أيمن بن عبدالله بن زاهر البيماني

الاقتصادُ الريعيُّ (Rent Economy) هُوَ اعتمادُ الدَّولة على مَصْدَرٍ واحدٍ أو أكثر للدَّخل القوميِّ؛ بحيث تمتلكُ السُّلطة الحاكمة مشروعية إنتاج وبيع هذا المصدر، وتوزيعه في مشاريع الدولة ورواتب المواطنين…وغيرهما، ولكنَّ هذا المصدرُ ليس مَصْدَراً معرفيًّا مُتجدِّداً مع تجدُّد المعرفة البشرية والحياة اليومية؛ حيث يُعدُّ مصدراً مُهدَّداً بالتذبذب والارتفاع والانخفاض، أو حتى التوقُّف النهائي فجأةً؛ وذلك بسبب عوامل مُحيطة مُؤثِّرة؛ مثل: الأوضاع السياسية، والكوارث الطبيعية، والقوانين الدولية. وعندما يهتزُّ اقتصادُ الريع، فإنَّه يملك القُدْرَة على اجتثاثِ عَجَلة التنمية، وسَحْقها من جذورها بلا رَجْعة. فالمُجْتَمعُ الريعيُّ لم يُبالغ علماء الاقتصاد حينما وَصَفُوْه بـ”المجتمع الهش، سهل الانهيار، آيلاً للسقوط، مُتوازياً مع سلوك مُواطني تلك الدول؛ نتيجة توزيع الدولة لأموال الريع عليهم في الرواتب والمشاريع الخدمية”.

فِي العالم: مَنْ يُنْتِج وَمَنْ يَسْتَهلك؟
بِبَسَاطةٍ شديدة؛ ينتج أصحاب الاقتصاد المعرفي، وتستهلك دول الاقتصادي الريعي. دولنا العربية -وبالتحديد في الخليج وشمال إفريقيا- فأنها دول ذات إنتاج ريعي بحت وبدرجة أساسية؛ حيث تعتمدُ أغلب اقتصاديات هذه الدول على بيع وتصدير المادة الخام، والمهدَّدة بالتوقف أو النفاذ في أي وقت وأي مكان ولأي سبب، دون السعي لتصنيع هذه المادة الخام لأيِّ شكل من الأشكال الأخرى.
لَا تَزَال أغلب دول الخليج تعتمدُ على النفط بنسبة تصل لأعلى من 80% من الناتج القومي؛ مما جَعَل النفط في هذه الدول هو القاطرة الأساسية والكبيرة لاقتصادياتها؛ لذلك فهذه الدول تصرخ وبشدة عند أي انخفاض مفاجئ لأسعاره العالمية؛ لأنَّها بَنَت خططها وإستراتيجياتها المستقبلية على مَوْرِد غير مستقر إطلاقاً، وغير مَضْمُون للأجيال القادمة.

وَفِي ظلِّ الانخفاض العالمي لسعر البترول، وما نتج عنه من أزمات حادة؛ فإنَّ اتجاه بعض دول الخليج لاستخدام الاحتياطات النقدية التي تملكها، والتي تقدَّر ببلايين الدولارات، لن يَصْمُد طويلاً، ولن تكفي لتمويل مشروعاتها التنموية على المدى البعيد، وخلال طُوْل هذه الفترة ستُعَاني تلك الدول بلا شك من أزمات مالية وسياسية واقتصادية عنيفة. وأذكُر هنا شخصيًّا مقولة حرفية لشخص من الجنسية الأمريكية كان يتحدَّث عن الدول العربية، وتذيلها دول العالم المعرفي والصناعي بقوله: (It’s not about the technology, it’s about the people themselves)، وهو محقٌّ في كلامه ولا غُبَار عليه؛ فالمشكلة ليست في التكنولوجيا، وإنما هي العقول والفكر لدى هذه الشعوب ذات الفكر الاستهلاكي. وبمعنى آخر، رُبَّما لا تكون الشعوب هي السبب، ولكنَّ السلطات الحاكمة والسياسات الوضعية في هذه الأقطار العربية.
وَلَكنَّنا يَجِب أنْ نكون حياديين لا نظلم جميعَ الدول العربية؛ فدولة الإمارات العربية المتَّحدة، وفي الوقت الحالي أصبحتْ مِثَالاً عمليًّا ناجحًا في خَلْق اقتصاد موازٍ لاقتصاد البترول الريعي، فلا نُنْكِر أنَّ الإمارات قد راكمتْ مُدَّخرات هائلة خلال فترة الطفرة النفطية في العقود القليلة المنصرمة؛ ولكنَّها لم تُسَارع إلى استنفاذ هذه المدخرات فور ظهور بوادر تذبذب أسعار النفط العالمي، وإنَّما بدأتْ بالبحث عن مصادر دخل جديدة لميزانية الدولة كالخدمات اللوجيستية والإيرادات السياحية والتصنيع.

دُوَل الشام، وبعض دول شمال إفريقيا، كانت لديها محاولات لتنويع الاقتصاد بشكل أكبر، بعيداً عن البترول، ولكنَّ أحداثَ الرَّبيع العربي والأوضاع السياسية في الأجواء العربية، حالت دُوْنَ استمرار تلك المحاولات لتبُوْء بالفشل في الوقت الحالي.

أَنْوَاع الاقتصاد الريعي
حَدَّد علماءُ الاقتصاد نَوْعَيْن من الاقتصاد الريعي؛ هما:
– اقتصادٌ ريعيٌّ خارجيٌّ يعتمدُ على تَصْدِير النفط والغاز والفحم الطبيعي كدول الخليج، وريع السياحة كأغلب دول جنوب شرق آسيا، وريع الممرات وخطوط النقل الإستراتيجية كمصر التي تعتمد على 6 مليارات دولار سنويًّا كدخلٍ ريعيٍّ من قناة السويس، وريع تحويلات المغتربين والعاملين في الخارج كالهند التي تعتبر الأعلى عالميًّا في التحويلات المالية من الخارج؛ ففي العام 2012م بلغ الريع الخارجي للاقتصاد الهندي حوالي 83 مليار دُولار، وهي نسبة ما يُحوِّله الهنود المغتربون خارج الهند إلى بلادهم، ونسبة 95% من هذه التحويلات تأتي من خلال دول الخليج المتخمة بالوافدين الهنود.

– اقتصادٌ ريعيٌّ داخليٌّ السيادة؛ كالصناديق السيادية التي تلجأ بعض الدول لعملها في أوقات الأزمات، وقد تَتَفاقم حِدَّة المشكلة إذا لم تكن هناك بوادر لانحسار تلك الأزمة، وريع الخدمات التابعة لأنشطة الدولة كالخدمات الصحية والخدمات المرورية ومعاملات الإسكان وأسعار البترول الداخلي…وغيرها، كما تفعل بعض دول الخليج في الوقت الراهن كمصدر دخل لها.

الوَقُود الأحفوري – المعرفة
دُوَل الاقتصاد الريعي البترولي لم تكتفِ بتصدير أغلبه للخارج والعيش على أموال ذلك البيع؛ ولكنها في الوقت ذاته لا تزال تحرقه بشكل كبير للحصول على الطاقة اللازمة للحياة اليومية. الكيِّس مَنْ يَرَى أنَّ الوقودَ الأحفوريَّ هو أغلى وأثمن من أنْ يحرق هكذا، فهو ثروة وطنية ينبغي في أسوأ الأحوال بَيْعها، واستخدام تلك الأموال في البحث عن مصدرٍ جديدٍ كالطاقة.

وَدَائمًا ما نستخدم الوقود الأحفوري كمثال بسبب الأموال الطائلة التي تُجْنَى من وَرَاء بَيْعه وتَصْدِيره؛ فلو قامتْ تلك الدول باستخدام وسائل طاقة جديدة -كالرياح والشمس والمياه والوقود الحيوي- لما احتاجتْ لحرق البترول والديزل لتوليد الكهرباء. كَمَا أنَّ هذا البترول يُمْكِن إدامة استخدامه من خلال تصنيعه وتحويله إلى أشكال مُختلفة من الصناعات والسلع والمنتجات؛ فلو قُلْنَا إنَّ كلَّ دولة عربية تبيع برميل النفط -كمثال- بمائة دولار، فأكاد أُجْزِم بأنَّ اليابان -كمثال- سَوْف تستردُّ منه مبلغًا يُقدَّر بآلاف الدولارات من خلال تصنيع آلاف السلع بواسطته، والتي في النهاية نقوم نحن بشرائها واستهلاكها.. فعلاً نحنُ مُجْتَمَعات استهلاكية فقط!!

وَفِي كِلْتَا الحالتين -سواء من حيث استخدام طاقة نظيفة، أو إعادة تصنيع منتجات جديدة بالبترول- فإنَّ الدولة ستستطيع توفير آلاف فرص العمل واحتواء الباحثين عن وظائف في البلد، بدلاً من الزجِّ بِهِم في الوزارات والمؤسسات دون الحاجة لهم؛ فيُصْبِح عمل شخص واحد قد أنيط إلى 5 موظفين، هي “البطالة المستترة” ببساطة شديدة.

وَلِتَعْرِف أهمية اقتصاد المعرفة المستمر والمتجدِّد، انظر إلى إحصائيات صافي الأرباح السنوي لكبرى الشركات التقنية حول العالم؛ فصافي أرباح شركة آبل عام 2016 فاق 50 مليار دولار، وشركة مايكروسوفت فاقت أرباحها عام 2016 حوالي 17 مليار دولار، ويكفيك علماً بأنَّ اقتصادَ هاتين الشركتين قادرٌ على هزِّ أقوى أوجه الاقتصاد العالمي، والتأثير فيه وفي مساراته، نعم إنها المعرفة وليست البترول الناضب!!

أفْضَل نهاية يُمْكِن أنْ أختمَ بِهَا هذا المقال كالتالي: الاقتصادُ الريعيُّ ينقُص بكثرة الاستخدام، والمعرفة الإنسانية تتجدَّد يوماً بعد يوم، وتتزايد بكثرة الاستخدام، وتتفرع لأنواع جديدة من المعرفة…وهكذا؛ ولذلك: اقتصادُ المعرفة يغرِّد خارج السِّرب، وبعيداً كلَّ البُعْد عن اقتصاد الريع الفقير!

184 total views, 2 views today