل خاصة بعد التوتر الذي ساد دول مجلس التعاون في سنواته الأخيرة؛ ولهذا رأت أنها قد تجد نفسها أمام إشكالات اقتصادية كبرى باعتمادها على ممرات الشمال…؛ ومن هنا قررت أن العلاقة مع إيران سوف تفتح لها مناطق اقتصادية أخرى واقعة على بحر العرب وبحر عمان إذا نجحت المفاوضات وانتهى الحصار المفروض على إيران، وهو ما سعت عمان إلى فعله من خلال ملف الرهائن وملف المفاوضات النووية؛
  • حماية لذاتها من انهيار مكونات الاجتماع السياسي الداخلي في عمان، لأن الصراعات الإقليمية غالبا ما تؤدي إلى صناعة الطائفية داخل المجتمعات ذات التعدديات الإثنية والدينية والاجتماعية خاصة في المحيط العربي، خاصة وأن عمان مرت وتمر خلال الأربعين سنة الماضية بتحولات ديمغرافية ربما تؤدي إلى استجابة بعض القوى لأي متغيرات سياسية إقليمية.

   السؤال الأهم هو ما هو تأثير هذه العلاقة على مسألة الاندماج الخليجي ؟

نظرا لاختلاف التوجهات السياسية بين بعض دول مجلس التعاون وسلطنة عمان من حيث التأريخ والجغرافيا السياسية والدور السياسي المنتظر من كل دولة أن تلعبه في القضايا العربية والإسلامية والعالمية، ونظرا لاختلافات عديدة تتعلق بطرائق التفكير السياسي وبنوع الإسلام الممارس وبطبيعة التعددية الإثنية والدينية في كل دولة من دول المجلس؛ فإن اختلاف القراءات السياسية بين هذه الدول في الشؤون الخارجية لا شك أنه عميق وواسع، ومهما حاول مجلس التعاون كمنظومة سياسية استيعاب الجميع في فضاء سياسي واحد فإن الفوارق  البراجماتية لكل دولة تبقى أقوى وأعمق على المدى القريب على أقل تقدير. ومن هنا؛ فإن سلطنة عمان تنطلق في قراءتها للشؤون الخارجية من الثابت الجغرافي والتأريخي، ومن إدراكها أنها لا ترغب في تقمص دور ” المركزية السياسية” في القضايا العربية والإسلامية؛ بل تعتبر بحكم هذه الشرائط الموضوعية من دول الأطراف وليست من دول المركز، وهذا هو جوهر الخلاف السعودي العماني في الملف المتعلق بإيران، الذي جعل السلطنة لا تقبل بالمشروع السعودي الرامي إلى إقامة اتحاد خليجي مشترك لأسباب متعددة، وهو ما عبر عنه يوسف علوي؛ الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في عمان بقوله : ” نحن غير مستعدين للدخول في أي صراعات… ولا علاقة لنا بالمواجهات…ولسنا ذاهبين في الصراعات إطلاقا شرقا ولا غربا”.

ينبغي أن ندرك بأن عمان تتعامل مع إيران في حدود العلاقات التي لا يمكنها التأثير على مكونات الاجتماع السياسي في عمان، ولهذا ظلت تلك العلاقة تشتغل في مناطق ومساحات ضيقة جدا، وغابت أي علاقة بينهما في الملفات الأخرى كالملف الديني والاجتماعي والثقافي بل حتى التجاري؛ إذ تعتبر عمان الأضعف من حيث التبادل التجاري مع إيران؛ لأن كل تلك الملفات هي التي يمكن أن تشتغل عليها إيران فيما إن كانت تملك فعلا مشروعا أيديولوجيا في المنطقة. إن أي مشروع أيديولوجي خارجي لا يمكن أن يعمل على تفكيك الداخل إلا إذا كانت مكونات الداخل تعمل في مناخ متأزم يمكنه أن يدفع بتلك المكونات إلى الاستجابة لذلك المشروع، وهذا ما لم تجده إيران في الفضاء العماني ووجدته في فضاءات خليجية أخرى مارست اللعبة السياسية في أهم المفاهيم التي ترتكز عليها الوحدة الوطنية وهو مفهوم الهوية.

في الحوار الذي عقد في افتتاحية المؤتمر تحدث الدكتور أنور عشقي وهو رئيس أكبر مركز للدراسات الاستراتيجية في المملكة العربية السعودية عن اتحاد فيدرالي بين دول مجلس التعاون ولو كان ذلك على حساب بعض دول مجلس التعاون!!، على غرار الاتحادات الفيدرالية التي حدثت في المنطقة، وبالرغم من أن الحديث عن اتحاد فيدرالي هو حديث واهم؛ لأنه ببساطة سيؤدي إلى موت الدول وانصهارها في الدولة الأكبر وهو مرفوض من دول الخليج ذاتها، فإن سلطنة عمان رفضت وعلى لسان الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية قيام اتحاد كونفدرالي فضلا عن الاتحاد الفيدرالي، ولهذا فإنني أتوقع أن تظل سلطنة عمان رافضة لهذا المشروع في السنوات القادمة لأسباب عديدة منها :

  • لأن السلطنة كعقل سياسي وكعقل جمعي أيضا ستظل تمارس شخصيتها التاريخية في اتخاذ القرارات السياسية؛
  • العلاقات البينية داخل دول المجلس لا تقوم إلا على مبدأ الثقة، ولا يوجد إلى الآن فضاءات قانونية ودستورية من شأنها أن تمنع أي استفزازت بين دول المجلس بعضها ببعض؛ والثقة لا يمكن أن تشتغل في الواقعية السياسية؛
  • لأن السلطنة لا يمكن أن تنقلب على مبدأ الحيادية في القضايا الاقليمية كخيار استراتيجي حتمي، فهي لا تملك شروط الفعل التي تحولها من دولة محدودة القوة إلى دولة تتحكم في الصراعات الإقليمية؛ لأن الفضاء السياسي الذي تشتغل عليه مكونات الاجتماع السياسي في الخليج العربي وليس عمان فقط يعتبر فضاء تقليديا؛ بعيدا عن مساقات التفكير السياسي الذي يمكن أن ينجح في إطاره أي مشروع سياسي كونفدرالي. لا بد لمكونات الاجتماع السياسي الخليجي أولا، لكي تقترب من الاتحاد الكونفدرالي، من الاشتغال في فضاءات واسعة ذات مشروطيات ناضجة بعيدا عن التأريخ والدين، وبدون ذلك فسيظل مبدأ الحيادية الذي التزمت به السلطنة هو الخيار الاستراتيجي لها مستقبلا، وهذا يدفعها إلى عدم القبول بالدخول في أي تخالفات إقليمية… وتفضل العودة إلى ما وراء البحار في حالة انسداد الأفق السياسي نحو الشمال فهي على كل حال دولة منيعة بسبب جغرافيتها وتأريخها وإن كانت محدودة القوة.

لا ينبغي إذن تضخيم العلاقات العمانية الإيرانية في تأثيرها على مسألة الاندماج الخليجي؛ بل وضعها في واقعيتها السياسية من حيث إعادة فرض موازين القوى بين دول المجلس وإيران، كما أن الاشتغال في فضاء سياسي واضح تشريعيا وقانونيا كفيل بأن يجعل سلطنة عمان تقترب بشكل كبير من مشروع الاتحاد الكونفدرالي وليس الفدرالي؛ لكن تبقى هذه الشروط صعبة التحقق؛ بل مستحيلة في السنوات العشر القادمة على أقل تقدير؛ ولهذا ستظل دول المجلس غير قادرة على وضع رؤية اتحادية مشتركة ليس بسبب التقارب العماني الإيراني وإنما لاختلال موازين القوى والأهداف السياسية والجغرافيا السياسية والطموح الاقتصادي والفضاءات الدستورية والفكرية التي تشتغل عليها دول المجلس. على دول الخليج أن تشتغل في فضاء سياسي جديد قادر على تجاوز عقبات التقدم الحضاري، ولا يمكن لهذه الدول أن تواجه القوى التقليدية في المنطقة كإيران والهند إلا باتحاد كونفدرالي يقوم على المأسسة ويشتغل في فضاءاته المختلفة على مجالات القوة سياسيا واجتماعيا ومدنيا ودستوريا، غير أن هذه الشرائط الموضوعية لن تتحق إذا ظلت طرائق التفكير السياسي معلقة بفكرة المواجهة وليست فكرة التأسيس، خاصة إن ظلت بعيدة عن مجالات “القوة الممأسسة”، سواء في عقلها الجمعي (مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية) أو في عقلها السياسي (الأمانة العامة لملجس التعاون ومؤسساتها التنسيقية والعملية) أو في فضاءاتها الدستورية والفكرية. إن الإشكال الذي يمكن أن أنهي به هذا المقال يتمثل في محاولة قراءة أهم التحولات التي يمكن أن تؤثر على السلطنة فيما إذا فشلت المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+1)، واستمر في المقابل انخفاض سعر البترول إلى مستويات قياسية في السنتين القادمتين!

12,352 total views, 5 views today