د. مريم بنت حميد الغافرية
باحثة وكاتبة في الدراسات الأدبية والنقدية


الأمنياتُ جمعٌ، مفرده (أمنية) وهي كل مطلب ورغبة مرجوًّة يحبها الإنسان ويشتهي تحقيقها. تتفاوت همم البشر وسعيهم نحو تحقيق أمنياتهم. وتنمو الأمنيات في نفوسنا وتتغذى بأحلامنا وعندما تخصب أرضها تزهر وتثمر، وكما قال الشاعر:

” كالعشب تنمو الأمنيات
هوينًا هوينًا
حتى يسقط المطر”

والتمني عادة فطرية وغريزة توجد لدى أي إنسان؛ لأن التمني جزءٌ من الحياة، وهو أيضًا تصور واضح عما يُريد الإنسان أن يصل إليه في حياته، والأمنيات تظل رهينة قدرين: إما أن تتحقق وإما أن تبقَ معلقة بالرجاء. “نَتَمَنّى وفي التّمني شقاءُ وننادي يا ليتَ كانوا وكُنّا ونُصلّي في سِرّنا للأماني والأماني في الجَهْرِ يَضْحَكْنَ مِنَّا غير أَنّي وإن كَرَهتُ التَمَنّي أتمنّى لو كُنْتُ لا أَتَمَنّى”. كما أن الأمنيات قد تكون مستحيلة وتذهب بفكر الشخص وعافيته وتستهلك طاقته… يظل يركض وراءها وهي بعيدةُ المنال.

وقد ذكر شوقي ما يخلفه حجم الأمنية وطاقتها من تعب للإنسان قائلاً: وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً*** تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ

متى يؤذن لأمنياتنا الصائمة بالفطر؟ هل تنتظر هلال تحقيقها؟ أم حين ترى الغلبة لأصحابها؟! هل دائرة الأمنيات المحصورة في مقصورة العمر وحدها ستُعطى حكم الإفطار أم أن هناك أمنيات صائمة ستفطر حين ندرك سباعية التمني ونقلبها إلى سباعية الغُلب والمغالبة موقنين بقول المتنبي: وَمَا نيلُ المَطَالبِ بالتمنِّي            ولكنْ تؤخذُ الدُنيا غِلابًا؟!

إن أمنياتنا الصائمة على الرجاء بالدعاء والأخذ بالأسباب تغالب “منظومة ليت” في الحياة وكأن ليت لقمة واحدة في أفواه تلك الأمنيات؛ لتفطر عليها أنْ تجدد منظومة الطموحات والعطايا والتضحيات في الحياة.

تلك الأمنيات الصائمة تحتاج تحديد الأولويات والإيمان بها، إيمانًا عميقًا واعيًا يدفع إلى التخطيط المنظم الذي يكفل أسس الوصول إليها (بإذن الله تعالى) على أن يكون الواقع لباسها الذي يزينها، كذلك قوة الإرادة في السعي والعمل وتحقيق الإنتاجية للوصول إلى المبتغى. علينا أن نمتطي جواد الهمة نحو أمنياتنا الصائمة، ومرحلة الشباب هي مرحلة القوة ففطر أمنياتك وقت الشباب ربيعٌ؛ أما وقت الكهولة فخريف باهت… وفصلُ أمنياتك الصائمة لا يشبهه في الجمال إلا فردوس خالدٌ أعدَّ نُزُلاً كريمًا للذين آمنوا وعملوا الصالحات” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا”. تحتاج أمنياتنا الصائمة إلى السعي والإقدام:

وما استعصى على قومٍ منالٌ    إذا الإقدام كان لهم رِكابا

تلك الأمنيات الصائمة خلف الحجب ستشرق أيامُ فطرها إن عملت لها بإخلاص وسعيت لتحقيقها مستندًا إلى رب الناس. ستشرق بجمالها الذي يتوشح الصبر. تلك الأمنيات الصائمة ستنقلنا من فقر البعد إلى غنى الوصال! وعند الوصول يتحقق الحصول… تدنو منك أمنياتك الصائمة لتفطر لحظة ولادة هلالُ القطاف…

إنها الأمنيات المعطرة بأنفاس سماوية، ذات أجنحة ملائكية، تحلق بساحات القلوب الفسيحة، كأن صوتها موالُ عشقٍ تلاقى امتداد صوته مع فيض المآذن، على قامة النُّور والنَّوَّارِ. ها هي سنابل الإجابة من شعاع الشمس استلهمت لونها الذهبي، مهرُ الحب الذي قدمناه ومئذنة العمر التي أنفقناها لله، مشكاة الزيتون منها المشاعل… ها هي الأمنيات الصائمة يُطلق لها نداء الإفطار لحظة الاستجابة؛ فتطيب النفس وتبتسم الروح التي خرجت من مضيق العسر إلى فضاء اليسر.

هل تموت أمنياتك الصائمة قبل فطرها؟ أتراها تغادر الحياة قبل أن تجدك أو تجدها؟

هناك أمنيات ترتبط بحكمتك وحنكتك؛ لتبقَ على قيد الحياة وتنعم بفطرها، يقول صاحب كتاب “الأمنيات لا تموت”: (لا تفتح صندوق امنياتك قبل النوم، ففي كل أمنية وحشة، ولا تفتش الأسماء في هاتفك فيثور الشوق، و لا تكتب رسائلك لغير الله، ولأنك غائب عن شخص ما لا تعرفونه تماماً، و لأنه يفتقدك الآن، و يبكي شوقاً لكلماتك، أرسل له دعواتك قبل أن ينام متعباً من البكاء… لا تعترف قبل النوم ولا تبكي ولا تقرأ الرسائل ولا تنبش الذاكرة لأن سيزورك الأموات والأصدقاء والغائبون، وستعيد نفس الخيبات القديمة، ولا ترتب أمنياتك لأنها حتماً ستتبعثر وإنما ارفعها لله). تخيَّر وقت توهج أمنيتك، وقتَ الفِطر، ولا تجازف.

ليت وأمنياتنا الصائمة… ليت ذلك المعول العجيب في الهدم الداخلي، ليت نار احتراق أمنياتك هشيمًا يذروها عاصفُ التسويف. يتصدع بنيان أمنياتك حين تنادي بليت؛ فغنيمتك من ذلك “ليس” و”لعلما”. حين تتعافى أمنياتكم من داء ليت، ستحلق فوق المنارات وتفرد أجنحتها كأوراق من نور، تتماهى المسافات، بين الأرض والسماوات. تهجدك بالنداء، تهجد بالأسماء الحسنى؛ تفتح أبواب السماء ويكون الإنعام عليك متواصل وما الابتلاء إلا فواصل.

كل الأماني التي في القلب مسكنها          حتما سيسعدنا يوما بها الله
فكم حبانا نعيمًا دون مسألة      وكم ظفرنا برزقٍ ما سألــــــــناهُ

إلى أمنياتنا الصائمة في محراب الدعاء حان وقت إفطارك على مائدة الامتنان المشذَّبة بخيوط الياسمين، تحفها هالة النور والتوفيق…

Hits: 177