في مؤتمره السنوي الثالث بالأردن.. مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” تناقش:

العلاقة بين الدين والشرعيَّة والعنف

Jurdon

متابعة – فايزة مُحمَّد

أُقيم، مؤخرا، في العاصمة في العاصمة الأردنية عَمَّان، المؤتمر الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، تحت عنوان “الدين والشرعية والعنف”، بالتعاون مع مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية، تحت رعاية رئيس الجامعة الأردنية الدكتور اخليف الطراونة، وقد تميَّز المؤتمر -الذي شارك فيه شخصيات فكرية من مختلف الدول العربية، والعديد من الإعلاميين والمهتمين بالشأن الفكري والديني، الذين ناهزوا الـ400 مشارك- بالمقاربات المتنوعة والمثرية لموضوع المؤتمر. وقد شارك في المؤتمر أربعة باحثين وكُتَّاب من السلطنة؛ هم: خميس بن راشد العدوي رئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والكاتب عبدالله بن علي العليان، والباحث بدر بن سالم العبري، والكاتب صالح البلوشي.

افتُتح المؤتمر بكلمة لمدير عام مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” الأستاذ محمد العاني؛ أوضح فيها أنَّ “موضوع المؤتمر السنوي الثالث للمؤسسة والموسوم بـ”الدين والشرعية العنف” هو موضوع الساعة؛ فهو يشغل الرأي العام العربي ودوائر صنع القرار بشكل كبير”، وأضاف بأن “هذا العنوان أقيمت حوله المئات من الندوات والمؤتمرات، وكُتبت حوله الآلاف من الدراسات والأبحاث منذ ما يزيد على ثلاثة عقود حتى الآن. ورغم أننا نشهد حرباً شاسعة وممتدة ضد الإرهاب والتطرف على كافة المستويات -عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا وإعلاميًّا وثقافيًّا وفكريًّا- تفرضها دول وتحالفات وجهات مستقلة، إلا أن الحصيلة هي تنامي التطرف والعنف والإرهاب باسم الدين، والعنف باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان”. وأكد العاني على ضرورة استيعاب الشباب العربي الذين يعانون من البطالة وأشكال التهميش الأخرى؛ مما يجعلهم يلجأون إلى الانضمام للجماعات المتطرفة، كما طالب بتجديد الخطاب الديني الغارق منذ سنوات طويلة في خطاب العنف والفتنة والتفرقة، واحترام حقوق الإنسان في العالم العربي، ودلل العاني على رأيه بأنه “عندما يخرج الآلاف والعديد من الوجوه البارزة للتضامن مع ضحايا “شارلي إيبدو” فهذا مشروع أخلاقي، ولكن اللاأخلاقي أنْ لا تخرج قلة من أجل مئات الآلاف من الضحايا الذين قتلوا، ومن أجل المئات الذين يقتلون كل يوم”. مؤكدا أننا في حاجة إلى حرب ضد انتهاك الكرامة في العالم العربي حتى نستطيع محاربة التطرف والإرهاب؛ إذ “لا جدوى للحرب ضد الإرهاب بما هو معمول به حاليا، ولو بقي لآلاف السنين”.

كما تمَّ في المؤتمر تكريم المفكر اللبناني ناصيف نصار، الذي “أسهم بجهد متصل في وضع الأسس الوطيدة لمدرسة عربية في الفلسفة منبثقة من مشروع نقدي تحليلي يتجه إلى الدعوة لتكوين مجتمع عربي جديد، بعيد كل البعد عن العنصرية والتعصب ورفض الآخر”.

وقد بدأ المؤتمر بورقة ألقاها المفكر المغربي الدكتور سعيد بن سعيد العلوي، عن الحسبة والشرعية والعنف المشروع.. وذكر أنَّ “الحسبة كما يعرفها فقهاء الإسلام أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله”، وأضاف بأنَّ “التأمل في دلالة الحسبة يحمل على القول بأنها نمط إسلامي في إدارة شؤون المدينة الإسلامية ببُناها الاجتماعية العديدة والمتشابكة، وكذلك بتنوع ساكنتها واختلاف أديانهم ومهنهم ومكانتهم، ومن حيث هي كذلك، فإن الحسبة تتصل بالنظر السياسي”، كما أشار العلوي إلى أن التاريخ الإسلامي عرف ثورات كبيرة رفعت جميعها شعار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”؛ فقامت بممارسة العنف وفق هذا المبدأ، وهو العنف الذي لم يتوقف حتى اليوم بواسطة أحزاب الإسلام السياسي.

وفي المحاضرة الثانية، تحدَّث الدكتور نادر الحمامي من تونس عن “التاريخ الديني والتشريع للعنف”، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر ودراسة التمثلات “التاريخية” في حال معالجة قضية العنف باسم الدين؛ بسبب “أنَّ الجماعات العنيفة قد تجد في تلك التمثلات ما يدعم توجهاتها، بل إنها تعتبر ما تُقدم عليه شرعيا بحكم اعتقادها أنها تقتدي بالسلف، كما تصوره كتب التاريخ والأخبار”.

ثم ألقى الكاتب والصحفي الأردني إبراهيم غرايبة ورقة بعنوان “وجهة الخطاب الإسلامي في سياق الصراع على الشرعية السياسية”؛ قال فيها: “إنَّ العنف الديني مرده إلى الصراع على الحكم والشرعية السياسية”. وطالب بمراجعة الخطاب الإسلامي المتَّبع لدى الدول والمجتمعات في مسألة الحكم. وقال غرايبة: “إننا قادرون على فهم الإسلام وتطبيقه واتباعه دون حاجة للالتزام بالمنهج الأكثر اتباعا في التاريخ من قبل الدول والمجتمعات، ودون أن نتخلى عن الإسلام وعلاقته بالتشريع والدولة والتراث والثقافة والتعليم والمجتمع، وأن نكون أكثر انسجاما مع العالم والعصر، وأكثر تقبلا بيننا وبين العالم”.

وألقى الباحث المصري الدكتور حسن حماد ورقة بعنوان “القمع المقدس..شرعنة العنف في الخطاب السياسي”، ووصف العنف المقدس بأنه “شكل من أشكال العنف الذي تُمارسه الجماعات الدينية الأصولية باسم الله، واستنادا إلى مرجعية بأبستمولوجيا وسيكولوجية، قوامها الإحساس النرجسي بالاصطفائية والتفوق والتميز والاستعلاء على الآخرين”.

وكانت أقوى أوراق اليوم الأول من المؤتمر تلك التي ألقاها الباحث الأردني يونس قنديل، وكانت بعنوان (الدين في خانة “الفتك”)؛ أشار فيها إلى الصراع الحاصل في العالم العربي بين أنظمة استبدادية تريد أن تحتفظ بهيمنتها على شعوبها، وبين شعوب تتوق للحرية والتخلص من هذه الهيمنة”. وفي غضون ذلك، تبلورت رهانات رسمية وشعبية استئصالية المنحى، تتذرَّع بأوهام الأسيجة الهوياتية والطائفية لكي تشرعن “عنفها”؛ فانحرفت عن مطالب ومسارات التحرر إلى مضائق الدفاع الجمعي الغرائزي عن عناوين هوياتية متناقضة”. ووصف قنديل هذه العناوين بأنها: “بعيدة عن منطق التسوية والتصالح تحت سقف شرعية الإجماعات التوافقية الشاملة للجميع، وبعيدة عن أفق أية تصالحات ضامنة للسلم الأهلي وترقيته ديمقراطيا”. وأضاف: “على هامش ذلك، تتصاعد التساؤلات التي تضع الدين ذاته في خانة الشك، بعد أن تمترس واقعا في خانة الفتك، لتضع واقعه ومستقبله، قاتلا ومقتولا في الآن ذاته، تحت مطرقة الاستجواب؛ فهل الإسلام فعلا هو الحل كما تطرحه أدبيات الإسلاميين المنخرطين في هذه الاحترابات، بغضِّ النظر عن مرجعيتهم المذهبية؟ أم أن الإسلام -كان ولا يزال- جزءًا من المشكلة التي لن تحل إلا بالتحلل منه كما يدعي آخرون؟”. وقد أثارت هذه الورقة بعض الإسلاميين الموجودين في المؤتمر الذين اتهموا المؤسسة بأنها تكرس خطابا واحدا في المؤتمر وهو الخطاب الليبرالي، وتهميش الخطاب الآخر (الإسلامي).

ولكنَّ ورقة الدكتور حدجامي عادل (من المغرب)، رفضت اعتبارَ الدين هو مصدر العنف في العالم.. وقال: إنَّ العنف كان ولا يزال في الوطن العربي “ثابتا ولازمة للممارسة السياسية، وهو ما يعني أن حضور هذا العنف لا ينبغي لفهمه أن نتناول “ظرفيته” الراهنة المتعلقة بما نراه ونسمعه من أفعال تنظيمات سياسية/دينية؛ بل ينبغي أن يُفهم في إطار تاريخ هذه المنطقة الكلي، وهو التاريخ الذي “كُتب بحد السيف” كما قال الشاطبي”. وأضاف حدجامي بأن ورقته تعمل على بيان “أصول هذه القضية فلسفيا وعقديا؛ وذلك بالاعتماد على بعض مؤرخي الإسلام ومفكريه المعاصرين، وكذلك بيان الموانع التي حالت دون تجاوز هذا النموذج السياسي”.

وقد عُقدت في نهاية المؤتمر جلسة فكرية، ضمَّت الدكتور إدريس بنسعيد (من المغرب)، والدكتور ناصيف نصار والدكتور رضوان السيد (من لبنان)، والدكتور عبدالمجيد الشرفي والدكتور احميدة النيفر (من تونس)، والمستشار الدكتور عبدالجواد ياسين (من مصر)، وأدارها بنجاح كبير الدكتور نادر الحمامي (من تونس). وأكد المفكرون “على أهمية وجود نمط سياسي وثقافي جديد يأخذ بالاعتبار كل العوامل المؤدية للعنف، دون تجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يلعب دوراً محوريًّا في التأويل العنيف للنص؛ فالمسألة الدينية لها “تحقيب” يجب أخذه بالاعتبار، ولا بد أن تتضافر جهود الباحثين لدراسة كيفية تغير الفكر الديني على مر التاريخ حتى نفهم الواقع الحاضر”.

وقال الدكتور إدريس بنسعيد العلوي: “لا يوجد هناك مجتمعات عنيفة وأخرى غير عنيفة؛ فالعنف ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، لكن المشكلة في الطريقة التي يتم فيها تسييره باسم الدين، في ظل عدم توافر الإسلام على الأقل السني، أو مؤسسات ضابطة للتفسيرات الدينية. والإسلام بطبيعته يُغيِّر في المجتمعات وعلاقاته ويتفاعل معها بالممارسة ويتأثر بها، والمشكلة تبدأ عندما تختل هذه المعادلة، وتظهر جماعات داخله تخلق لها ديناً يتجاوز الوطن والزمن”. وطالب بنسعيد بأن تكون الدولة هي المسؤولة عن مكافحة العنف وليس الجماعات الدينية.

كما أكَّد الدكتور احميدة النيفر في مقاربته أن “العنفَ الجديد الذي نعاني منه، مشكلته تكمُن في أنه “عنف مُعولم” عابر للحدود بسبب معطى سهولة التواصل الذي لم يكن موجوداً سابقاً؛ فأخذ يخترق المجتمع والدولة وكل مؤسساتها القديمة، وهو يرتبط بفهم خاص للدين وثقافة لم تدرس علمياً حتى الآن. والشرعية دوماً مرتبطة بالدولة التي تعيش عربياً ضعفاً غير مسبوق فقدت معه ثقة الناس، وأخذت تعبر عن عجزها بالقمع تجاه الشعوب؛ إذن نحن نعيش مشكلة مركبة؛ من الجانب المعولم، والجانب التراثي، والواقع الاجتماعي والثقافي يفسر العنف الحالي؛ لذلك -وببساطة- نحن بحاجة إلى نمط سياسي وثقافي جديد يأخذ بالاعتبار كل هذه العوامل؛ لأن النمط القديم أثبت عجزه ومحدودية إدراك ما يجري حوله. لذلك، يجب أنْ لا نتجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يلعب دوراً محوريًّا في التأويل العنيف للنص؛ فالمسألة الدينية لها “تحقيب” يجب أن نأخذه بالاعتبار، ولا بد أن ندرس كيفية تغير الفكر الديني على مر التاريخ حتى نفهم الواقع الحاضر”.

وذهب المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي إلى أنَّ الإسلام لا يُقر العدوان على الآخرين، إلا في حال الدفاع عن النفس، إلا أنَّ الممارسة الفعلية على أرض الواقع -كما يخبرنا التاريخ- تختلف عن ذلك بسبب إكراهات ثقافية وسياسية واجتماعية؛ ففي الوقت الذي نرى فيه الخليفة أبا بكر مارس العنف المبرَّر في حروب الردة، شهدنا تاريخاً طويلاً طوال أربعة عشر قرناً من الحاكم ضد الرعية، أو بين الطوائف الإسلامية المخالفة لها: السنة، الشيعة، القرامطة، الحشاشون”. وأوضح الشرفي أنَّ “ظاهرة توظيف الدين لتبرير العنف ليست جديدة ولا تزال مستمرة، وهي ليست حكراً علينا، وتكاد تكون ظاهرة إنسانية كما في تبريرات الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس، وإبادات سكان أمريكا الأصليين التي مُورست باسم المسيحية التي لم يرد فيها نص يؤيد هذه الأفعال، ونذكر هنا أن مجمع الفاتيكان الثاني وضع حدًّا لهذه المسألة؛ مما ينزع المصداقية عن مقولة ربط الدين ذاته بالعنف”. وتابع الشرفي: “إنَّ النصوص الدينية بحد ذاتها غير مسؤولة عن العنف؛ فقد شهدنا في رواندا قتل قرابة المليون شخص لأسباب إثنية بحتة، وفي كمبوديا ذهب قرابة ربع الشعب في ظل حكم الخمير الحمر لأسباب عقائدية سياسية. واختتم بالقول بأنَّ “مشكلة التأويل” في الثقافة السائدة لا يُرد عليها بالوعظ والإرشاد، ونحتاج إلى دراسة علمية للنصوص الإسلامية المؤسسة لهذا التوجه، ونظرة استشرافية وسياسية تعليمية حصيفة تتلاءم مع المعطيات المعرفية في عصرنا، تأخذ بالاعتبار حلولاً على المديين القصير والطويل”.

أمَّا الدكتور رضوان السيد، فقد أرجع تعزيز التطرف في العالم العربي إلى عدم وجود دولة مدنية حقيقية ومشروع عربي جامع، وهذا الأمر يحتاج بلا شك إحياءً تجديدياً. ورفض تحميل الدين مسؤولية العنف الذي يجري اليوم في العالم العربي.

ولكنَّ الدكتور عبدالجواد ياسين، خالف رضوان السيد والشرفي في التقليل من أهمية عامل البُعد التاريخي لهذه الأزمة؛ حيث رأى أنَّ جذور العنف كامنة داخل “التدين” نفسه؛ بسبب احتكار الفقهاء ورجال الدين تفسير الدين لوحدهم، وأدخلوا الإسلام في حالة توتر مع المجتمع، عندما ربطوا رؤيتهم الخاصة بالمطلق بما يتناقض مع التعدد؛ فدخل هذا التاريخ الرؤيوي في صلب الدين بالتعارض مع قانون اجتماعي مهم، وهو قانون التطور.. واستغربَ عدم الربط عند البعض بين النص الديني والعنف؛ فالجماعات المتطرِّفة تطرح نفسها باسم الدين وتأويلاته العنيفة، دون أن ينكر معطيات الواقع المعاصر.

والتقتْ مجلة “شرق غرب” بعضَ الكُتاب العمانيين المشاركين في المؤتمر لاستطلاع رأيهم في أهمية المؤتمر، خاصة في هذا الوقت الذي تعاني فيه كثير من الدول العربية من الخطر الطائفي والأصولي، الذي بدأ يكشر عن أنيابه، بعد أن ابتلع مناطق واسعة في العراق وليبيا وسوريا واليمن. حيث وصف الباحث بدر بن سالم العبري المؤتمر بأنه جاء: “في مرحلة مهمَّة في تاريخ الوطن العربي، والتي تتزامن مع نمو جماعات متطرفة تأخذ باسم الأديان السماوية لباسا لها، وباسم الجهاد والحفاظ على المقدس طريقا لها، وتجعل من إرهابها هذا غاية الجنان والحور العين”.

أمَّا الكاتب صالح البلوشي، فقد أشادَ بالمؤتمر من ناحية التنظيم وحجم المشاركة فيه، خاصة من المفكرين الكبار في العالم العربي كعبدالمجيد الشرفي وعبدالجواد ياسين واحميده النيفر…وغيرهم. كما تحدث البلوشي عن التنوع الفكري في المؤتمر، الذي استطاع أن يُؤسِّس لحوار بين الأطياف الفكرية المختلفة؛ مما أتاح للمشاركين التعرف على مختلف وجهات النظر في قضايا ساخنة؛ مثل: العلاقة بين المقدس والعنف. أما العبري، فأشاد “بالتنوع في الوجوه المشاركة من حيث بداية المنطلقات الفكرية؛ فهناك العلماني الذي يقابله المتدين، والليبرالي الذي يقابله الراديكالي، مع التنوع كذلك في التوجه الديني والمذهبي في الجماعات الإسلامية والمسيحية، بجانب مشاركة المرأة وحضورها”، إضافة إلى “فتح المجال أمام الشباب في المشاركة، وإقامة ورش لهم، واختلاط الرموز والقامات الفكرية بالشباب، كل هذا تربية مهمة، وعلاج جذري لمثل هذه القضايا”.

وحول قراءته للبحوث التي قُدِّمت في المؤتمر من مختلف الشخصيات الفكرية؛ قال العبري: “العنف الذي سماه القرآن الغلو، ويسمه بعض المعاصرين التطرف، يُعتبر مرحلة مهمة؛ لذا كان الحديث من جهتين الشرعية والدين؛ وذلك لأنّ الكثير من العنف والتطرف هو في الحقيقة باسم الدين من ثلاثة طرق:

الأول: التفسير الخاطئ للنصوص مباشرة، والتعامل معها تعاملا سلبيا؛ لفقدان دائرة النقد داخل هذه الدائرة، واعتبار ما يقوله أحبار الدين من تفسير هو النص المقدس نفسه، بل أحيانا نقده أشد من نقد النص، ويشتد أزمة إذا كان تحت توقيع السياسة وهيمنتها.

الثاني: الإرث التاريخي للنصوص، والفهم السابق أي الإضافة سواء إلى الصحابة أو من بعدهم، وحتى عند المذاهب النصرانية في الإضافة إلى القديسين واللاهوتيين؛ مما يُحوِّل هذا التفسير ذاته إلى مقدس فوق المقدس الأصلي.

الثالث: اختراع نصوص جديد باسم الغيب، أضيفت إليها هالة قدسية باسم الوحي الخفي أو البيان أو السر المودع في المعصوم؛ مما زاد النص وضخَّمه بصورة كبيرة جدًّا، وأصبح نقده صعبا مجتمعيا ودينيا وسياسي”. وقال العبري إن “جميع هذا ولَّد جهات متطرفة بجانب التطرف العلماني أيضا في الفلسفات المعاصرة والتعصب لها، وعدم نقدها، إلا أنَّ الأول أشد لأنه ينطلق باسم الغيب المقدس.. وعموما حاول المؤتمر الربط بين الشرعية والدين وعلاقتها بالعنف، ودراسة ذلك فلسفيا وتاريخيا ومجتمعيا، ومن كافة الجهات، في جو يفتح للجميع حرية النقد وحرية الكلم”.

أمَّا الكاتب صالح البلوشي، فرفض تحميل الدين وحده مسؤولية العنف الذي يحدث اليوم في عدة دول عربية باسم المقدس، لكنه قال: إن “الجماعات المتطرفة التي تمارس العنف باسم الدين -ابتداء من الأخوان المسلمين، إلى تنظيم الدولة الإسلامية- يقومون بتوظيف النصوص الدينية التراثية من أجل الوصول للسلطة، وبما أنهم لا يؤمنون بالعمل الديمقراطي باعتباره كفرًا عندهم، فإنهم يلجأون إلى العنف، وحتى يضفوا عليه الشرعية؛ فإنهم يستعينون بالنصوص الدينية من آيات وأحاديث يؤلونها بطريقتهم الخاصة، ويخرجونها من سياقها الديني والتاريخي، إلى فتاوى تكفيرية كُتبت في عصور الظلام والانحطاط”؛ لذلك يرى البلوشي “أنَّ الحلول الأمنية والعسكرية -على أهميتها وضرورتها- لا تكفي لوحدها للقضاء على التنظيمات الأصولية المتطرفة؛ وإنما يجب القيام بثورة فكرية من أجل نقد وتفكيك الخطابات الأصولية المتطرفة ونشر خطاب الحداثة في المجتمع؛ وذلك لن يتحقق إلا بإصلاح التعليم وغرس قيم المواطنة في المجتمع.

2,552 total views, 2 views today