إن كان هناك ثمة لذة عقلية للمعرفة فإن العلوم الطبيعية حتمًا تقبع في المراكز المتقدمة من تلك المعارف «اللذيذة»، إن امتناننا للعلوم الطبيعية لا ينحصر فقط في أنها تشكل البنية التحتية للتقنيات الحديثة التي تكتنف عالمنا منذ لحظة استيقاظنا من النوم صباحًا وحتى لحظة استسلامنا له بالليل، وهي لا تنحصر في أننا ندين لها بالفضل بإطالة متوسط عمر الإنسان من خلال تطوير تقنيات التشخيص والعلاج الطبية، ولا تكمن فقط في أنها وفرت لنا وسائل راحة وتواصل وتنقل ورفاهية لم تكن لتخطر على بال أحد قبل عدة قرون من الزمن، فمع كل تلك الأمور التي ندين بالفضل فيها للعلوم الطبيعية إلا أن هناك بُعدًا آخر يجعلنا نهتم بالعلوم الطبيعية وذلك هو رغبتنا العارمة التي لا تقاوم في معرفة واكتناه العالم المادي الذي يحيط بنا.

لقد ظل الإنسان معظم فترات تاريخه الموثق في حيرة تجاه كثير من الظواهر الطبيعية التي شاهدها ولاحظها حوله، ومع شدة رغبته في معرفة أسرار تلك الظواهر إلا أن رصيده من أساليب البحث وأدواته العقلية والمادية لم يكن كافيًا طوال تلك الفترات ليؤهله ليقتحم تلك الظواهر بالبحث والتمحيص ويسبر أغوارها ويكشف أسرارها، إلا أن ذلك لم يكن ليطفئ فينا تلك الرغبة التي لا تنطفئ لأن تلك الرغبة هي جزء ذاتي من كياننا، فظل الإنسان يحاول جاهدًا إلى أن عبر عتبة هامة في حياته فبدأ بتأسيس مناهج البحث الطبيعي العلمي واشتغل عليها ونجح في فك أسرار الطبيعية شيئًا فشيئًا.

ملف هذا العدد هدية لعشاق العلوم الطبيعية فهو يسلط الضوء على مقالات للعلوم الطبيعية مقدمة للقارئ غير المتخصص وتحاول إلقاء الضوء على الجانب المفهومي للنظريات الحديثة، في مقالة عن نظرية الأوتار تشرح د. زهور حسن حبيب بلغة سلسة بعض غوامض تلك النظرية مهمة، وفي مقالة عن الإسلام والبيئة يناقش عبدالكريم حسن راشد بعض الإرشادات العلمية في الإسلام عن البيئة وأهمية المحافظة عليها، موضوع الاستقراء يعتبر مشكلة أساسية يناقشها مقال خاص لأن الاستقراء هو عمود هام لبناء العلوم الطبيعية ومن الضروري فعلا أن يتم حل الإشكالات الفلسفية التي تكتنفه وتحيط به، د. رضا عيسى يطرح في مقالته عن الجديد في الطب أحدث ما تم التوصل إليه عن السكري والأورام والإيدز، أما مجالي المفضل شخصيًّا من العلوم الطبيعية فهو في علوم الكونيات والفيزياء ولعشاق هذا المذاق المميز من العلوم الطبيعية نقدم مقالتين الأولى بعنوان ملاحقة الكون والثانية بقلمي عن برهان النظم بثوبه الجديد حيث تمتزج نكهة الفيزياء بمزاج الفلسفة والعلوم العقلية في خلطة خاصة أرجو أن تعجب القراء وتنال رضاهم.

لن نطيل الكلام في هذا التقديم السريع لأننا حتما لا نطيق صبرًا أن نقلب الصفحات ونبدأ بالتهام المقالات العلمية سطرا سطرا وكلمة كلمة، ونصيحتي لك هي أن تستمتع ببطء وهدوء بقراءتك وتمضغ الأفكار جيدًا قبل بلعها ليس لأنها ستسبب لك عسر الهضم، أبدًا، بل لأنك سترغب في التلذذ بكل فكرة وكل معلومة جديدة تقابلك في الطريق.

نتمنى لك وجبة علمية شهية وصحتين!

د. حسن أحمد اللواتي

3,821 total views, 14 views today