د‭. ‬حسن‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

من‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تُواجه‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬عند‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والعلوم‭ ‬العقلية‭: ‬مسألة‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تُخالف‭ ‬الحدس،‭ ‬والحس‭ ‬العام،‭ ‬والعادة‭ ‬اليومية‭ ‬للحياة‭ ‬الاعتيادية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأجسام‭ ‬الكبيرة؛‭ ‬مثل‭ ‬حياتنا‭ ‬نحن‭.. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحالات،‭ ‬ستجد‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬كلَّ‭ ‬الظواهر‭ ‬وكامل‭ ‬النظرية‭ ‬العلمية؛‭ ‬بدعوى‭ ‬مُخالفتها‭ ‬الصريحة‭ ‬للعادة،‭ ‬وستجد‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬يقبل‭ ‬كلَّ‭ ‬التفسيرات‭ ‬الغريبة‭ ‬وكامل‭ ‬النظرية‭ ‬العلمية؛‭ ‬بدعوى‭ ‬أن‭ ‬النظرية‭ ‬مقبولة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرياضي‭ ‬والتقني،‭ ‬فكذلك‭ ‬تكون‭ ‬التفسيرات‭ ‬المقدَّمة‭ ‬لتلك‭ ‬الظواهر‭ ‬مقبولة،‭ ‬رغم‭ ‬غرابتها‭ ‬ومخالفتها‭ ‬الصريحة‭ ‬ليس‭ ‬للحدس‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬للعقل‭ ‬أيضا‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬السطور،‭ ‬نحاول‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬لتقديم‭ ‬ما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والعقل‭ ‬معا‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

وكما‭ ‬أسلفنا،‭ ‬فإنَّه‭ ‬يحدُث‭ ‬أثناء‭ ‬البحث‭ ‬أن‭ ‬الفيزياء‭ ‬ستطرح‭ ‬أمورا‭ ‬غريبة‭ ‬عما‭ ‬تعودنا‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬ستكون‭ ‬أمورًا‭ ‬مخالفة‭ ‬للحدس‭ ‬العام‭ ‬لنا؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬أنَّ‭ ‬الزمن‭ ‬شيء‭ ‬نسبي‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬وأبطأ‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الإلكترونات‭ ‬قد‭ ‬تمرُّ‭ ‬من‭ ‬مكانين‭ ‬مختلفين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭…‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬غريبة‭ ‬على‭ ‬عادات‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وطبعا‭ ‬ستقدم‭ ‬الفيزياء‭ ‬أدلتها‭ ‬المتمثلة‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الرياضيات،‭ ‬وتأييد‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬نستخدمها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬وكل‭ ‬ساعة‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتكون‭ ‬ممكنة‭ ‬لولا‭ ‬أنها‭ ‬بُنيت‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬النظريات‭ ‬الفيزيائية‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬غريبة‭ ‬لنا‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬وربما‭ ‬طوال‭ ‬الوقت؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬مرغمين‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬أمور‭ ‬غريبة‭ ‬كنا‭ ‬سنصنفها‭ ‬أغرب‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬أو‭ ‬سنصفها‭ ‬سابقا‭ ‬كأساطير‭ ‬وأوهام،‭ ‬وعندما‭ ‬نقبل‭ ‬تلك‭ ‬الأمور‭ ‬الغريبة‭ ‬والعجيبة،‭ ‬فهل‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬سنتخلى‭ ‬عن‭ ‬أداة‭ ‬العقل،‭ ‬ونقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬غريب‭ ‬سيقوله‭ ‬عالم‭ ‬بالفيزياء،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬أمرا‭ ‬يرفضه‭ ‬العقل؟

هنا‭.. ‬لا‭ ‬بُد‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬تقسيم‭ ‬الأمور‭ ‬المخالفة‭ ‬للحدس‭ ‬إلى‭ ‬قسمين‭:‬

1‭- ‬أمور‭ ‬تخالف‭ ‬الحدس‭ ‬العام،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تخالف‭ ‬العقل‭ (‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مانع‭ ‬عقلي‭ ‬لها‭).‬

2-‭ ‬أمور‭ ‬تخالف‭ ‬الحدس‭ ‬العام،‭ ‬وأيضا‭ ‬تخالف‭ ‬العقل‭ (‬يوجد‭ ‬مانع‭ ‬عقلي‭ ‬لها‭).‬

ولنأخذ‭ ‬مثالا‭ ‬للقسم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الفيزياء‭ ‬الكمية‭: ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الشقين‭ ‬يمر‭ ‬الإلكترون‭ (‬وجسيمات‭ ‬أكبر‭ ‬حجما‭) ‬من‭ ‬الشق‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬فيه‭ ‬نفس‭ ‬الإلكترون‭ ‬من‭ ‬الشق‭ ‬الثاني؛‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬يتواجد‭ ‬في‭ ‬مكانين‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬وهذا‭ ‬بالطبع‭ ‬مخالف‭ ‬للحدس‭ ‬العام‭ ‬والمألوف‭ ‬والمعتاد‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأجسام‭ ‬والجسيمات،‭ ‬ولكن‭: ‬هل‭ ‬يخالف‭ ‬العقل،‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬له‭ ‬امتناع‭ ‬عقلي؟

نفس‭ ‬الفيزياء‭ ‬تفسِّر‭ ‬مسألة‭ ‬ماهية‭ ‬الإلكترون‭ ‬بأن‭ ‬له‭ ‬طبيعة‭ ‬مزدوجة،‭ ‬جسيمية‭ ‬وموجية؛‭ ‬فبالطبيعة‭ ‬الجسيمية‭ ‬ينتج‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬خاصة‭ ‬آثار‭ ‬الجسيمات‭ ‬وكأنها‭ ‬كرات‭ ‬صغيرة‭ ‬صلبة،‭ ‬وبالطبيعة‭ ‬الموجية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬خاصة‭ ‬أخرى‭ (‬كما‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الشقين‭)‬،‭ ‬تنتج‭ ‬لنا‭ ‬آثار‭ ‬الموجات‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬أو‭ ‬الهواء‭ ‬أو‭ ‬الفضاء‭ ‬بشكل‭ ‬تتواجد‭ ‬فيه‭ ‬الموجات‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ماهية‭ ‬الإلكترون‭ ‬ليست‭ ‬ماهية‭ ‬الجسيمات‭ ‬فقط،‭ ‬وليست‭ ‬ماهية‭ ‬الموجات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬للإلكترونات‭ ‬ماهية‭ ‬شيء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬آثار‭ ‬الجسيمات‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معينة،‭ ‬وآثار‭ ‬الموجات‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬أخرى،‭ ‬والطبيعة‭ ‬الموجية‭ ‬لا‭ ‬تتنافى‭ ‬مع‭ ‬كون‭ ‬الموجة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬أمواج‭ ‬البحر‭ ‬مثلا‭.. ‬مثال‭ ‬توضيحي‭ ‬جيد‭ ‬للأشياء‭ ‬ذات‭ ‬الطبائع‭ ‬المتعددة؛‭ ‬هو‭: ‬الماء؛‭ ‬فالماء‭ ‬طبيعته‭ ‬سائلة‭ (‬بشكل‭ ‬عام‭) ‬في‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬الغرفة،‭ ‬دلكنه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬جامدة‭ ‬صلبة‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬تحت‭ ‬الصفر،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬غازية‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬عالية،‭ ‬بل‭ ‬إنك‭ ‬لو‭ ‬اختبرت‭ ‬كمية‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬كأس‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬الغرفة،‭ ‬ستجد‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬كمية‭ ‬الماء‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬سائلة‭ ‬تراها‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الكأس،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬كمية‭ ‬ضئيلة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬جسيمات‭ ‬صغيرة‭ ‬تتقافز‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭ ‬السائل،‭ ‬وتكون‭ ‬طبقة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬البخار‭ (‬الحالة‭ ‬الغازية‭)‬؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الماء‭ ‬يتواجد‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬مخالفا‭ ‬للعقل؛‭ ‬لأن‭ ‬ماهية‭ ‬الماء‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بإنتاج‭ ‬آثار‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬فيزيائية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الإلكترون‭ ‬والجسيمات‭ ‬الصغيرة‭ ‬الأخرى‭ ‬لها‭ ‬ماهية‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بإنتاج‭ ‬آثار‭ ‬جسيمية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معينة،‭ ‬وآثار‭ ‬موجية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬أخرى،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يخالف‭ ‬العقل‭.‬

لنأخذ‭ ‬الآن‭ ‬مثالا‭ ‬على‭ ‬القسم‭ ‬الثاني‭ (‬مخالف‭ ‬للحدس‭ ‬وممتنع‭ ‬عقلا‭): ‬افترض‭ ‬أنَّني‭ ‬أخبرتك‭ “‬أن‭ ‬إلكترونا‭ ‬ما‭ ‬موجود‭ ‬وغير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭”‬،‭ ‬أو‭ “‬أن‭ ‬نجما‭ ‬ما‭ ‬موجود‭ ‬ومعدوم‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭”‬،‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭ ‬مُخالف‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬للحدس،‭ ‬ونقول‭ ‬أيضا‭ ‬إنه‭ ‬ممتنع‭ ‬عقلا؛‭ ‬لأنه‭ ‬يتطلب‭ ‬اجتماعَ‭ ‬شيئين‭ ‬نقيضين‭. ‬قد‭ ‬تقول‭: ‬ما‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭ ‬أمر‭ ‬ممتنع؟‭ ‬وسيكون‭ ‬الجواب‭ ‬أنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬أمر‭ ‬بديهي‭ ‬أوَّلي‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬إثباته‭ ‬ولا‭ ‬يُمكن‭ ‬نفيه،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لنفيه‭ ‬ستنتهي‭ ‬بنتيجة‭ ‬إثباته‭. ‬إن‭ ‬حاولت‭ ‬للحظة‭ ‬أن‭ ‬تُوْهِم‭ ‬نفسك‭ ‬بأنك‭ ‬تقبل‭ ‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭ ‬فإنك‭ ‬ستواجه‭ ‬النتيجة‭ ‬التالية؛‭ ‬وهي‭: “‬إن‭ ‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭ ‬ممكن‭ ‬وغير‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭”‬؛‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬تطبيق‭ ‬مباشر‭ ‬للأمر‭ ‬الذي‭ ‬تقبلته‭.. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فأنت‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬عبارة‭ “‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭ ‬ممكن‭” ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬صحيحة‭ ‬وغير‭ ‬صحيحة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وأنت‭ ‬بنفسك‭ ‬الذي‭ ‬حاولت‭ ‬قبول‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭: ‬موجود‭ ‬وغير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وأنت‭ ‬تقبل‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يزعجك‭ ‬ولا‭ ‬يزعجك‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬تمل‭ ‬من‭ ‬كلامي‭ ‬المتكرِّر،‭ ‬ولا‭ ‬تمل‭ ‬من‭ ‬كلامي‭ ‬المتكرِّر‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

هل‭ ‬حقا‭ ‬أحتاج‭ ‬للاسترسال‭ ‬في‭ ‬الشرح،‭ ‬أم‭ ‬أنَّك‭ ‬مُتيقن‭ ‬مثلي‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أمرًا‭ ‬مُخالفا‭ ‬للحدس،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬ممتنع‭ ‬عقلا،‭ ‬ولا‭ ‬يقبله‭ ‬شخص‭ ‬عاقل؟

في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬لو‭ ‬قرأت‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬ألَّفها‭ ‬عالم‭ ‬فيزياء‭ ‬كبير‭ ‬ومشهور‭ ‬جدا‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭: “‬أن‭ ‬الكون‭ ‬أوجد‭ ‬نفسه‭ ‬بنفسه‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬شيء‭”‬،‭ ‬والتي‭ ‬لو‭ ‬تأمَّلت‭ ‬فيها‭ ‬ستجد‭ ‬أنها‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬الكون‭ “‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موجودا؛‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬للقيام‭ ‬بمهمة‭ ‬إيجاد‭ ‬نفسه‭ ‬غير‭ ‬الموجودة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يوجدها‭”‬،‭ ‬وهذا‭ ‬يستلزم‭ “‬أن‭ ‬الكون‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬وغير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬من‭ ‬مصاديق‭ ‬القول‭ ‬بإمكانية‭ ‬اجتماع‭ ‬النقيضين‭.. ‬هل‭ ‬تقبل‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ (‬المخالف‭ ‬للعقل‭) ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬صادرا‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬مشهور؟‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنك‭ ‬ستقبل‭ ‬إهانة‭ ‬عقلك‭ ‬بقبول‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬واضح‭ ‬البطلان،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬تصريح‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬هو‭ ‬تصريح‭ ‬علمي،‭ ‬ولا‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صحيحا‭ ‬بالضرورة‭.‬

وبالتالي؛‭ ‬رأينا‭ ‬أن‭ ‬العبارات‭ ‬التي‭ ‬تقابلنا‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة‭ -‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭- ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مخالفة‭ ‬للحدس‭ ‬والمألوف،‭ ‬لكن‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العقلية،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬مخالفة‭ ‬للحدس‭ ‬والمألوف‭ ‬وأيضا‭ ‬مخالفة‭ ‬للعقل‭ ‬أو‭ ‬ممتنعة‭ ‬عقلا‭.. ‬وكما‭ ‬رأينا‭ ‬من‭ ‬المثالين‭ ‬السابقين،‭ ‬فإننا‭ ‬نستطيع‭ ‬قبول‭ ‬النوع‭ ‬الأول،‭ ‬لكننا‭ ‬نرفض‭ ‬النوع‭ ‬الثاني‭.‬

كان‭ ‬النقاش‭ ‬الفائت‭ ‬في‭ ‬تعارض‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬مع‭ ‬الممتنعات‭ ‬العقلية‭ (‬الأمور‭ ‬المستحيلة‭ ‬عقلا‭)‬؛‭ ‬لنناقش‭ ‬الآن‭ ‬تعارض‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬مع‭ ‬الضرورات‭ ‬العقلية‭ (‬الأمور‭ ‬الواجبة‭ ‬والضرورية‭ ‬عقلا‭)‬؛‭ ‬حتى‭ ‬نستطيع‭ ‬الخروج‭ ‬بنتيجة‭ ‬شاملة‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬بالعقل‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الامتناع‭ ‬العقلي،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬الضرورة‭ ‬والوجوب‭ ‬العقلي‭.‬

كلنا‭ (‬وأعني‭ ‬كلنا‭ ‬بلا‭ ‬استثناء؛‭ ‬وهذا‭ ‬يشمل‭ ‬حتى‭ ‬الملحد،‭ ‬والشاك،‭ ‬واللاأدري،‭ ‬والمنصف،‭ ‬والمكابر‭) ‬يُؤمن‭ -‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭- “‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬أمرٍ‭ ‬حادثٍ‭ ‬سببا‭ ‬وعِلة‭”‬،‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬حادث‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬عليه‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬حالته؛‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬من‭ ‬الخفاء‭ ‬إلى‭ ‬الظهور،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬التواجد‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬التواجد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬مختلفة،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬كيفما‭ ‬كان؛‭ ‬وبالتالي‭ “‬فإن‭ ‬كل‭ ‬أمر‭ ‬يثبت‭ ‬لنا‭ ‬وجود‭ ‬تغيُّر‭ ‬فيه،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬التغير‭ ‬فيه‭ ‬محتاج‭ ‬لعلة‭ ‬لإجراء‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭”. ‬فإنْ‭ ‬ثبُت‭ ‬لك‭ ‬حصول‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الكون‭ ‬حسب‭ ‬نظريات‭ ‬الفيزياء‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬الكون‭ ‬المادي‭ ‬وُجِد‭ ‬بالانفجار‭ ‬العظيم،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيُثبت‭ ‬لك‭ ‬أنَّ‭ ‬الكون‭ ‬حادث،‭ ‬وأنه‭ ‬بالتالي‭ ‬محتاج‭ ‬لمُحْدِث‭ ‬أو‭ ‬لعِلَّة‭ ‬تُوْجِده‭.‬

ولكن،‭ ‬قد‭ ‬تقول‭ ‬إنك‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بقاعدة‭ ‬أن‭ ‬الحادث‭ ‬يحتاج‭ ‬لعلة،‭ ‬وأنك‭ ‬اندهشت‭ ‬عندما‭ ‬قرأت‭ ‬ادعائي‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬يُؤمن‭ ‬بها‭ ‬الجميع‭ ‬بلا‭ ‬استثناء‭ ‬حتى‭ ‬المنكِر‭ ‬لها‭ ‬ظاهريًّا‭.. ‬نعم،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أتمسك‭ ‬به،‭ ‬فلو‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬شخصا‭ ‬ما‭ ‬ينكر‭ ‬قاعدة‭ ‬احتياج‭ ‬الحادث‭ ‬للعلة،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬عبور‭ ‬شارع‭ ‬مزدحم،‭ ‬وتناهى‭ ‬إلى‭ ‬سَمعه‭ ‬صوت‭ ‬بُوق‭ ‬سيارة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اليمين،‭ ‬وصوت‭ ‬محرك‭ ‬سيارة‭ ‬مُسرعة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اليسار،‭ ‬فهل‭ ‬تعتقد‭ ‬حقا‭ ‬أنه‭ ‬سيتجاهل‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬بحجة‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬لا‭ ‬تدل‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬سيارة‭ ‬متحركة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجهة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬تلك،‭ ‬وسيقوم‭ ‬فعلا‭ ‬بعبور‭ ‬الشارع‭ ‬وهو‭ ‬يحس‭ ‬بالأمان‭ ‬التام‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬سيارة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تهشم‭ ‬عظامه؟

إنْ‭ ‬كُنت‭ ‬ستنكر‭ ‬حاجة‭ ‬الحوادث‭ ‬للعلل،‭ ‬فلتكن‭ ‬مُستعدا‭ ‬لأن‭ ‬تنكر‭ ‬أي‭ ‬مؤشر‭ ‬لوجود‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬حولك،‭ ‬وتتجاهل‭ ‬تلك‭ ‬المخاطر‭ ‬وتعيش‭ ‬بأمان‭ ‬تام‭. ‬ولو‭ ‬كنت‭ ‬فعلا‭ ‬كذلك،‭ ‬فلا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنك‭ ‬ستعيش‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لنُكمل‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬والتعازي‭ ‬لذويك‭.‬

وهذا‭ ‬يُوصلنا‭ ‬إلى‭ ‬خُلاصة‭ ‬مهمَّة‭ ‬جدا؛‭ ‬وهي‭: ‬أن‭ ‬المسطرة‭ ‬التي‭ ‬سنستعملها‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬الغريبة‭ ‬وغير‭ ‬المألوفة‭ ‬بالعلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ستكون‭ ‬مسطرة‭ ‬العقل‭ ‬وأداة‭ ‬العقل،‭ ‬ولا‭ ‬يهمُّنا‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬أو‭ ‬آمن‭ ‬بتلك‭ ‬العبارة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬العلمية‭ ‬الكبيرة‭. ‬إنْ‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬مُمتنعا‭ ‬عقليًّا‭ ‬فهو‭ ‬مرفوض،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مُمكنا‭ ‬عقليا‭ ‬عندها‭ ‬قد‭ ‬نقبل‭ ‬أو‭ ‬نرفض‭ ‬الأمر‭ ‬حسب‭ ‬الدليل‭ ‬المتوفر‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭.‬

إذن؛‭ ‬صلاحيات‭ ‬العقل‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬صلاحيات‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية؛‭ ‬فالعقل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يَسْمح‭ ‬لنا‭ ‬بقبول‭ ‬أمور‭ ‬ورفض‭ ‬أمور‭ ‬من‭ ‬الادعاءات‭ ‬والأطروحات‭ ‬التي‭ ‬تُطرح‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار‭: ‬يُمكن‭ ‬للعلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬مادامت‭ ‬لا‭ ‬تخالف‭ ‬العقل،‭ ‬ولكن‭ ‬إن‭ ‬أصدر‭ ‬العقل‭ ‬حكمه‭ ‬بامتناع‭ ‬شيء،‭ ‬فإنه‭ ‬يقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬العلوم‭ ‬التجريبية‭ ‬بقبول‭ ‬ذلك‭ ‬الشيء‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬أصدر‭ ‬العقل‭ ‬حكمه‭ ‬الجازم‭ ‬بوجوب‭ ‬أو‭ ‬ضرورة‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬فإنه‭ ‬يُصبح‭ ‬لزاما‭ ‬علينا‭ ‬قبوله‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬عجزت‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬عن‭ ‬إثباته‭ ‬أو‭ ‬تشخيصه‭.‬‭ ‬

609 total views, 2 views today