د‭. ‬مُحمد‭ ‬سيد‭ ‬حسن

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

مُقدِّمة‭:‬

تلعب‭ ‬الفلسفة‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬حضارة‭ ‬الأمم‭ ‬وازدهارها؛‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنه‭ ‬يُمكن‭ ‬الزَّعم‭ ‬بأنَّ‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬بين‭ ‬تطوُّر‭ ‬مُجتمع‭ ‬ما،‭ ‬وأمنه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وسلامته،‭ ‬وانتشار‭ ‬قِيم‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬والتجاور‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبين‭ ‬انتشار‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬وقبوله‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬والمتأمِّل‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحضارات‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ -‬بوضوح‭- ‬الإسهامات‭ ‬الإيجابية‭ ‬للفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬تطوُّر‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة؛‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭. ‬وفى‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬الفهم،‭ ‬تسعى‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬البحثية‭ ‬لمناقشة‭ ‬الدَّور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬الفلسفة‭ ‬داخل‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭. ‬ولكي‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدًا،‭ ‬نسعى‭ ‬لمعرفة‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلعبه‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬وعلاقة‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬ثمَّة‭ ‬دور‭ ‬للفلسفة‭ ‬في‭ ‬العلم،‭ ‬فماذا‭ ‬عساه‭ ‬أن‭ ‬يكون؟‭! ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬سنحاول‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬إجابة‭ ‬عنها‭ ‬عبر‭ ‬الصفحات‭ ‬التالية‭.‬

الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬والفلسفة‭:‬

كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬مناقشة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬والفلسفة؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأننا‭ ‬نزعم‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬التطور‭ ‬والتجديد‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أسس‭ ‬فلسفية،‭ ‬ورؤية‭ ‬منطقية،‭ ‬ومهارات‭ ‬نقدية‭ ‬تستطيع‭ ‬الفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تزود‭ ‬بها‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬دفع‭ ‬حركة‭ ‬العلم‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬الفكر‭: ‬الفكر‭ ‬النسبي‭ ‬والفكر‭ ‬المطلق‭ ‬أو‭ ‬الدوجماطيقي،‭ ‬فالفكر‭ ‬النسبي‭ ‬يؤمن‭ ‬دائما‭ ‬بأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬العلمية‭ ‬متغيرة،‭ ‬وأن‭ ‬مقولات‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬مستمرة؛‭ ‬لهذا‭ ‬فالباحث‭ ‬ذو‭ ‬الفكر‭ ‬النسبي‭ ‬يؤمن‭ ‬بتعددية‭ ‬الآراء،‭ ‬ويسمح‭ ‬بالاختلاف،‭ ‬ويفتح‭ ‬مجالا‭ ‬واسعا‭ ‬للرؤية‭ ‬المتعددة‭ ‬للنص‭ ‬الواحد،‭ ‬أو‭ ‬القضية‭ ‬الواحدة‭. ‬وعلى‭ ‬النقيض،‭ ‬فإن‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬المؤمن‭ ‬بالفكر‭ ‬المطلق‭ ‬أو‭ ‬الدوجماطيقي‭ -‬رغم‭ ‬إيمانه‭ ‬بأن‭ ‬العلم‭ ‬متغيِّر‭- ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عقله‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬ما‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬x‭- ‬صالحة،‭ ‬وأن‭ ‬مقولاتها‭ ‬النظرية‭ ‬ومبادئها‭ ‬جديرة‭ ‬دائما‭ ‬بالتوظيف،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬السياق‭ ‬ذاته‭ ‬مختلفا‭. ‬وهذا‭ ‬الفهم‭ ‬يفتح‭ ‬طريقا‭ ‬لواحدية‭ ‬النص،‭ ‬ورفض‭ ‬التعددية،‭ ‬ومحاربة‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭. ‬وهنا،‭ ‬يقع‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬مفارقة‭ ‬جديرة‭ ‬بتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬عليها؛‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬بالنسبية‭ ‬والتغير‭ ‬يندرج‭ ‬تحته‭ ‬فكرٌ‭ ‬صارمٌ‭ ‬متشددٌ،‭ ‬يُقصي‭ ‬الفكر‭ ‬الآخر‭ ‬المخالف‭ ‬ولا‭ ‬يقبله‭.‬

إن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية،‭ ‬وفى‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬التعليمية‭ ‬العربية،‭ ‬وعلى‭ ‬الباحثين‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالبحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي،‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬تعكس‭ ‬التشدُّد‭ ‬الفكري‭ ‬والتعصُّب‭ ‬للرأي‭ ‬وواحدية‭ ‬الفكر‭. ‬والمتأمل‭ ‬للإنتاج‭ ‬الفكري‭ ‬لطلاب‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬العربية،‭ ‬سيجدها‭ ‬انعكاسا‭ ‬لرؤية‭ ‬المشرف؛‭ ‬فالطالب‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬تُتاح‭ ‬له‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وتقديم‭ ‬الجديد‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬مُخالفا‭ ‬للعقل‭ ‬الدوجماطيقي‭. ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الانصياع‭ ‬لهذا‭ ‬الفكر‭ ‬الدوجماطيقي‭ -‬المنتشر‭ ‬لدى‭ ‬أغلب‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب‭- ‬يعد‭ ‬نقيضا‭ ‬للإبداع‭ ‬والتجديد‭ ‬وحرية‭ ‬إعمال‭ ‬العقل،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تنادى‭ ‬بها‭ ‬الفلسفة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬تتوقَّف‭ ‬حركة‭ ‬تقدم‭ ‬العلم‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬بها‭ ‬وممارساتها‭. ‬وهنا‭ ‬نطرح‭ ‬التساؤل‭ ‬المهم؛‭ ‬وهو‭: ‬ما‭ ‬علاقة‭ ‬طبيعة‭ ‬تفكير‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬بالتنوير؟

وللإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التطرق‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬إيمانويل‭ ‬كانط،‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬إجابة‭ ‬ملهمة‭ ‬لمفهوم‭ ‬الإبداع،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالتفكير؛‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1784،‭ ‬وتُرجم‭ ‬للإنجليزية‭: “‬إجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭: ‬ماذا‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التنوير؟‭”‬‭ (‬Beade.2014:87‭)‬‭.‬

يُجيب‭ ‬كانط‭ ‬بأن‭ ‬التنوير‭ ‬هو‭ “‬تحرر‭ ‬من‭ ‬الوصايا‭ ‬التي‭ ‬تكبدت‭ ‬الذات‭”‬،‭ ‬وقد‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بجملته‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬لاحقا‭ ‬شعارا‭ ‬للتنوير‭: “‬كن‭ ‬جريئا‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬عقلك‭”. ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لم‭ ‬يستخدم‭ ‬كانط‭ -‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭- ‬مصطلح‭ ‬أو‭ ‬مفهوم‭ ‬Reasonبمعنى‭ ‬العقل،‭ ‬لكنه‭ ‬استخدم‭ ‬مصطلح‭ ‬الفهم‭ ‬understanding،‭ ‬الذي‭ ‬تُرجم‭ ‬بمعنى‭ ‬أو‭ ‬كمرادف‭ ‬لمفهوم‭ ‬العقل‭. ‬والمقصود‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تنويريا،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يتصف‭ ‬بالشجاعة‭ ‬اللازمة‭ ‬لاستخدام‭ ‬مهارات‭ ‬ملكة‭ ‬الفهم‭ ‬التي‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬مهارات‭ ‬كالتطبيق‭ ‬والتحليل‭ ‬والتأليف‭ ‬والتقويم‭…‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬تهتم‭ ‬بها‭ ‬الفلسفة‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المهارات‭ ‬التي‭ ‬تندرج‭ ‬تحت‭ ‬مفهوم‭ ‬كانط‭ ‬عن‭ ‬العقل،‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬للفرد‭ ‬تشكيل‭ ‬معرفة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تفتح‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬التعددية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تطرحه‭ ‬الفلسفة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭. ‬والسؤال‭ ‬الآن‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬إنتاج‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي؟‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أجيب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬نعود‭ ‬للدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬حضارتنا‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬وكيف‭ ‬انتهى‭ ‬بها‭ ‬الدور‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬وحتى‭ ‬عصرنا‭ ‬الحالي‭ ‬‭(‬حسن‭&‬السعدي‭. ‬13‭:‬2017‭)‬‭.‬

عندما‭ ‬نخضع‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬للتحليل‭ ‬النقدي،‭ ‬فيمكننا‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬مرحلتين‭: ‬مرحلة‭ ‬ازدهار‭ ‬الحضارة‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬ومرحلة‭ ‬انحدارها‭ ‬وهي‭ ‬المرحلة‭ ‬التالية‭ ‬للقرن‭ ‬العاشر‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬التحليلية،‭ ‬تأتي‭ ‬الفلسفة‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬المرحلتين‭. ‬فعندما‭ ‬يتم‭ ‬قبول‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الحضارة‭ ‬للتقدم،‭ ‬بما‭ ‬تصبغه‭ ‬على‭ ‬الحضارة‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬تعددية‭ ‬وتسامح‭ ‬وتعايش،‭ ‬بينما‭ ‬العكس‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬نبذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬تسود‭ ‬قيم‭ ‬التعصب‭ ‬والاضطهاد‭ ‬واللاتسامح‭…‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬السلبية‭. ‬ولعل‭ ‬ظهور‭ ‬الغزالي،‭ ‬وصراعه‭ ‬مع‭ ‬ابن‭ ‬رشد،‭ ‬واعتلاء‭ ‬الساحة‭ ‬الفكرية‭ ‬علماء‭ ‬دين‭ ‬كابن‭ ‬تيمية‭ ‬وابن‭ ‬القيم‭…‬وغيرهما،‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬انحسار‭ ‬الفلسفة‭ ‬ومكانتها‭ ‬بتجديد‭ ‬الفكر‭ ‬وتحريك‭ ‬الجمود‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬مسيطرًا‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالبحث‭ ‬العلمي‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬النقاط‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬التحليل‭ ‬النقدي‭: ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬الإسلامي‭ ‬استخدم‭ ‬الفلسفة‭ ‬كأداة‭ ‬للتفكير‭ ‬المنطقي‭ ‬السليم‭. ‬إن‭ ‬العقل‭ ‬الإسلامي‭ ‬لم‭ ‬يُقدم‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولكن‭ ‬استخدم‭ ‬نظريات‭ ‬أفلاطون‭ ‬وآرسطو‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والفلسفة‭. ‬ومن‭ ‬ثمَّ،‭ ‬فإنَّ‭ ‬العقل‭ ‬الإسلامي‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنظير‭ ‬وطرح‭ ‬الأفكار‭ ‬النظرية،‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬متكامل‭ (‬Russell.1945‭:‬Ch.X‭) ‬بدليل‭ ‬أن‭ ‬علماء‭ ‬المسلمين‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬استخدموا‭ ‬التجريب‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬لديهم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬قواعد‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي،‭ ‬كما‭ ‬قدمها‭ ‬بيكون‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬‭(‬حسن‭&‬السعدي‭.‬13‭:‬2017‭)‬‭.‬

ومن‭ ‬النقاط‭ ‬المهمة‭ ‬أيضا،‭ ‬والتي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬التحليل‭ ‬النقدي،‭ ‬هي‭ ‬ذلك‭ ‬التقاطع‭ -‬النظرة‭ ‬التكاملية‭ ‬والشمولية‭ ‬للعلوم‭- ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬وبين‭ ‬مجالات‭ ‬البحث‭ ‬المختلفة؛‭ ‬فالطبيب‭ ‬والمهندس‭ ‬والفيزيائي‭ ‬والفلكي‭ ‬كانوا‭ ‬فلاسفة‭ -‬كابن‭ ‬سينا‭ ‬والرازي‭ ‬وابن‭ ‬رشد‭ ‬وابن‭ ‬الهيثم‭…‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬الكتابات‭ ‬الفلسفية‭- ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ميَّز‭ ‬مرحلة‭ ‬الازدهار‭ ‬الحضاري،‭ ‬بينما‭ ‬عندما‭ ‬انفصلت‭ ‬الفلسفة‭ -‬فكرة‭ ‬الخطوط‭ ‬المنفصلة،‭ ‬أو‭ ‬الكيان‭ ‬العلمي‭ ‬القائم‭ ‬بذاته‭- ‬وانحسر‭ ‬دورها‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ -‬في‭ ‬المجالات‭ ‬البحثية‭ ‬المختلفة‭- ‬مهتمٌّ‭ ‬بالفلسفة‭ ‬وقيمها‭ ‬التي‭ ‬تمنحها،‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفكري،‭ ‬واتصف‭ ‬بالجمود‭ ‬والتقليد،‭ ‬وتراجع‭ ‬الدور‭ ‬الإبداعي‭ ‬للباحث‭. ‬والسؤال‭ ‬الآن‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الإسهامات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقدمها‭ ‬الفلسفة‭ ‬للباحثين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العلم،‭ ‬وكيف‭ ‬يكون‭ ‬للفلسفة‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬وتفعيل‭ ‬العقل‭ ‬التنظيري‭ ‬للباحثين؟‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ستقودنا‭ ‬لمناقشة‭ ‬المحور‭ ‬التالي‭.‬

الفلسفة‭ ‬وبناء‭ ‬النموذج‭ ‬العلمي‭:‬‭ ‬

يقصد‭ ‬بالنموذج‭ ‬العلمي‭ ‬طريقة‭ ‬إعادة‭ ‬تمثيل‭ ‬الواقع،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬معرفي،‭ ‬أو‭ ‬نظرية‭ ‬ما،‭ ‬بطريقة‭ ‬مبسطة؛‭ ‬وذلك‭ ‬باستخدام‭ ‬الأشكال‭ ‬التوضيحية‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬التفاعلات‭ ‬البينية‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬البناء‭. ‬لهذا؛‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬العلماء‭ ‬والمفكرين‭ ‬يلخصون‭ ‬التعقيدات‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬يطرحونها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬نماذج‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬نظرياتهم‭ ‬وديناميكية‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬مدخلات‭ ‬النظرية‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالمخرجات‭. ‬والسؤال‭ ‬الآن‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬نحو‭ ‬تفعيل‭ ‬العقل‭ ‬التنظيري،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تقديم‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬العلمي؟‭ ‬نعم،‭ ‬الفلسفة‭ ‬تستطيع‭ ‬مساعدة‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬خاصة‭ -‬تجريد‭- ‬وأسس‭ ‬للاستدلالات‭ ‬الصحيحة،‭ ‬وتأسيس‭ ‬نتائج‭ ‬منطقية‭ ‬سليمة‭ ‬لازمة‭ ‬عن‭ ‬المقدمات،‭ ‬واكتشاف‭ ‬مدى‭ ‬الاتساق‭ ‬والتناقضات‭ ‬بين‭ ‬المقدمات‭ ‬والنتائج،‭ ‬وتستطيع‭ ‬الفلسفة‭ ‬أيضا‭ ‬المساعدة‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬تصورات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الحدس‭ -‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬التجربة‭- ‬الوصول‭ ‬للجديد،‭ ‬أو‭ ‬الإبداع‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العلم‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬أهم‭ ‬الفيزيائيين‭ ‬النظريين‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الخيال‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬منزلة‭ ‬المعرفة؛‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬المعرفة‭ ‬محدودة‭ ‬بشروط‭ ‬وإجراءات،‭ ‬بينما‭ ‬الخيال‭ ‬غير‭ ‬محدد،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهو‭ ‬غير‭ ‬مشروط‭. ‬فقد‭ ‬يظن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بالواقع‭ ‬وموضوعاته،‭ ‬وعدم‭ ‬تجاوز‭ ‬ذلك‭ -‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬عند‭ ‬التجريبيين‭- ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬أن‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مصدر‭ ‬أعلى‭ ‬منها‭ ‬وهو‭ ‬الحدس‭ -‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬عند‭ ‬أصحاب‭ ‬الفكر‭ ‬الاستدلالي‭ ‬الفرضي‭- ‬ولهذا،‭ ‬فالفلسفة‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬تصور‭ ‬نظري،‭ ‬وتمثيله‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬نموذج‭ ‬يبسط‭ ‬للباحثين‭ ‬طبيعة‭ ‬العمليات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بين‭ ‬المدخلات‭ ‬النظرية‭ ‬انتهاء‭ ‬بالمخرجات،‭ ‬أو‭ ‬القانون‭ ‬واختباره‭. ‬إن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬النموذج‭ -‬بطريقة‭ ‬عملية‭- ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬جدارته‭ ‬واستحقاقه‭.  ‬فالفلسفة‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬المعاصرة‭ ‬للعلم،‭ ‬ويمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬إسهاما‭ ‬حقيقيا‭ ‬للعلم‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬المتسلسلة،‭ ‬التي‭ ‬يستطيع‭ ‬فيها‭ ‬الباحث‭ ‬استخدم‭ ‬نموذج‭ ‬أو‭ ‬استعارة‭ ‬نموذج‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬معرفي‭ ‬لإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تأويل‭ ‬موضوع‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬معرفي‭ ‬مختلف‭.. ‬وهذه‭ ‬الخطوات‭ ‬الثلاث‭ ‬كما‭ ‬يلي‭: ‬

1-‭ ‬اللحظة‭ ‬السعيدة‭:‬‭ ‬وهى‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يكتشف‭ ‬فيها‭ ‬الباحث‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬نظامين‭ ‬معرفيين،‭ ‬أو‭ ‬اكتشاف‭ ‬إمكانية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬ظاهرة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭.‬

2-‭ ‬الربط‭ ‬سويا‭:‬‭ ‬وهي‭ ‬محاولة‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬النسق‭ ‬أو‭ ‬البناء‭ -‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬مخالفة‭ ‬لطرق‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬العناصر‭- ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬لعملية‭ ‬التجديد‭ ‬والقراءة‭ ‬الجديدة‭ ‬لنفس‭ ‬العناصر‭ ‬المكونة‭ ‬لنفس‭ ‬النسق‭.‬

3-‭ ‬التحقق‭:‬‭ ‬وهو‭ ‬اختبار‭ ‬صحة‭ ‬النموذج‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬الربط‭ ‬والبناء؛‭ ‬وذلك‭ ‬بتطبيقه‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬لهذا‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الأخرى‭.. ‬كما‭ ‬سنناقش‭ ‬ذلك‭ ‬لاحقا‭.‬

فالفلسفة‭ ‬ليست‭ ‬كما‭ ‬ادعى‭ ‬الفلاسفة‭ ‬اليونانيون‭ ‬مُتعة‭ ‬نظرية،‭ ‬بل‭ ‬للفلسفة‭ ‬أهمية‭ ‬تطبيقية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬العلمي؛‭ ‬وهي‭ : ‬البناء‭ ‬والتصميم‭ ‬النظري‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬تحتاج‭ ‬لمنطق‭ ‬للبناء‭ ‬والكشف،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬الفلسفة‭ (‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬النموذج‭ -‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬تصميمه‭ ‬وبنائه‭-‬‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬لاختبار‭ ‬صحة‭ ‬مقولاته‭ ‬ومبادئه،‭ ‬واختبار‭ ‬مدى‭ ‬فاعليته‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬النماذج،‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أساس‭ ‬أبستمولوجي‭ ‬مغاير،‭ ‬أقصد‭ ‬بهما‭ ‬النماذج‭ ‬الواقعية‭ ‬والنماذج‭ ‬المثالية‭.‬

أولا‭: ‬الفلسفة‭ ‬والنماذج‭ ‬الواقعية‭:‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المحور،‭ ‬سنحاول‭ ‬أن‭ ‬نوضح‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬معرفة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬المعرفية‭ ‬فيما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬الدراسات‭ ‬البينية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬والفلسفة‭ -‬كما‭ ‬سبق‭ ‬وأوضحنا‭- ‬تمكِّن‭ ‬صاحبها‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬فعل‭ ‬التجريد؛‭ ‬بمعنى‭: ‬معرفة‭ ‬المتشابهات‭ ‬أو‭ ‬العناصر‭ ‬المشتركة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬كلية‭ ‬مجردة،‭ ‬تجمع‭ ‬هذه‭ ‬العناصر،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬لتعميمات‭ ‬ومبادئ‭ ‬شاملة‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬القاعدة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬العلوم‭ ‬المختلفة‭ ‬متشابهة،‭ ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المسلمة‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬للباحث‭ ‬استعارة‭ ‬نموذج‭ ‬بنائي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المجالات‭ ‬المعرفية؛‭ ‬لتفسير‭ ‬ظاهرة‭ ‬أو‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬معرفي‭ ‬آخر‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭:‬

‭- ‬تشابه‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬العناصر‭:‬‭ ‬وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج،‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬العناصر‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬المجالين‭ ‬المعرفيين‭.‬

‭- ‬توازي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البناء‭:‬‭ ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج،‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬البناء‭ ‬أو‭ ‬النسق‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬كلا‭ ‬المجالين‭.‬

‭- ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬البحث‭: ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج،‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬البحث،‭ ‬وهو‭ ‬محاولة‭ ‬تفسير‭ ‬إحدى‭ ‬الظواهر‭ ‬بتفسيرها‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬المبادئ‭ ‬والقواعد‭ ‬الحاكمة‭ ‬لظاهرة‭ ‬أخرى‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬معرفي‭ ‬مختلف‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬هناك‭ ‬محاولات‭ ‬لتفسير‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬فيزيائي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬محاولات‭ ‬لتفسير‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬رياضي،‭ ‬وهناك‭ ‬محاولات‭ ‬لتفسير‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬نماذج‭ ‬فلسفية‭ ‬قدَّمها‭ ‬الفلاسفة‭ ‬للنشاط‭ ‬العقلي‭. ‬وهكذا؛‭ ‬فالاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬الهدف‭ ‬منه‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬وطرح‭ ‬أفكار‭ ‬ومقارنات‭ ‬وتطبيقات‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬نظام‭ ‬معرفي‭ ‬ما‭ ‬لإعادة‭ ‬تفسير‭ ‬إحدى‭ ‬ظواهره‭ ‬بطريقة‭ ‬جديدة،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬إكسابها‭ ‬أبعادا‭ ‬تفسيرية‭ ‬جديدة‭.. ‬فالفلسفة‭ ‬تساعد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬واقع‭ ‬النظرية‭ ‬بما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬معرفية،‭ ‬وتسعى‭ ‬أولا‭ ‬لعملية‭ ‬تجريد‭ ‬بردِّ‭ ‬المتشابهات‭ ‬إلى‭ ‬أفكار‭ ‬مجردة،‭ ‬وإدراك‭ ‬التفاعلات‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬النظرية،‭ ‬ثم‭ ‬تتبعها‭ ‬عملية‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬وربط‭ ‬مقولات‭ ‬ومفاهيم‭ ‬ومبادئ‭ ‬النموذج،‭ ‬عبر‭ ‬عملية‭ ‬محاكاة‭ ‬ومماثلة‭ – ‬كما‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭. ‬فأهمية‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬النموذج‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬تجريد‭ ‬محض،‭ ‬لكنها‭ ‬عملية‭ ‬بنائية‭ -‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬فكرية‭ ‬جادة‭- ‬تهدف‭ ‬لتطبيق‭ ‬ما‭ ‬أسفرت‭ ‬عنه‭ ‬عملية‭ ‬التأليف‭ ‬العقلي‭ ‬على‭ ‬المعطى،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬تفسيره؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بالتعددية‭ ‬الفكرية‭ ‬والقراءة‭ ‬المتعددة‭ ‬للمعطى‭. ‬ولعل‭ ‬الشكل‭ ‬التالي‭ ‬يوضح‭ ‬طبيعة‭ ‬البناء‭ ‬والعمليات‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها‭ ‬بناء‭ ‬النموذج‭ ‬التفسيري‭.‬

وفى‭ ‬الحقيقية،‭ ‬الفلسفة‭ ‬تسهم‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬وفعَّال‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬البناء‭ ‬والتفسير،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬تقديم‭ ‬نواتج‭ ‬فكرية‭ ‬جديدة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭. ‬ففي‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجامعية‭ ‬الغربية‭ ‬والباحثين‭ ‬الغربيين،‭ ‬تثمن‭ ‬دور‭ ‬الفلسفة‭ ‬بما‭ ‬تقدمه‭ ‬للباحث‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ‬تساعده‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والفهم‭ ‬والتحليل‭ ‬والتأليف‭ ‬والتطبيق،‭ ‬ثم‭ ‬التقييم،‭ ‬وهي‭ ‬سلسلة‭ ‬متصلة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬تدفعه‭ ‬لتقديم‭ ‬تصورات‭ ‬نظرية‭ ‬مختلفة‭ ‬للموضوع‭ ‬الواحد،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬فهي‭ ‬فعالية‭ ‬ونشاط‭ ‬مستمر‭ ‬من‭ ‬التنظير‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬الانغلاق‭ ‬الفكري‭ ‬والقراءة‭ ‬الواحدة‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬يُمكنها‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬العقلية‭ ‬لبناء‭ ‬نموذج‭ ‬تفسيري؛‭ ‬فالنتيجة‭ ‬المتوقعة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬الفلسفة‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الأنساق‭ ‬المعرفية‭ ‬المتعددة؛‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬إنسانية‭ ‬لتقديم‭ ‬تفسير‭ ‬كلي‭ ‬شامل‭ ‬يغطي‭ ‬جميع‭ ‬الجوانب‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالظاهرة‭. ‬لهذا؛‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬لتلعبه‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬البينية؟‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬الفلسفة‭ ‬تسهم‭ ‬إسهاما‭ ‬واضحا‭ ‬وفعَّالا‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬المعرفية‭ ‬للدراسات‭ ‬البينية؛‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الدراسات‭ ‬البينية‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لنموذج‭ ‬لإدراك‭ ‬العناصر‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الأنساق‭ ‬المعرفية،‭ ‬وتجريدها،‭ ‬ومعرفة‭ ‬التفاعلات‭ ‬البينية‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬العناصر،‭ ‬ثم‭ ‬تأليفها‭ -‬في‭ ‬إطار‭ ‬تصور‭ ‬جديد‭- ‬بمفاهيم‭ ‬ومبادئ‭ ‬جديدة،‭ ‬ثم‭ ‬بناء‭ ‬النموذج‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬تفسير‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الأنساق‭ ‬المختلفة؛‭ ‬وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬ان‭ ‬تؤسس‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬اصطلاحا‭ ‬بـ‭”‬وحدة‭ ‬المعرفة‭ ‬الإنسانية‭”. ‬ولعلَّ‭ ‬المشتغلين‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والتجريد‭ ‬والتحليل،‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬التأليف‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬تفسيري‭ ‬جديد‭ ‬يسعى‭ ‬للربط‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنساق‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬مختلفة‭ ‬وغريبة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭. ‬وفى‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬الفهم،‭ ‬سعى‭ ‬الباحث‭ ‬لتقديم‭ ‬بعض‭ ‬الإسهامات‭ ‬الفكرية‭ ‬لتفعيل‭ ‬دور‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬البناء‭ ‬الفكري،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الأنساق‭ ‬المعرفية‭ ‬المختلفة‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬تم‭ ‬طرح‭ ‬تصور‭ ‬نظري‭ ‬ونموذج‭ ‬للربط‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬وعلم‭ ‬السياسة‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الموجه‭ ‬النظري‭ ‬هو‭ ‬التساؤل‭: ‬هل‭ ‬الثورة‭ ‬تسير‭ ‬بطريقة‭ ‬عشوائية،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تسير‭ ‬وفقا‭ ‬لآليات‭ ‬ووفقا‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬تطورها‭. ‬وقد‭ ‬سعينا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬يفسر‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬عليها‭ ‬الثورة؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أخذ‭ ‬نماذج‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الثورات،‭ ‬مارسنا‭ ‬عليها‭ ‬العمليات‭ ‬العقلية‭ ‬من‭ ‬تجريد‭ ‬واستدلال‭ ‬وتحليل‭ ‬وتركيب؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬يفسر‭ ‬لنا‭ ‬حركة‭ ‬تطور‭ ‬الثورة‭ ‬ذاتها‭. ‬إذن‭ ‬الفلسفة‭ ‬تسهم‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬المعرفة‭ ‬التقليدية،‭ ‬وتسعى‭ ‬بفاعلية‭ ‬نحو‭ ‬طرح‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتقديم‭ ‬فكر‭ ‬جديد‭. ‬ولكن‭: ‬هل‭ ‬كل‭ ‬معرفة‭ ‬مُمكنة‭ ‬تكمُن‭ ‬في‭ ‬الواقع؟‭ ‬وهل‭ ‬المنهج‭ ‬التجريبي‭ ‬واتباع‭ ‬خطواته‭ ‬هما‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لإمكان‭ ‬المعرفة؟‭ ‬إنَّ‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تقودنا‭ ‬لمناقشة‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭.‬

ثانيا‭:   الفلسفة‭ ‬والنماذج‭ ‬المثالية‭:‬

في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬الإيمان‭ ‬بالواقع‭ ‬وموضوعاته‭ ‬القابلة‭ ‬للملاحظة‭ ‬والقياس،‭ ‬وأن‭ ‬المعرفة‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الواقع‭ ‬ولا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأساس‭ ‬المعرفي‭ ‬الذي‭ ‬شيد‭ ‬عليه‭ ‬التجريبيون‭ ‬فلسفتهم؛‭ ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬غلق‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬العقل‭ ‬للوقوع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬الأفكار‭ ‬الميتافيزيقية‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الفكر‭ ‬التجريبي‭ ‬الإنجليزي‭ ‬منذ‭ ‬روجر‭ ‬بيكون‭ ‬وفرنسيس‭ ‬بيكون‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا؛‭ ‬اعتقادا‭ ‬منهم‭ ‬بأن‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬لا‭ ‬تتأسس‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬التجربة،‭ ‬وفي‭ ‬نطاق‭ ‬موضوعات‭ ‬الواقع‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ظهرت‭ ‬دعوات‭ ‬تطالب‭ ‬بالخروج‭ ‬عن‭ ‬المنهج‭ ‬التجريبي‭ ‬فيما‭ ‬عرف‭ ‬لاحقا‭ ‬بـ‭”‬ضد‭ ‬المنهج‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬نادى‭ ‬به‭ ‬الفيلسوف‭ ‬النمساوي‭ ‬فيرابند‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ “‬ضد‭ ‬المنهج‭”. ‬فالعقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬قواعد‭ ‬منهجية‭ ‬صارمة،‭ ‬ولكن‭ ‬تكمن‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬اللاعقلي‭ ‬أو‭ ‬تجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المنهج،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬بعنوان‭” ‬طغيان‭ ‬العلم‭”. ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬حجته‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬الزعم‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬اختزال‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬قواعد‭ ‬منهجية‭ ‬يتبعها‭ ‬الباحث؛‭ ‬فالتعدد‭ ‬والتنوع‭ ‬هما‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭. ‬وأن‭ ‬تنوع‭ ‬الآراء‭ ‬شرط‭ ‬ضروري‭ ‬للموضوعية؛‭ ‬لهذا‭ ‬زعم‭ ‬بأن‭ ‬المنهج‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬للتنوع‭ ‬والتعدد‭ ‬هو‭ ‬منهج‭ ‬صحيح‭ ‬يساير‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬‭(‬Feyerabend.1993.27‭)‬‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬يُمكن‭ ‬تأسيسها‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬التعددية‭ ‬والتنوع‭ -‬بناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬فيرابند‭- ‬فإننا‭ ‬نؤمن‭ ‬بأن‭ ‬النماذج‭ ‬المثالية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬بطريقة‭ ‬تسمح‭ ‬بالتعددية‭ ‬الفكرية‭ ‬والنظرية‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬الواحد‭. ‬فالنموذج‭ ‬المثالي‭ ‬هو‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الأبستمولوجية‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬المعنى‭ ‬أو‭ ‬البناء،‭ ‬وليس‭ ‬الموضوع‭. ‬ولهذا؛‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬مسمَّيات‭ ‬عديدة؛‭ ‬منها‭: ‬النموذج‭ ‬الخيالي،‭ ‬والنموذج‭ ‬اللاواقعي،‭ ‬والنموذج‭ ‬بلا‭ ‬غرض،‭ ‬والنموذج‭ ‬اللا‭ ‬تمثيلي،‭ ‬والنموذج‭ ‬البديل‭.‬

وهو‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬الواقعي‭ ‬الذي‭ ‬يُبنى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفسير‭ ‬موضوع‭ ‬معرفي‭ ‬محدد،‭ ‬ولأنه‭ ‬يمثل‭ ‬الموضوع‭ ‬ذاته‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬النماذج‭ ‬المثالية‭ ‬تعرَّف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬الباحث‭ ‬تأسيس‭ ‬اتجاه‭ ‬جديدا‭ ‬للبحث‭ ‬أطلقنا‭ ‬عليه‭ ‬المثالية‭ ‬البنائية،‭ ‬وهو‭ ‬اتجاه‭ ‬استغرق‭ ‬بناء‭ ‬نموذجه‭ ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬‭(‬Hassan.2013:133‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬نظرية‭ ‬معرفية‭ ‬يمكنها‭ -‬كما‭ ‬يؤمن‭ ‬الباحث‭- ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬تفسيرا‭ ‬للظواهر‭ ‬العلمية‭ ‬والإنسانية‭ ‬بصورة‭ ‬تتصف‭ ‬بالشمولية‭ ‬والكلية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهي‭ ‬محاولة‭ ‬معرفية‭ ‬متعمقة‭ ‬للتحليل‭. ‬فهي‭ ‬رؤية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الواقعية؛‭ ‬لأنها‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يشملها‭ ‬موضوعات‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬نوعا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬يتجاوز‭ ‬التجربة‭ -‬يقبع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الحدس‭- ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬النماذج‭ ‬المثالية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬نماذج‭ ‬لا‭ ‬غرض‭ ‬منها،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬تمثيلية؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأنها‭ ‬تسعى‭ ‬لتطبيق‭ ‬النموذج‭ ‬البنائي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى؛‭ ‬إما‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬أو‭ ‬عليها‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬يتحقق‭ ‬موضوعها‭ ‬واقعيا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬فالموضوع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬سابقا‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬على‭ ‬النموذج،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬المثالية،‭ ‬ولكن‭ ‬الموضوع‭ ‬ذاته‭ ‬سيكون‭ ‬ناتجا‭ ‬وخلقا‭ ‬مباشرا‭ ‬لتفعيل‭ ‬النموذج‭ ‬ذاته‭. ‬فهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬المثالية‭ ‬البنائية‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تنتظر‭ ‬فترة‭ ‬حتى‭ ‬يتمكن‭ ‬النموذج‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬بطريقة‭ ‬وواقعية‭ ‬كنموذج‭ ‬السيارة‭ ‬الطائرة‭. ‬فنموذج‭ ‬السيارة‭ ‬الطائرة‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬المباشرة‭ ‬للتجربة‭, ‬أو‭ ‬للواقع،‭ ‬ولكن‭ ‬تم‭ ‬بناء‭ ‬نموذجها‭ ‬بطريقة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الواقع‭ ‬ذاته،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬النموذج‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬تفعليه‭ ‬واقعيا‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬الآن‭ (‬حسن‭.‬150‭:‬2014‭). ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬يجدد‭ ‬المعرفة،‭ ‬بل‭ ‬يخلقها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نريده‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭. ‬

أما‭ ‬النوع‭ ‬الآخر،‭ ‬والذي‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬المثالية‭ ‬البنائية،‭ ‬هو‭ ‬خلق‭ ‬معانٍ‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬الواقعي‭ ‬أو‭ ‬المعطى‭ ‬ذاته،‭ ‬وإعادة‭ ‬تفسير‭ ‬الموضوع‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬المعاني‭ ‬الجديد‭ ‬المكتشفة‭. ‬فالمثالية‭ ‬البنائية‭ ‬تهدف‭ ‬لإقامة‭ ‬نموذج‭ ‬يفهم‭ ‬الموضوع‭ ‬المعطى‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬معانٍ‭ ‬مثالية‭ ‬مفارقة‭ ‬للموضوع‭ ‬ذاته،‭ ‬وليست‭ ‬من‭ ‬خصائصه‭. ‬وهنا،‭ ‬يكمُن‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬يصممها‭ ‬الباحث‭ ‬المنتمي‭ ‬للواقعية‭ ‬البنائية،‭ ‬وبين‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬يصممها‭ ‬الباحث‭ ‬المنتمي‭ ‬للمثالية‭ ‬البنائية،‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬خصائص‭ ‬كلية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المعطى‭ ‬المحسوس‭. ‬وهنا،‭ ‬قدم‭ ‬الباحث‭ ‬دراسته‭ “‬الأسس‭ ‬المنطقية‭ ‬لعلم‭ ‬النفس‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬تطبيق‭ ‬للنموذج‭ ‬المثالي‭ ‬البنائي‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬وتحليل‭ ‬علم‭ ‬النفس؛‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬‭(‬Hassan‭. ‬2013:87-93‭).‬

الخاتمة‭: ‬

لقد‭ ‬أوضحنا‭ -‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭- ‬أهمية‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأبستمولوجيا‭ ‬المعاصرة،‭ ‬كما‭ ‬أوضحنا‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬مهمًّا‭ ‬وفعَّالا‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬البينية،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ -‬بما‭ ‬تمنحه‭ ‬من‭ ‬مهارات‭- ‬في‭ ‬دفع‭ ‬المعرفة‭ ‬للأمام،‭ ‬وتجديد‭ ‬حركة‭ ‬الفكر‭ ‬بما‭ ‬تقدمه‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ‬تسمح‭ ‬للباحث‭ ‬وتقوده‭ ‬للقراءات‭ ‬المختلفة‭ ‬للنص،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تسمح‭ ‬بتقديم‭ ‬تفسيرات‭ ‬متعددة‭ ‬للموضوع‭ ‬المعطى؛‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬النموذج‭ ‬العلمي؛‭ ‬سواء‭ ‬بنوعيه‭ ‬الواقعي‭ ‬أو‭ ‬المثالي‭. ‬العقل‭ ‬الغربي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬المعرفة‭ ‬وخلقها؛‭ ‬نظرا‭ ‬للمكانة‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬الغربية‭. ‬لهذا؛‭ ‬نجد‭ ‬ان‭ ‬مفاهيم‭ ‬التعددية‭ ‬والنسبية‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسلوكية‭ ‬لدى‭ ‬الباحثين‭ ‬العلميين‭. ‬بينما‭ ‬في‭ ‬عالمنا،‭ ‬فإن‭ ‬الواحدية‭ ‬والدوجماطيقية‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬الفكر‭ ‬السائد‭ ‬لدى‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب‭. ‬ويظل‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬باستطاعتنا‭ ‬تغيير‭ ‬اتجاهاتنا‭ ‬نحو‭ ‬الفلسفة؟‭ ‬وهل‭ ‬باستطاعتنا‭ ‬قبول‭ ‬وممارسة‭ ‬التعددية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والعمل‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يواجهنا‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحالي‭.‬

—————————————————-

المراجع‭:‬

‭- ‬حسن‭. ‬مُحمد‭ ‬سيد‭& ‬السعدي‭. “‬عالية‭ (‬2017‭).. ‬جدلية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والفلسفة‭ ‬والحضارة،‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬معرفي‭ ‬إسلامي،‭ ‬جامعة‭ ‬الشارقة‭.‬‭ ‬الإمارات‭.‬

‭- ‬حسن‭. ‬مُحمد‭ ‬سيد‭ (‬2014‭) ‬المثالية‭ ‬البنائية‭: ‬رؤية‭ ‬أبستمولوجية‭ ‬جديدة‭ ‬وتطبيقاتها‭ ‬فى‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭, ‬مجلة‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة،‭ ‬مصر‭.‬

‭- ‬Beade,I,P(2014‭) ‬On Kant’s Conception of Enlightenment‭, ‬Journal of Las Torres de Lucca‭, ‬vol(4‭).‬PP85-113‭,‬Spain‭.‬

‭- ‬Feyerabend,P(1993‭) ‬Against Method‭, ‬publishing by Verso‭, ‬London‭.‬

‭- ‬Hassan‭. ‬M.S(2013‭) ‬Logical Foundation of Psychology‭, ‬Lambert Publishing‭, ‬Germany‭.‬

‭- ‬Russell‭, ‬B(1945‭) ‬Philosophy of Western Philosophy‭, ‬Simon and Schuster,INC‭, ‬Rockefeller Center‭, ‬New York‭, ‬Book 2‭ ‬Part 2‭, ‬Ch x‭.‬

643 total views, 3 views today