IMG-20140525-WA0008

د. حسن أحمد اللواتي

يعلمُ أيُّ طالبٍ لم يُحرز تخرجه في كلية العلوم أنَّ معيار نطاق العلوم الطبيعية هو ما يُمكن مُلاحظته من الحواس، وقياسه بالأجهزة، وإخضاعه للتجربة، وما خلا ذلك فليس من شأن العلوم الطبيعية، وهو أمرٌ صحيحٌ لا غُبار عليه، ولا يكاد يختلف في ذلك اثنان، ولكن عندما يَدَّعي أحدهم أنَّ الوجود منحصر بما يُمكن للعلوم الطبيعية أن تتعامل معه بالوسائل المذكورة، فإنه يحصرُ الوجود في الطبيعة والوجود المادي المحسوس، ولازم هذا الكلام نفيُّ أيِّ وجود آخر خارج نطاق الطبيعة والمحسوس بالحواس والأجهزة، وهذا -كما يتضح- ادعاءٌ غير قائم على أساس علمي، فضلا عن قيامه على أي أساس عقلي؛ فنفس الادعاء بأن “الوجود منحصر بالمادة والطبيعة” لا يُمكن إخضاعه لمقاييس البحث الطبيعي والعلمي، وليس شيئا يمكن رصده بالأجهزة أو مراقبته بالحواس لنا، فهو مخالف لمضمونه أولاً وأخيراً.

ولكن ليست هذه هي العقبة الوحيدة أمام هذا الادعاء، مع أنها كافية جدًّا لتبيان بطلانه؛ فكثير من الأمور التي تتعامل معها العلوم الطبيعة تستعصي دراستها بالعلوم الطبيعية.

خُذ مثلا مفهوم “المادة”؛ فمع أنَّ العلوم الطبيعية لا تتعامل مع أي شيء غير مادي -وهذا الادعاء السابق ذكره ينفي وجود شيء خارج إطار المادة- إلا أنَّ نفس ماهية المادة غير معروفة، وكل ما يُمكن التعامل معه علميا هو خصائص المادة المحسوسة والخارجية. وبمصطلحات الفلاسفة؛ فإنَّ جَوْهر المادة الفيزيائية ليس في متناول يد العلوم الطبيعية، وإنما فقط عوارضها الخارجية الممتثلة في صفاتها التي يُمكن رصدها وملاحظتها بالحواس والأجهزة، ونفس الإشكال يجري في العديد من المفاهيم الفيزيائية؛ من قبيل: الطاقة ومجالاتها، والأمواج، والأجسام…وما إلى ذلك.

إلا أنَّنا لن نتوقَّف في مناقشة هذه الفكرة (وهي انحصار الوجود في الوجود المادي والطبيعة، وعدم وجود أي شيءٍ خارجها) على هذه الإشكالات الأولية والتي هي نقضيَّةٌ بطبعها، وإنما لنحاول أن نبحثها بمنهج حَلِّي (لا نقضي).

فمن المعروف بالمنطق أنَّ القضية الموجبة الكلية تنتقض بالسالبة الجزئية (1)، وأنَّ السالبة الكلية تنتقض بالموجبة الجزئية؛ فمثلاً في قولنا (كل البجعات بيضاء) -وهي قضية موجبة كلية- فإننا لو وجدنا بجعة واحدة فقط سوداء (أو بلون غير أبيض)، لصح أن نقول (ليس بعض البجع أبيضَ) وهي سالبةٌ جزئية؛ وبالتالي يثبُت خطأ القضية الموجبة الكلية (كل البجعات بيضاء)، وكذلك لو قلنا (لا شيء من الحيوانات يأكل النباتات) وهي قضية سالبة كلية، فإنَّنا لو وجدنا فرداً واحداً من الحيوانات يأكل النباتات لصح أن نقول (بعض الحيوانات يأكل النباتات)؛ وعليه يثبُت خطأ وكذب القضية السالبة الكلية (لا شيء من الحيوانات يأكل النباتات).

وفي موضوع بحثنا، نستطيع أن نصيغ قضية كلية من الادعاء الذي نناقشه؛ فبإمكاننا أن نصيغ موجبة كلية (كل الوجود مادي) [أو سالبة كلية (لا شيء من الوجود غير مادي)] ومعناها واحد؛ فإذا استطعنا أنْ نثبت أنَّ هناك شيئاً واحداً فقط على الأقل غير ماديٍ في الوجود؛ لكان ذلك كافياً لإثبات خطأ الادعاء المذكور؛ حيث تكون (بعض الوجود غير مادي) [أو (ليس بعض الوجود ماديا)] هي القضية الجزئية المطلوبة لإثبات خطأ القضية الكلية؛ فهل نستطيع إيجاد شيءٍ يمكننا إثبات كونه غير ماديٍ؟

العلم: ماديٌّ أم غير ماديٍّ؟

أفضلُ ما يتم طرحه كموجود غير مادي هو العلم: هل العلم أمرٌ ماديٌ مثله مثل أي شيءٍ ماديٍ حولنا، أم أنه مجردٌ عن المادة؟ سنمهِّد ببضع مقدِّمات منهجية أولاً.

هل العلم شيءٌ حقيقيٌ، أم أنه أمرٌ اعتباريٌّ لا حقيقة له؟ إنْ قُلنا إنَّ العلم وَهْم لا حقيقة له، للزم من ذلك أن العالم والجاهل سواء، ولا فرق بينهما إلا مجرد اعتبارٍ واتفاقٍ وتسالمٍ مثل ألوان إشارات المرور. لسببٍ ما، نَصِفُ أحدهم بأنه عالم ونَصِفُ الثاني بأنه جاهلٌ، لا لوجود فرق حقيقي بينهما، وإنما لأننا اتفقنا فقط على ذلك، وكان بإمكاننا أيضاً أن نتَّفق على العكس؛ فنَصِفُ الأول بالجاهل والثاني بالعالم. فهل هذا أمرٌ مقبولٌ؟ لا أعتقد أنَّ من تكبَّد عناء قراءة هذه المقالة الممِّلة، ووصل إلى هذا السطر بالتحديد منها، يقبل ذلك، وإلا لما كلَّف نفسه هذه المشقة، وفضَّل أن يفعل شيئا حقيقيا آخر مثل شرب قدح من القهوة، ولكن لأنَّ العلم شيء حقيقي وذو وجودٍ خارجيٍ واقعيٍ، فإنه شيءٌ يدَّعيه كل أحد حتى الجاهل، ولو لم يكن في العلم حقيقةٌ لما فعل ذلك، إذن الخلاصة أنَّ العلم له واقعٌ خارجيٌّ حقيقيٌّ.

معيار التصنيف: كيف نصنِّف الأشياء إلى مادية وغير مادية؟ وما هي المعايير التي نستخدمها لذلك؟ الجواب هو ماهيات تلك الأشياء وذواتها.. تعرَّف الماهية على أنها ما يُقال في جواب السؤال: “ما هو؟”؛ فحين نسأل: ما هو الإنسان؟ فإن الجواب الذي يقدَّم عادة “حيوان ناطق” هو ماهية الإنسان ويعبِّر عن الماهية أيضا بذات الشيء؛ إذن من خلال التعرُّف على ماهية الشيء سنعلم إن كان ماديًّا أو مجردًا، بَيْد أنَّنا نُواجه هنا مشكلة في التعرُّف على ماهية الأشياء بشكل منطقي؛ فالتعرف على ماهية الأشياء “متعسِّر، بل متعذِّر” بتعبير علماء المنطق، ولو بحثت في كتب المنطق عن أمثلة للماهيات غير عبارة “الإنسان حيوان ناطق” لما وجدتها، على الأقل لم أجدها أنا، والسبب هو أننا لا نملك أدوات كافية للتعرُّف على ماهية الأشياء، نعم نحن نستطيع وجدانا أن نتعرَّف على بعض الأشياء وماهياتها كتعرفنا على أصناف وأفراد الحيوانات المختلفة، ولكن يصعُب علينا أنْ نعبِّر بألفاظ محدَّدة جامعة مانعة ماهيات تلك الأشياء، ولدينا أمثلة كثيرة على أمور اختلف في تصنيفها في مملكة الحيوان والجراثيم والجسيمات الذرية…وغيرها؛ لأنَّ ماهياتها غير معروفة لدينا، ولكن هناك حلول جزئية لمشكلة الماهية وهي كافية للوصول للغرض المطلوب من الماهية؛ ففي الحالات التي لا تكون ماهية الشيء معروفة تماما أو بعبارة علماء المنطق فإن تعريف الشيء “الحد التام للشيء (1) لا يكون متوفرا” فإننا نلجأ إلى ما يُسمَّى بـ”الحد الناقص”؛ وهو عبارة عن تحديد خواص الشيء ومميزاته، ومن خلال دراسة الأشياء عقليًّا وتجريبيًّا، نستطيع أن نحدِّد خواصها المختلفة. وللتمكُّن من تصنيف العلم، فإنَّ علينا أن نقارن خواص العلم بخواص المادة، فإن تطابقت الخواص علمنا أنَّ العلم مادي، وإن اختلفت الخواص علمنا أن العلم غير مادي.

خصائص العلم وخصائص المادة:

المادة قابلة للانقسام إما خارجًا أو تخيُّلا أو عقلا: فأمَّا الانقسام الخارجي، فهو مثل كسر الشيء أو تقطيعه إلى أجزاء، وكلنا يفهم هذا النوع. أمَّا الانقسام التخيلي فهو إمكانية الذهن أن يتخيَّل انقسامَ الشيء إلى قسمين -حتى وإن لم يكن عمليا إجراء تلك القسمة بالأدوات المتوفرة في زمان ما- فمثلا كانت الجسيمات الذرية مثل البروتونات غير قابلة للانقسام في وقت ما، ولكن كان من الممكن أن نتخيَّل ذلك الانقسام ذهنا، ومع مرور الوقت فإنَّ توافر أدوات مثل مصادم الهادرونات الكبير بين فرنسا وسويسرا مكَّننا من كسر البروتونات إلى جسيمات أصغر، أو بعبارة أخرى نقل القسمة من الذهنية إلى الخارجية. أما القسمة العقلية، فهي عدم وجود مانع عقلي من قابلية الشيء للانقسام حتى وإن لم تتوافر الأدوات العملية خارجا لتنفيذ تلك القسمة، وحتى لو لم يكن الذهن قادرا على تخيُّل تلك القسمة بسبب ضعف المخيلة، والنقاش العقلي الذي يدعم صحة القسمة العقلية للأشياء هو أنَّ أيَّ شيء له حدود (حد دون حد بتعبير الفلاسفة) فإنه قابل للانقسام بين الحدين، وبعبارة بسيطة من الحياة اليومية: خذ أيَّ شيء مادي أمامك، وستجد أنَّ له حدًّا من اليمين وحدًّا من اليسار؛ وبالتالي فإنَّه لا يوجد مانع عقلي من قابلية ذلك الشيء أن ينقسم بين هذين الحدين، وحتى لو تدرَّجنا في تصغير الأحجام، فإنَّ كلَّ شيء له حدَّان فإن عند تقسيمه سيُوْجَد شيئان لكل منهما حدَّان على الأقل، ومهما بالغنا في الصِّغر، فإنَّ الشيء الصغير سيكون ناتجا عن انقسام شيء أكبر منه وله حدان على الأقل؛ وبالتالي سيكون للشيء الأصغر حدَّان أيضا على الأقل، وسيكون قابلا -عقلا- أن ينقسم بينهما؛ إذن فالأشياء المادية قابلة للانقسام بطريقة أو بأخرى.

لننظر الآن إلى العلم، ونختبر قدرته وقابليته للانقسام إلى أجزاء، إنَّ بإمكاننا أنْ نمزِّق الورقة أو الكتاب (أو أي شيء مادي استخدمناه لتوثيق وتسجيل وترميز المعلومات من قبيل قرص التخزين بالحاسب الآلي أو رقعة جلد أو قطعة حجر استخدمت للكتابة أو النحت) إلى أجزاء صغيرة، ولكن نفس المعلومة التي تمَّت كتابتها أو الترميز لها لن تنقسم، وستظلُّ لها وحدة حقيقية غير قابلة للانقسام.. تخيَّل في ذهنك معلومة تصورية (2) مثل الرقم 5، هل تستطيع أن تقسِّم المعلومة إلى قسمين؟ الجواب لا، ولو تبادر إلى ذهنك أن 5 تنقسم إلى 3 و2 أو إلى 4 و1 فأنت مُخطئ؛ لأنَّ هذه معلومات جديدة ومستقلة بحد ذاتها، وليست أجزاء للمعلومة الواحدة والتي هي تصوُّرك عن الرقم 5، وكذلك الأمر لو تناولت معلومة تصديقية (2).

من خصائص المادة أنها في تحرُّك وتغيُّر دائميْن، الجسيمات الذرية في حركة سريعة وخاضعة لتغيرات من شكل لآخر، وتتبادل مع بعضها جسيمات قوى تسمَّى بـ”البوزونات” طوال الوقت، وحتى ما يَبْدو لنا كفراغ كامل فإنه ليس فراغا على الإطلاق؛ فهناك جسيمات افتراضية (وجسيمات افتراضية مضادة) تنشأ في الفراغ طوال الوقت بما يُشبه سطح الماء في حالة الغليان، وسرعان ما تحتفي هذه الجسيمات الافتراضية خلال زمن بالغ بالصغر، مُخلِّفة وراءها أثرا إشعاعيا صغيرا.

وفي المقابل، فإنَّنا نجد أنَّ العلمَ لا يتغيَّر، ومع أنه قد يتبادر إلى ذهنك أنَّ التطوُّر بالعلوم هو أكبر دليل على تغيُّر العلم من حالة لحالة، ولكن ذلك خلط بين تغيُّر المعلومة نفسها وبين اكتشاف معلومة جديدة لم تكن معروفة سابقا بحيث يتغيَّر عنوان المعلومة الأولى من الصحيح إلى الخاطئ، ومن الجديد إلى القديم، ولكن تغيُّر الوصف والعنوان للمعلومة ليس نفسه تغيُّراً بالمعلومة ذاتها، فلو كنت بالأمس تعتقد أن 1+1=3، ثم اكتشفت اليوم أنَّ 1+1=2، فإنَّ ذلك لا يعني أن العبارة الأولى اضمحلَّت واختفتْ، وإنما تغيَّر تصنيفها من عبارة صحيحة إلى عبارة خاطئة، والدليل على عدم تغيُّرها أننا ما زلنا اليوم نستطيع تذكرها كما كانت بالأمس، ونستطيع أن نضعها في مقارنة مع العبارة الأخرى، ولو كانت تغيَّرت لما استطعنا ذلك أبدا، وهذا يدلُّ على أنَّ العلم يتغيَّر، بخلاف المادة التي من صميم صفاتها التغيُّر والحركة.

ومن خصائص المادة أنَّ لها صفاتٍ زمانيةً ومكانيةً؛ حيث يُمكن أن نُخصِّص للجسيمات المادية صفاتٍ مكانيةً في الأبعاد الثلاثة، وبُعداً زمانيًّا واحداً، ومع أنَّ الفيزياء الكمية -وبالذات مبدأ الشك لهايزنبرج- يمنع أن نحدِّد موقع الجسيم وسرعته في أي وقت مُحدَّد بالدقة المطلوبة، فإنه لا يمنع أن نضع احتمالات رياضية مُحدِّدة لموقع الجسيم وسرعته، وبعبارة أخرى فإنَّ مبدأ الشك والفيزياء الكمية لا تمنعان وجود الجسيمات في المكان والزمان، وإنما تضعان قيودا على دقة المعرفة، ولكن لا تُخرجان الجسيم من إطار المكان والزمان مطلقا.

وفي المقابل، فإنَّ العلمَ ليس أمراً يُمكن تأطيره بالمكان والزمان، فهو موجود لا-مكاني ولا-زماني، ومع أنَّ أدوات حفظ المعرفة قد تكون أدوات مادية -مثل: الكتابة على الورق، أو الترميز على قرص ممغنط، أو النحت على حجر، أو النقش على قطعة جلد؛ وبالتالي تكون أدوات مكانية وزمانية- إلا أنَّ نفسَ المعلومة ليست مما يخضع لقوانين المكان والزمان.

ومن ناحية أخرى، فإنَّنا نجد أنَّ الأمور التي تخضع للمكان والزمان إنما تخضع لقوانين خاصة في تنقلاتها داخل الإطار المكاني والزماني؛ فمثلا عندما تنقل الكتاب من الطاولة إلى رف المكتبة فإنك تزيل وجود الكتاب من الطاولة وتضيف وجوده إلى رف المكتبة، وبعبارة أخرى فإنَّ الكتاب ينعدم من الطاولة ليوجد في رف الكتب، وهذا النوع من الانتقال يُسمَّى “التجافي”، في حين أنَّ العلم حين ينتقل من ذهن المعلِّم إلى ذهن الطالب فإنه لا يفقد وجوده في ذهن المعلِّم ولا ينعدم لديه، وهو ما يُسمَّى بـ”الانتقال بالتجلي”، وواضح أنَّ الانتقال بالتجلي ليس من صفات المادة.

الطاقة مادةٌ أيضاً

لا بُدَّ أنَّ بعضنا انتبه أثناء قراءته لخصائص المادة أنَّ الطاقة أيضا نَوْع من أنواع المادة، ولكن الطاقة لا تشغل حيزًا من المكان، كما أنَّها ليست بالأمر القابل للانقسام، فهل ينقض ذلك استدلالنا على تجرُّد العلم؟ لنحاول الإجابة عن ذلك من خلال ما يلي:

– لا يُشترط أنْ تنطبقَ جميع الأدلة على كل المصاديق؛ فيكفي أن ينطبق شيء واحد من الأدلة على الطاقة لنعلم أنَّ العلم ليس بمادي، وعند الرجوع للنقاط التي قدَّمنها للدلالة على أنَّ طبيعة العلم مخالفة لطبيعة المادة، نجد أنَّ مسألة التغيُّر والتبدُّل تنطبقُ على الطاقة؛ فالطاقة في تغيُّر دائم ومستمر من شكل لآخر كما نعلم جيدا، ولكن العلم لا يتغيَّر ولا يتبدَّل؛ لذا فلو لم يكن لدينا أي دليل آخر لكان ذلك كافيا جدا لاستبعاد العلم من فئة المادة والطاقة.

وبالرغم من أنَّ الطاقة لا تشغل الحيز المكاني، إلا أنها تتحوَّل إلى جسيمات تشغل الحيز المكاني؛ فالطاقة والمادة وجهان لعملة واحدة، وكما أنَّه يُمكن للجسيمات أن تتحوَّل إلى طاقة صرفة من خلال التقائها بالجسيمات المضادة، فإنَّ الطاقة أيضا تتحوَّل إلى جسيمات مادية لها صفات المكان والزمان، وهذا يدلُّ على أنَّ الطاقة وإن كانت لا تتصرَّف بشكل مكاني في وقت ما، إلا أنها تسلك ذلك السلوك في وقت آخر حينما تكون بشكل آخر.

وبذلك نكون قد أثبتنا أنَّ العلم أمرٌ مجرَّد وغير مادي، ومع ثبوت شيء واحد غير مادي في الوجود نستطيع القول بأنَّ عبارة “كل الوجود مادي” هي عبارة خاطئة، وأن جزءا من الوجود غير مادي، وقد يكون هذا الجزء غير المادي صغيرا أو كبيرا، ولكن ذلك لا يعنينا في هذه اللحظة وله بحثه الخاص ونقاشه الخاص، ومن المؤكَّد أن هناك نتائجَ تترتب على ما وصلنا إليه في هذا المقال، وتبعات إبيستمولوجية وأنطولوجية، وسنخصِّص لها مقالًا آخر إنْ شاءَ الله تعالى.

————————

الهوامش:

1- مُحمَّد رضا المظفر، “المنطق”.

2- تنقسمُ المعلومات إلى: تصورية، وتصديقية؛ فتصورك للسماء والماء مثال على التصور الذي لا يقبل الصدق والكذب (الصحة والخطأ)؛ لأنه مجرد تصور لا حُكم فيه، ولكن حين تقول أو تفكر في أنَّ السماء زرقاء، أو أنَّ الماء سائل فتلك المعلومة تُسمَّى تصديقيا؛ لأنك حكمت على السماء بأنها زرقاء، وحكمت على البحر بالسيولة، وقد يكون حكمك صادقا أو يكون خاطئا (كاذبا بتعبير المنطق).

3,494 total views, 2 views today