سكينة المشيخص

الفيلسوفُ برتراند راسل تساءل: هل المسافة من مَكْتب البريد إلى البيت هي نفسها المَسَافة من البيت إلى مَكْتب البريد؟ كان حِيْنَها يشرح نظرية النسبية لآينشتاين، وهو تساؤل تقريري مادام كان شارحاً، غَيْر أنَّ الفكرة تجعلنا ننظر إلى تلك المسافة بعيدة أو قريبة نسبة لأشياء، قد تكون منظورة أو غير منظورة بحسب العقل المفكِّر، تلك المسافة هي ذاتها في تقديري المسافة بين الطائفية والتعايش، يُمكن لمجتمعات أنْ تجعلها مسافة صفرية بحيث تصبح ضميرًا مُستترًا في أقل الأحوال، وتلتزم كل طائفة بمذهبها، وتحترم الأخرى، ولا تخرج إلى سياقات وحشية وعدائية بغيضة، ويُمكن في الوقت ذاته أنْ تتحوَّل إلى وَحْش يلتهم قيم التعايش والأمان.

وفي حالة التسامح كقاسم مُشترك يلغي المسافة الشاسعة بين الطائفية والتعايش، نجد أن نموذج الهند -على سبيل المثال- في التعايش مِثالي نسبيًّا في تطبيقات فكرة التعايش السلمي، وكان لتلك الدولة دَوْر مُهم في ترسيخه في أدبيات الأمم المتحدة ومنظوماتها لأمن وسلام الشعوب، من داخلها وفيما بينها، ولا شكَّ أننا وعَبْر التاريخ لدينا كثيرٌ من النماذج الفُضْلَى التي تَدْعَم الفكرة وتقصي الطائفية من خلال تعزيز الاحترام المتبادل؛ لأنَّ التعايش يعني ذلك الاحترام الذي يتعلَّق بالخيارات العقدية والسياسية، في ظل وجود قانون وتشريعات تلزم الجميع وتضعهم على صراطها المستقيم؛ بحيث لا يسمح بتجاوزها، أو في حالة الخروج عليها تكون العقوبات المنصوص عليها رادعة، وزاجرة، ومُهذِّبة للسلوكيات الخاطئة في حقوق الآخرين.
فالتعايش يحتاج للحوار الموضوعي الذي يَضَع القواسم المشتركة وعناصر التنافر على طاولة التشريح التشريعي؛ بحيث تتوافر البيئة الخصبة للأمن والأمان والاستقرار، وتكبح كلَّ من يَفْقِد السيطرة على نزعاته الطائفية المتطرِّفة التي لا تحترم قانوناً أو إنساناً، وتضعُه في نطاق التنفير الذي يقتات من الأحقاد والتصرفات التي تتضاد وتتعارض مع السلوكيات الإنسانية القويمة؛ فحين يكون هناك تشريع مُنظَّم ومهذَّب للقول والفعل، فإنَّنا نختصرُ بذلك تلك المسافة اللازمة للمقاربة الواقعية بين الطائفية والتعايش؛ فاختلاف المجتمعات من السُّنن الطبيعية لبني البشر في جميع مجتمعات العالم، وكثير منها وظَّف رواسب التاريخ والماضي لصالح التعايش وعدم العودة إلى الوراء؛ فكانت النتائج في صالح الاستقرار.

ولا يُمكن لمن يستعيد التاريخ بأحقاده أن يتعايش بصورة منطقية وواقعية مع الحاضر، يُمكن لكل المكونات البشرية والفكرية أنْ تَبْقَى على حالة التنافر، ولكنها لن تصل لبر الأمان مُطلَقا؛ ذلك مَنْطِق الأشياء والحقيقة، الطائفي البغيض يحتاج إلى البيئة العَكِرة التي تُؤجِّج المشاعر وتلهبها بسياط الكراهية، وهو غير مُتصالح مع نفسه مما يجعله غير مُتصالح مع الآخرين، يفتقر إلى التسامي على كل ما يتعارض مع التسامح بوصفه سلوكاً إنسانيًّا ودينيًّا يُعالج كثيرا من أزمات النفس البشرية المعقدة والمرهقة بأثقال الكراهية ورفض الآخرين؛ وذلك حال كلِّ من يَحْمِل حتى أدنى مقادير التطرُّف في فكرته ورؤيته الدينية والمذهبية.

النفس البشرية تحملُ أضدادا تجعلنا نميل أو ننحاز إلى الأشياء؛ فالخير فيها إلى أنْ يغلب الشر، ويتحوَّل الإنسان إلى تلك الحالة البوهيمية المتوحشة، وكأنه قُنبلة من الكراهية والرفض؛ ذلك حال المتطرِّف الذي لا يجد الخير إلا في القتل وإشاعة الكره في أنفس الآخرين، وتحفيزهم للخط السلوكي الذي يمضي فيه، لا يمكن أن نرى ذلك زيفا في فكر أو تضليلا في عقيدة، بقدر ما هو انهيار في البنية الإنسانية، وغلبة الأضداد السلبية المتنافرة على ما هو صحيح في الإنسان، كلُّ متطرف وطائفي يمتلك فقرًا دمويًّا قاتلاً في الخَيْر الإنساني، لا يسمح له بأنْ يكون جزءا من المجتمع أو الحل للتعايش؛ لأنه قُنبلة بشرية موقوتة، أو حالة “زومبي” قبيحة، لا يُمكن أن تحيا بسلام، ولا تجعل المجتمعات تحيا بسلام.

2,131 total views, 5 views today