ميادة حمدان (باحثة لبنانية)

(*) دكتوراه في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية، تخصص نقد أدبي وسرديات. أستاذة تعليم ثانوي منذ عشر سنوات

تسعى التربية إلى غرس القيم والمبادئ والعلم في النفس البشرية، كما تسعى إلى تشكيل وعيها لذاتها وتحديد هويتها التي تتمايز عن الآخرين، سواء أكانت هذه الهوية فردية أم جماعية. وتتنوع مصادر التربية وقنواتها، وتشكل الأسرة ثم المدرسة أهمّها.

أمّا التربية الثقافية، فيتركز اهتمامها على تكوين معرفة علمية وأدبيّة تشتمل على المجالات الحياتية المختلفة. وتشكّل قنوات المعرفة المختلفة من كتب وصحف ومواقع إلكترونية ومحاضرات وغيرها مصادر هذه التربية. وكلما كانت هذه القنوات منفتحة على الثقافات الأخرى، وعى الإنسان ذاته والآخر الذي يكون، بطبيعة الحال، مختلفًا، سواء أكان هذا الاختلاف دينيًّا أم إثنيًّا أم عرقيًّا أم حضاريًّا. وكلما انغلق الإنسان على ثقافة مجتمعه، صعب عليه إدراك ذاته والاعتراف بوجود الآخر، لأنّ الأخر شرط أساسي لإدراك الذات.

ويعتبر الأدب، على اختلاف أنواعه، مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات التربية الثقافية، لأنّه يصدر من ذات الأديب الذي يجسد في عمله الأدبي طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، فيصور أحواله وتناقضاته وصراعاته ومميزاته، ويعبّر عن تفاعله مع هذا المجتمع. ويهدف الأديب إلى التأثير في القارئ، والتأثير هو إحداث تغيير في وعي الذات والآخر، وفي تشكيل قيمها ومبادئها، وفي تحديد مواقفها. فالأدب هو، إذن، نتيجة تربية معيّنة، وعامل من عوامل التأثير في التربية في الوقت نفسه، يصدر من المجتمع ليصب فيه، وفي كلا الحالتين يكون متأثرًا ومؤثّرًا.

وتمثّل الرواية، دونًا عن غيرها من الأنواع الأدبية، دورًا جوهريًّا في تظهير الواقع المجتمعي، لأنّ الفضاء الروائي يمتلك إمكانية تصوير أحوال المجتمع بكل ما يعتريه. يقول عبد الرحمن منيف في دور الرواية: “هي النوع الأدبي الأكثر تمكنًا من تحليل المجتمع العربي الراهن والأعمق تعبيرًا عن توصيف الحالة العربية المعيشية لا لأن الرواية تقدم الحلول المناسبة لكل علة، بل لأنها قادرة على التساؤل والتعجب والاستفهام والاستغراب والاستقراء والحدس والتحسس والحلم.” (1)

وبما أنّ المجتمع العربي عاش عصورًا من الانفتاح على الآخر والتفاعل معه، سواء أكان هذا التفاعل إيجابيًّا أم سلبيًّا، كان لا بد للرواية من ترجمة هذا الانفتاح بكل ما ينتج منه. فعن أيّ آخر نتحدث؟

لقد تطورت صورة الآخر في نظر الثقافة العربية بين مرحلتي قبل ظهور الإسلام وما بعده، وما إن اتسعت الفتوحات وبدأ العرب المسلمون تكوين إمبراطوريتهم حتى بدأوا يكتشفون الآخر المتنوع بكثافة، وكان هذا الآخر محصورًا في قارتي آسيا وأفريقيا، ولم يعرف العرب الآخر الغربي إلا مع الحروب الصليبية التي شكلت منعطفًا تاريخيًّا في رسم الصلة بين الأنا العربي والآخر الأوروبي، وحدد ملامح صورة هذا الآخر التي ما زالت قائمة حتى اليوم. وما عاد الآخر بالنسبة إلى العرب والمسلمين منذ اندلاع هذه الحروب هو الآخر المتعدد والمتنوع الذي عرفوه في القرون الأولى للإسلام، بل أصبح الآخر هو الغرب الذي وعوا وجوده عندما دخل حاملًا سيفه على أراضيهم، أي كان لقاؤهم الأول به لقاءًا دمويًّا لن يُمحى من ذاكرتهم. (2)

ثم جاءت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، بعد مرور ستة قرون على انتهاء الحروب الصليبية بهزيمة الإفرنج وعودتهم إلى ديارهم، لتحيي لقاء الغرب بالعرب، ومرة جديدة بالآلية العسكرية والمطامع السياسية التوسعية. لكن كان لهذه الحملة بعد إيجابيّ، وهو تعرّف العرب إلى الثقافة الفرنسية المتطوّرة حضاريًّا عن الثقافة العربية آنذاك، ما دفع محمد علي باشا عام 1826 إلى إرسال أول بعثة علمية إلى فرنسا بهدف الوقوف على مظاهر التقدم الأوروبي لتحقيق النهوض العربي، واستمرت هذه البعثة خمس سنوات. وكان على رأسها رفاعة رفعت الطهطاوي الذي خرج من هذه التجربة بباكورة الأعمال الأدبية التي تعالج إشكالية الأنا العربي والآخر الغربي، وعنوانها ” تخليص الإبريز في تلخيص باريس ” الصادرة عام 1900. (3) توقف الطهطاوي في كتابه عند مميزات الحضارة الغربية، ورغب في أن تنسج الحضارة العربية على منوالها. لكن، رغم أن تركيز الطهطاوي كان على حضارة الآخر الغربي، جاء كتابه بحثًا عن الذات في مرآة الآخر، لأن مصر كانت حاضرة في كل مشاهداته وتأملاته، ما ساعده على وعي حقيقة الذات العربية والآخر الغربي.

أطلقت هذه الرحلة رحلات عربية أخرى إلى أوروبا، ولا سيما فرنسا وألمانيا وإنجلترا، وانبرى عدد من الروائيّين العرب لتصوير طبيعة لقاء الأنا العربي بالآخر الغربي على أرضه، وكان لقاء مفعمًا بالانبهار والإعجاب بما حققه الغرب من إنجازات حضارية مختلفة. نذكر من أهم هذه الروايات: رواية “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم، و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي، و”موسم الهجرة إلى الشمال ” للطيب الصالح، و” الحي اللاتيني ” لسهيل إدريس.

تابع نقاد الأدب هذه الأعمال، فأصدروا عدّة دراسات تعالج صورة الآخر الأوروبي في عدد من الروايات العربية الصادرة في القرن العشرين، ونذكر من هذه الدراسات “صورة الغرب في الرواية العربية ” لسالم المعوش (1998)، و”شرق وغرب رجولة وأنوثة” لجورج طرابيشي (1998)، و” العرب والغرب في الرواية العربية ” لحسن عليان (2004)، و”صورة الغرب في الأدب العربي المعاصر ” لجان طنوس (2009)، و” إشكالية الأنا والآخر ” للدكتورة ماجدة حمود (2013).

لكن هوية الآخر الغربي بدأت تتحول، في الرواية العربية، من أوروبا إلى أميركا الشمالية وتحديدًا الولايات المتحدة الأميركية، فبدأت تظهر روايات تشكل الولايات الأميركية فضاءها الروائي، وتصور طبيعة التفاعل العربي الأميركي. ولا نستطيع أن نؤرخ لبداية هذا التحول، لكن يلاحظ أنه جاء في بداية القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، التي أعادت تشكيل طبيعة العلاقات العربية الأميركية، فبتحميل أميركا العرب والمسلمين مسؤولية هذه الأحداث، وإعلانها الحرب على الإرهاب، أصبح للعرب موقف جديد من أميركا، موقف عدو من عدوه. نذكر من هذه الروايات ” تبليط البحر ” لرشيد الضعيف، و” أميركا ” لربيع جابر، و”شيكاجو ” لعلاء الأسواني، و”أمريكانلي ” لصنع الله إبراهيم، و”رغبات ذاك الخريف ” لليلى الأطرش، و”سيرة الفتى العربي في أمريكا ” لرفقة دودين، والحفيدة الأميركية ” لإنعام كجه جي. وهذه الروايات ليست سوى غيض من فيض، فبعد الاحتلال الأميركي للعراق، شهد الإنتاج الروائي العراقي سيلًا من الروايات التي جعلت من الصراع العراقي الأميركي موضوعها الرئيس.

لم تنل هذه الأعمال حقها من النقد الأدبي، فلم يصدر في موضوع تصوير الآخر الأميركي في الرواية العربية سوى بحث واحد هو ” أمريكا والأمريكيين ” للناقد العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم. لذا نجد من الأولى تركيز بحثنا على هذه الروايات لأن الدراسات النقدية لم تفها حقها. تشكل أميركا الفضاء السردي لهذه الروايات وأرض التقاء الذات العربية بالآخر الأميركي، فما الذي دفع العرب إلى ترك أراضيهم والهجرة إلى أميركا؟

أوّلًا – الهروب من الذات العربية إلى الآخر الأميركي :

ضاقت الشخصيات الروائية العربية بالأوضاع المأزومة التي تعاني منها شعوبها، ولا سيما في الاقتصاد والسياسة والعلم، فولت وجوهها شطر الولايات المتحدة الأميركية باحثة فيها عن أحلامها التي عجزت أوطانها العربية عن تحقيقها.

في روايتي “تبليط البحر” و”أميركا”، وقفت الأحوال الاقتصادية المتردية وراء اتخاذ شخصياتهما الرئيسة القرار بالهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث كان لبنان يعيش في كنف الدولة العثمانية وكانت غالبية السوريين (سكان بلاد الشام حينها) تعاني من ضيق ذات اليد، فراحوا يبحثون عن بلد يوفر لهم مصدر رزق يجنون منه الثروات. وكانت أميركا تشهد حينها ازدهارًا اقتصاديًّا جعلها في مقدّمة الشعوب. يستهلّ رشيد الضعيف روايته ” تبليط البحر ” بتقديم لمحة عامّة عن تفوّق أميركا الحضاري حينها قائلًا: “كانت تلك البلاد البعيدة في ذلك الوقت أوّل انطلاقتها لتصبح أعظم دولة في العالم، من حيث الصناعة والتجارة والزراعة والحرب وأنواع العلوم الأخرى. ” (4) في ” تبليط البحر “، هاجر منصور هاشم إلى أميركا بعد ما فتكت ببلدته براشا فتنة 1860 التي اقتتل فيها الدروز والموارنة في جبل لبنان، فأجبرته على النزوح إلى بيروت، وهناك وجد نفسه عاطلًا عن العمل عاجزا عن تأمين لقمة العيش، فهاجر إلى أميركا. وفي رواية ” أميركا “، لحقت مرتا حداد بزوجها الذي سبقها إلى أميركا باحثًا عن مصدر للرزق، رغم أنها لم تجده، قررت البقاء هناك بغض النظر عمّا في هذا القرار من تحديات لفتاة في مقتبل العمر وفي دولة تجهلها. في هاتين الروايتين يسرد الضعيف وجابر أحوال السوريين الذين لم يجدوا في بلادهم ما يحقق لهم الرخاء المادي، فهاجروا بالآلاف إلى أميركا، على الرغم مما كان يعترضهم في طريق الهجرة من صعوبات ومعوقات تبدأ بتأمين ثمن تذكرة السفر (الناولون) وصولًا إلى خضوعهم لفحصوات طبية عند وصولهم إلى جزيرة إليس، ليثبتوا للأميركيين أنّهم خالون من امراض عضال. وكان العمل الذي امتهنوه حينها هو البيع بالكشة، فكانوا يحملون كشاتهم (صناديق خشبية تعلق بالرقبة)، ويملأونها بأدوات مختلفة ولا سيما أدوات الخياطة، ويجولون بها في شوارع أميركا، وبشكل خاص في القرى النائية. عمل في الكشة منصور هاشم وابنه فارس في ” تبليط البحر “، وعملت مرتا حداد وزوجها وعشرات اللبنانيين بالكشة في “أميركا”، ونجحت مرتا في التدرج في هذا العمل إلى أن جمعت ما يكفي من المال لتأسيس مصنع للكيمونو.

لم تقف الأوضاع الاقتصادية المتردية وحدها وراء هجرة العرب إلى أميركا، فأنظمة الحكم الفاسدة وغياب الديمقراطية في مصر والعراق، على وجه التحديد، أجبرت عددًا من الشخصيات الروائية العربية على مغادرة بلادها بحثًا عن بلد يحترم حريتها ويحفظ كرامتها.

في “شيكاجو”، هرب الدكتور كرم دوس القبطي من مصر بسبب فساد نظام التعليم في الجامعة التي كان يتعلم فيها والمستشفى التي كان يتدرب فيها، ويكمن فسادها في خضوع رؤسائها للحاكم الفاسد الذي يعيّن في المناصب العليا من يناوئه، وإن كان ليس أهلًا لها، فضلًا عن تعرضه للاضطهاد من قبل الإخوان المسلمين بسبب انتمائه الديني.

وترك محمد صلاح مصر لأنه يئس من تغيير نظام الحكم فيها، بخلاف حبيبته زينب رضوان التي فضلت البقاء لمقاومة هذا النظام وتغييره. فقصد أميركا، وكان همه الأول البحث عن زوجة أميركية تمنحه الجنسية الأميركية، فنال مبتغاه وتابع تحصيله العلمي في الطب وعاش حياته في أميركا أستاذًا في الطب في جامعة إلينوي في شيكاجو.

وترك الدكتور رأفت ثابت مصر قاصدًا أميركا أوائل الستينيّات بعد تأميم الرئيس جمال عبد الناصر مصانع الزجاج التي يملكها أبوه محمد باشا ثابت، لكنّه استطاع أن يهرب بمبلغ مالي كبير، بدأ به حياته الجديدة، فتعلّم حتّى حصل على شهادة الدكتوراه، ودرّس في عدة جامعات أميركية في نيويورك وبوسطن، ثم استقر في شيكاجو ثلاثين عامًا، وتزوّج الممرضة ميتشيل التي تعمل في مصحّة للحالات النهائية وسط شيكاجو، وحصل على الجنسية الأميركية. (5)

أمّا في الحفيدة الأميركية، فهربت زينة بهنايم مع عائلتها من بغداد قاصدين أميركا حيث استقروا وحصلوا على الجنسية الأميركية، وكان سبب هروبهم ديكتاتورية النظام الحاكم، فوالدها بعد انتقاده نشرة الأخبار على الهواء، بعد إلقائه نشرة الأخبار في إحدى القنوات العراقية الرسمية، اعتقل في منزله وتعرض لضرب مبرح لم ينجه منه سوى ابن صديقه الذي يعمل مع أجهزة الدولة.

أمّا الدافع الثالث للجوء إلى الآخر الأميركي، فهو تخلف التعليم في الجامعات العربية وعجزها عن تلبية الطموحات العلمية لأبنائها، فهجرة الأدمغة العربية إلى مراكز العلم الأميركية تشكل موضوعًا رئيسًا لعدد كبير من الروايات التي عالجت العلاقات العربية – الأميركية.

في “شيكاجو”، نجح أربعة جامعيّين مصريين في الحصول على بعثة في جامعة إلينوي في شيكاجو لمتباعة تحصيلهم العلمي في علم الهيستولوجي، وهم شيماء محمدي وطارق حسيب وناجي عبد الصمد وأحمد دنانة، لينضموا إلى من سبقوهم إلى أميركا بعشرات السنين وأصبحوا جزءًا من الطاقم التعليمي الجامعي، وهم محمد صلاح ورأفت ثابت وكرم دوس.

أمّا في “تبليط البحر”، فلم يقوَ فارس هاشم على تحمل الإجراءات التعسفية التي اتُخذت بحقه ورفاقه في كلية الطب في الكلية السورية الإنجيلية، لاقتناعهم بنظرية داروين التي أشعلت ما سُمّي بـ” أزمة داروين” عام 1882، على خلفيّة خطاب الدكتور “أدوين لويس ” (Edwin Louis) في حفلة تخريج دفعة من طلّاب الكليّة، وذلك لانتقاده من يقول إنّ نظريّة العالم الإنجليزي تشارلز داروين ضد الدين. (6) وموقف الكلية هو موقف مؤسسيها أي المبشرين البروتستانت الذين يجدون في هذه النظرية تحقيرًا للإنسان.

وفي “سيرة الفتى العربي في أمريكا “، ترك عبد رمضان الحاج بلده الأردن ليحصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات الحديثة في إحدى جامعات أميركا بسبب تخلف التعليم الأردني في هذا المجال، ونجح في تحقيق مبتغاه.

ولا يقتصر التخلف العلمي على الجامعات العربية العاجزة عن مجاراة الجامعات الأميركية بخاصة والغربية بعامة في تطورها العلمي والتكنولوجي، ولا سيما في مجال البحث العلمي، بل يشتمل أيضًا على سيطرة التفكير الأسطوري على عقول العرب على اختلاف انتماءاتهم الوطنية والدينية، وعلى اختلاف الأزمنة التي يعيشونها. في “تبليط البحر” يسرد رشيد الضعيف عددًا من المعتقدات الخرافية التي تسيطر على عقول السوريين منتصف القرن التاسع عشر، وفي “سيرة الفتى العربي في أمريكا” تتوقف المؤلفة رفقة دودين عند المعتقدات الخرافية التي يؤمن بها المجتمع الأردني من خلال سرد قصص من حياة عبد رمضان الحاج مع والدته التي تسيطر على عقلها هذه المعتقدات.

فيتبيّن مما تقدّم أن الروائي العربي يمارس في رواياته نقدًا للذات العربية بتظهير معوّقاتها وتخلّفها ومشاكلها السياسية والاقتصادية والعلمية، وبإظهار تناقضها الحضاري مع الآخر الأميركي، ويأتي هذا التناقض في مقدمة الأسباب التي جعلت الأوطان العربية طاردة لأهلها.

ثانيًا – الارتداد إلى الذات:

حملت الشخصيات الروائية العربية أحلامها إلى أميركا، يائسة من أوطانها، حاملة في نفوسها كل الرجاء في تحقيق أحلامها في أميركا. لكن عددًا منها لم يستطع ممارسة السطو على ذكرياته وماضيه وانتمائه، فبقيت أوطانها عالقة في حبال قلوبها عصية على السقوط في ظلمة النسيان.

في “شيكاجو”، حالت الثلاثون سنة التي أمضاها الدكتور محمد صلاح في أميركا دون الاستحواذ على مشاعره وذكرياته، فإذا بمارد الحنين يخرج من قمق الذاكرة موجّهًا قدميه نحو القبو الذي رمى فيه آثار مصر من ثياب وأسطوانات، نابشًا قبورها، باثًا الروح فيها. فوجد نفسه أسير هذه الآثار، جاهدًا في استرجاع علاقاته مع رفاق الشباب في مصر، يعصر قلبه الشعور بالندم لتركه إيّاها، علمًا أنّه أصبح ما أراده، طبيبًا من أطباء أميركا، ينعم برخاء مادي وشهرة واسعة.

في “تبليط البحر”، لم يستطع فارس هاشم حرمان بلده من العلم الذي نهله من جامعات أميركا، فعاد إليه حالمًا في تحقيق نهضته، على غرار النهضويين العرب الذي عاينوا عن قرب حضارة الغرب ودعوا إلى تمثلها في بلاد الشرق. لكن العودة لم تكتمل، إذ مات قبل أن تطأ قدماه أرض الوطن، فمات حلم النهضة بموته. وكأن الكاتب أراد أن يقول، باختياره الموت نهاية لفارس هاشم، إن حلم النهضة في بلادنا أشبه بتبليط البحر أي تعجيزي.

في “سيرة الفتى العربي في أمريكا”، رفض عبد رمضان الحاج البقاء في أميركا، بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في الرياضيات الحديثة، فعاد إلى الأردن بالتزامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وبعد ما عاش صراعًا نفسيًّا في شوارع أميركا، صراعًا سببه التناقض الذي شهده بين الداخل والخارج الأميركيين. ففي الداخل عاين الشخصية الأميركية عن كثب وانبهر بما بلغته من رقي ولا سيما على المستوى الأخلاقي، في الوقت الذي لم يكن فيه باله غائبًا عن سياسة أميركا في الشرق الأوسط، وهي سياسة إمبريالية تقصي الآخر وتنكر عليه وجوده، وتسعى جاهدة لتحقيق مآربها على حسابه. هذا الصراع انتهى بالارتداد إلى وطنه ليكون يدًا تخرجها من الظلمات إلى النور.

ثالثًا – الضياع في الآخر:

نجح المجتمع الأميركي في الاستحواذ على بعض الذوات العربية الروائية مقنعة إياها بأنّها لن تكون شيئًا ولن يكون لها مستقبل وحياة من دون الآخر الأميركي، وهذا الآخر هو طوق نجاتها من التخلف والديكتاتورية والجهل والقمع في مجتمعاتها العربية.

في “الحفيدة الأميركية”، تحوّلت زينة بهنايم العراقية الأصل إلى جندية أميركية تعود إلى وطنها على ظهر الآلية العسكرية الأميركية إبان الغزو الأميركي للعراق في نيسان 2003، لتكون مترجمة مساعدة للجنود الأميركيين. أخرجتها من ديارها كراهية النظام لشعبه بممارسته كل أشكال القمع والعنف ضده، وأعادتها إليها رغبتها في الإطاحة بهذا النظام الذي آمنت بأن الجنود الأميركيين ما غزو العراق إلا بهدف تحرير شعبه من هذا النظام ونشر الديمقراطية والعدالة فيه. وفشلت كل محاولات جدتها العراقية في استردادها من كماشة أميركا التي أطبقت على وجدانها وفكرها وحاضرها ومستقبلها، رغم ما شهدته في العراق من عنف وقتل ودمار على يد الجنود الأميركيين. وتعلن زينة في آخر الرواية: “لم يردني حليبي إلى بغداد”. (7) جملة عبقرية أسدلت بها زينة الستار على حكايتها في بغداد، فالحليب هو أول غذاء يعيش عليه المولود، وكان عراقي الهوية في حياة زينة، محمّلًا بطعم الأرض وذاكرتها ورائحتها، متجذرًا في اللاوعي والطفولة، لكنه رغم ذلك عجز عن نبش أي إحساس بالانتماء إلى هذه الأرض، فضاعت هويتها كما ضاعت العراق، أولًا على يد نظام الطاغية العراقي، وثانيًا على يد المحتل الأميركي.

في “شيكاجو”، سلخ رأفت ثابت جلده العربي لينبت له جلد جديد أميركي الشكل والمحتوى، ينفر من كل ما يمت إلى العرب بصلة. يجاهر رأفت بكراهيته العرب، ويرفض الاعتراف بهويته العربية، ويطلق على شعبه أسوأ العبارات والصفات: “لا يصلحون للعمل في أماكن محترمة لأن عيوبهم كثيرة وفادحة: الجبن والنفاق، الكذب والمراوغة والكسل، عدم القدرة على التفكير المنظم، وأسوأ من كل ذلك: العشوائية والفهلوة. ” ويعترف لكلّ من يسأله عن أصله بأنّه من مصر وهرب من ظلمها وتخلّفها. وكان يجاهر بكراهيته للعرب والمسلمين، ولا سيّما بعد أحداث 11 أيلول 2001، ويرى أنّ الولايات المتحدة محقّة في تشدّدها مع العرب الداخلين إلى أراضيها، فمن حقها وواجبها التأكّد من أنّ الشخص القادم إليها متحضّر. (8)

وجد رأفت مقابل هذا التخلّف العربي تحضّرًا أميركيًّا في مجالات شتى، فقرّر أن ينفض عنه كل ما يمكن أن يربطه بمصر، وتحوّل إلى مواطن أميركي في كلّ شيء، حتى ابنته سارة ربّاها تربية أميركية، فلم يمانع في أن تكون لها علاقة غير مشروعة خارج الزواج. لكنه، رغم كل تصريحاته بأنّه تحرر كليًّا مما يسميه بالتخلف الشرقي، لم يقو على تحمل رؤية ابنته في علاقة غير مشروعة، فضربها كأي أب شرقي، وحاول جاهدًا استرجاعها، لكن موتها حال دون ذلك، إذ ماتت بجرعة زائدة ورماها حبيبها على باب المستشفى. ضاعت هوية رأفت في أميركا، كما ضاعت ابنته في أزقتها، ولم ينجها الرقي الحضاري الذي تغنى به مذ حطت رحاله في أرض أميركا.

أما الشخصية الثانية التي ضاعت في الآخر الأميركي في رواية “شيكاجو” فكانت شيماء محمدي التي غادرت مصر إلى جامعة إلينوي بهدف تحصيل شهادة الدكتوراه في علم الهيستولوجي، لكن الكبت الذي فرضه عليها مجتمعها المصري جعل بحثها عن تفريغه شغلها الشاغل في أميركا. فبعد ما عاشت في قلب المجتمع الأميركي اقتنعت بأن ممارسة العلاقة خارج الزواج لن تنزل عليها الغضب الإلهي، رغم أنها فتاة محجّبة تلقت التعاليم الإسلامية منذ نعومة أظافرها، فأضاعت قيمها الشرقية التي تحرّم هذه الممارسة اللاشرعية، وانتهى بها الأمر حاملًا بدون زواج، ولم تجد مخرجًا من هذا المأزق سوى الإجهاض.

خلاصة:

بعد كل ما أسفرت عنه أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، ورغم تفاقم الصراع والعدواة والكراهية على المستوى السياسي في العلاقات العربية – الأميركية، لم تقف الشخصيات الروائية العربية موقفًا معاديًا من أميركا، لأن هذه الشخصيات عاشت في قلب المجتمع الأميركي، وكانت على تماس يومي مع الداخل الأميركي، فوجدت فيه صورة مناقضة لسياسته الخارجية التي تستبيح أرض الآخر وثقافته لتحقق مطامعها التوسعية. شاهدت في الآخر الأميركي تفوّقًا حضاريًّا بهرها، في حين أنّها شاهدت وشهدت في الذات العربية تخلّفًا اشمأزت نفسها منه فهربت منها.

هذا التناقض بين أن يكون الآخر عدوًّا في الخارج وصديقًا في الداخل، بين أن يكون وحشًا في الخارج لا يسعى إلا إلى فريسته، وبين أن يكون حملًا وديعاً في الداخل يقدم أحلام المهاجرين المفقودة في ديارهم، هو أساس إشكالية علاقة الأنا العربي بالآخر الأميركي، أنا عربيّ واقف على خطوط تماس بين الحلم الأميركي والكابوس العربي، لا هو بقادر على الخروج من أرضه والارتماء في أحضان أميركا، ولا هو بقادر على البقاء في أرضه وتجاهل سحر أميركا، فهو عالق على الحدود بينهما كما علق عبد الودود على الحدود بين غربستان وشرقستان.

فما هو السبيل، إذًا، للخروج من هذا المأزق الحضاري؟

——————————————————

المصادر والمراجع

  1. عبد الرحمن منيف، الكاتب والمنفى: هموم وآفاق الرواية العربية، بيروت، دار الفكر الجديد، 1994، ص. 40.
  2. حسين العودات، الآخر في الثقافة العربية من القرن السادس حتى مطلع القرن العشرين، بيروت، دار الساقي، 2010، ص. 27، 30-31.
  3. سالم المعوش، صورة الغرب في الرواية العربية، بيروت، مؤسسة الرحاب الحديثة، 1998، ص. 89-90.
  4. رشيد الضعيف، تبليط البحر، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر،2011، ص. 10.
  5. علاء الأسواني، شيكاجو، القاهرة، دار الشروق،2011، ص. 42، 50.
  6. رشيد الضعيف، تبليط البحر، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر،2011، ص. 79.
  7. إنعام كجه جي، الحفيدة الأميركية، بيروت، دار الجديد. 2010، ص. 132.
  8. علاء الأسواني، شيكاجو، القاهرة، دار الشروق،2011، ص. 42-43، 45.

943 total views, 5 views today