شاكر صبري – مصر


لاحظنا كثيرا حالات العنف بين الأطفال وبين تلاميذ المدارس، وتعجبنا كثيرا كيف يصل أطفالنا لهذه المرحلة من العنف، والأعجب من ذلك أن وصل البعض  من العنف إلى مرحلة القتل، كما سمعنا من وكالات الأنباء وبعض  الصحف، وهو ما لا يخطر علي بال أحد، ولهذا فإن هذا الأمر يحتاج إلي دراسة  واهتمام كبير من المحيطين بهم لكي يتعاملوا مع الطفل بوضع يختلف عنه سابقا .. وللعنف عند الطفل أسباب كثيرة وهي:

أولا: حرمان الطفل من أهم المشاعر لديه، ومن حقه النفسي في الحنان، والأكثر حنان الأم،  مع وجود جانب آخر يتمثل في إشعاره بأنه منبوذ أو غير مرغوب فيه حتى في مراحل السن المبكرة.

ومنها مرحلة المهد حيث أن الطفل يستشعر كل ذلك من خلال ملمس جسمه ومن نبرات الصوت ومن أنفاس المحيطين به، فمجرد إعطائه حقه من  الحب والحنان  يجعله يشعر بالأمان وبأنه كائن حي، فلا يكاد يشعر بعد ذلك بالعدوانية تجاه المجتمع.

ربما كانت الأم مريضة نفسيا وهناك  أمهات يصبن  بمقت لمولودهن   ولا يظهر هذا الأمر إلا بعد الولادة، وهي حالات  نادرة، ونجد  أن هناك  نوع من الأمهات يقتلن أولادهن الصغار وبالتالي إبعاد الطفل عنهن كنوع من الوقاية وحرصا على سلامته النفسية وعلي حياته.

ربما  افتقد الطفل الحنان  من أحد أبويه  ولكنه  يعوضه من طرف آخر،  لكن حين نجد أن الجميع علي وتيرة واحدة من العنف النفسي وغلظة القلب تجاه الطفل الذي  هو جزء منهم، يجعله يشعر تلقائيا بأنه منبوذ أو غير مهم، وهذا إما يصيبه بعد ذلك بالعدوانية الشديدة تجاه مجتمعه، أو بالانطوائية، أو المقت الصامت للمجتمع.

ثانيا: أهمية الجانب التربوي للطفل، فالغلظة الشديدة من الأبوين والتسلط والمراقبة الشديدة من ناحية، وحث الطفل على الاعتداء على الآخرين، أو تلبية مطالبه على حساب غيره، أمور يظنها البعض أنها بسيطة  ولكنها  في الحقيقة مدمرة وخاصة علي المدي الطويل تتمثل في تجاهل مرحل الطفل  السنية واحتياجاته، وإشعاره بالدونية المستمرة أو إشعار غيره بالدونية أمامه .

وفي كل الأحوال كل الغلظة أو الدلال الزائد يصنعان ذلك مع فقدان التربية السليمة والمنهج الديني القويم  الذي يحتاجه الطفل أثناء مراحله المختلفة  لتقويم سلوكياته.

ثالثا: مجالسة الطفل للشواذ جنسيا ومشاهدته للمناظر المخلة بالأدب يفقده تماماً كل المعايير الأخلاقية، ولا تفلح محاولات إصلاحه فيما بعد، إلا أن كان مرغما وهو كاره لذلك ومع ذلك فإنه يترك أثراً سلبيا عليه ومخاوف كثيره تلازمه  لفترات ممتدة في حياته.

أيضا جلوسه مع المدمنين والبلطجية وتفاعله معهم يجعله يمتص عدوانية ربما تفوقهم لأن هذه الأمور فوق سنه، وتخيله ومتابعته للعلاقة بين والديه بدون تحفظ كل ذلك يسيء تماما إلى تركيبة الطفل وإشعاره بالتمرد على المحيطين به، وغياب الوازع لديه فيكون عرضة لأي مؤثر خارجي.

فطرة الطفل بطبيعتها تخجل من مثل هذه الأشياء ولكن حين يتجرأ عليها الطفل  أو لا يجد ما يصده عنها فإنه يعتبرها أمرا عاديا ويكسر حاجز الخوف منها.

رابعا: المدرسة لها دور كبير جدا وأساسي في رعاية الطفل وحمايته من كل هذه الوسائل الإجرامية طالما شعر بالأمان وبالثقة والاحترام لمدرسيه أو مدرساته.

الخوف الشديد والكره في النهاية ربما أدي إلى العنف، كذلك فقدان الاحترام بينه وبين المدرس وشعوره بأنه لا يحبه إلا للحصول على المال، وبأنه يبتزه، كل ذلك يجعله لا يثق فيه نهائيا وربما اتخذ لننفسه منهجا أخلاقيا هو الإساءة للآخرين حين  يفقد الثقة التامة في كل من حوله  وبأنهم لا يحبونه  الا لمجرد مصالح شخصية.

حين يجد  أن أهل القدوة من المدرسين والمدرسين يظهرون أمامه بمظهر  مهذب  بينما الواقع سيء أو يعرف عنهم  ما يفقده  الثقة فيهم، وخاصة من الأخلاقيات  التي  يربونه عليها، وذا يجعله يفقد  الثقة وبالتالي يشعر بالتمرد علي قيم المجتمع عامة.

والمدرسة في حالة كونها تؤدي دورها بأمانة وجِد يمكن أن تعوض الخلل في الأسرة،  من خلال جودة المعلمين وحبهم لعملهم.

خامسا: العدوانية تجاه الطفل من المحيطين به  وخاصة من زملائه دون وجود عقاب أو مسئول يدافع عنه يشعر بالعدوانية تجاههم لا محالة، وخاصة إن كان رد الفعل منهم السخرية والاستهزاء به بأنه ضعيف ومغلوب علي أمره.

ولكن مجرد تعاطف الأبوين معه ومحاولة مساعدته في الخلاص من ذلك حتى ولو لم يقدرا علي دفع الضرر عنه  يجعله يشعر بالأمان، حتى وإن علم أنه مظلوم. والعكس صحيح كذلك، فربما جعله ينتقم لنفسه  حين يجد أحيانا من أبويه تشجيعا على  الأعمال العدوانية تجاه زملائه  ووقوفهم  بجانبه دائما  في مثل هذه المواقف.

سادسا: الأغاني الهابطة والموسيقي ذات الإيحاءات الجنسية، والمعاني الرديئة تحدو بالطفل لا محالة إلى العنف وحب التمرد وإلى الممارسات السيئة أخلاقيا، خاصة حين يقرأ الآباء والمحيطون به الأغاني الهابطة ويتركونه فريسة لسماعها والاستمتاع بها، ربما كان  ذلك السبب الأساسي لفساد الكثير من الأطفال، والعكس صحيح أيضا فالأغاني النقية والمهذبة تحفزه على الفضيلة وتبعث داخله العزيمة والإقدام وكل المعاني الراقية التي ننشدها .

سابعا: المسجد والقرآن سلاح لا مثيل له في حماية أبنائنا من الزلل والسقوط حتي في المراحل المتأخرة  في مستقبله. فالقلب الذي التحم بنور القرآن أصبح محميا بحماية إلهية إلي جانب الفوائد الأخرى للقران من البركة والذكاء ومخارج الألفاظ وإمكان حفظه في كل الأعمار وليس شرطا حفظ القران كله بل  علي قدر إمكانياته وسنه يتبرك ببركة القرآن  .

والمسجد وتعود الطفل عليه في سن مبكر يجعله مدفوعا إلى الشعور بالمراقبة من قبل المولى، ومعرفته بأن هناك أمورا يجب الأبتعاد عنها وأن هناك حساب وعقاب، يجعله متحفظا بدرجة عالية إلي جانب الفوائد الأخرى  للمسجد من قبيل تجمع  المسلمين  وحثهم على الفضيلة والبُعد عن الرذائل، وكما قال تعالى ” إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر”. أبناؤنا أمانة في أعناقنا وهم ثمرة كفاحنا ورعايتنا فحين نخسرهم فقد خسرنا كل شيء ولكن ذلك لا يأتي بالتمني، بل لا بد من الرعاية والعناية بهم ومتابعتهم أولا بأول.

 203 total views,  2 views today