مُحمَّد‭ ‬حسين‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬اللواتي

هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬ترجمة‭ ‬لمقال‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬البحث‭ ‬الفلسفي‭ ‬والكلامي‭” ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬فصلية‭ ‬علمية،‭ ‬مركز‭ ‬بحوث‭ ‬جامعة‭ ‬قم،‭ ‬السنة‭ ‬12،‭ ‬العدد‭ ‬4،‭ ‬للكاتبين‭: ‬علي‭ ‬أصغر‭ ‬مصلح،‭ ‬وسيد‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬مقدم،‭ ‬وقد‭ ‬قمت‭ ‬بترجمته‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬وصححه‭ ‬الاستاذ‭: ‬بهمن‭ ‬أكبري‭ .‬

الخلاصة

طبقًا للمباني الفلسفية لديكارت، فإنَّ الإنسان موجود مستقل بنفسه، وحقيقته عبارة عن النفس أو الفكر والمعرفة.

الله في هذا التحليل يعتبر فكرًا محضًا أيضًا؛ فهو يعد في فلسفة ديكارت شأنا معرفيا، و هو ضامنا للخلق، ومبقيًا للقوانين الميكانيكية للعالم. و بتعيبر آخر فالله هو نفسه تلك القوانين و تلك الطبيعة. فالإنسان في هذا النظام الميكانيكي يعدُّ ماكينة، التي تضيفُ روحًا للمصنوعات فحسب، وهو في مصاف سائر الأشياء الأخرى مخلوق ومصنوع لله فحسب؛ فالله قد خلقه وأطلقه “مثل القوانين الثابتة في العالم”؛ فهو أيضا واحد من هذه القوانين الطبيعية للعالم أيضا، وفاقد للغاية.

على أساس رؤية الطباطبائي، فإن إنسان ديكارت إنسان ممسوخ وبعيد عن هويته.

أحد البحوث المهمة في معرفة الإنسان في الغرب، وخصوصا في العصر الحاضر، هو في حقيقة الإنسان وعلاقته بالإله؛ بكونه مبدأ للعالم وحقيقة مطلقة. السؤال الأساسي لموضوعنا هنا هو: تحليل لعلاقة الإنسان بالله في فلسفة ديكارت ونقد رؤيته بالتوجه لرؤية مُحمَّد حسين الطباطبائي.

أولًا – طرح المسألة:

بَحث علاقة الإنسان بالله في رؤية ديكارت والطباطبائي له أهمية خاصة؛ فديكارت يعدُّ أبا للفلسفة الجديدة، وبالتبعية للثقافة الجديدة الغربية. هو مفكر وببنائه لبنيان التفكر الفلسفي على عقل صانع لنفسه وللموضوعية (فاعل المعرفة ” المتفكر “) قد غيَّر مسيرة التفكير الفلسفي، كما قد غيَّر التحليل الميكانيكي للعالم والإنسان إلى تحليل العقل الرياضي، و أول المفهوم والتعريف الإنسان المعاصر، وأصبح قاعدة للأفكار الفلسفية التي أتت من بعده، وبسط رؤيته الجديدة على العالم والإنسان حتى وقتنا المعاصر.

معرفتنا لمنهج ديكارت تجاه العالم والإنسان، والذي هو قسم من معرفة العالم، يعد أحد احتياجاتنا الثقافية العاجلة.

ومن ناحية أخرى، فإن الطباطبائي وبعنوان كونه فيلسوفا إسلاميا معاصرا، ومُطلعا على المعرفة الفلسفية والكلامية الغربية والحديثة، وله بنفسه أسلوب مستقل للنظام الفلسفي ومعرفة الإنسان. ومن هنا؛ يُعد خيارا مناسبا جدا بأن تكون نظرياته في باب موضوع هذا البحث قاعدة لنقد فكر ديكارت.

وطبقًا لرؤية الطباطبائي، فإنَّ حقيقة الإنسان ليست الفكر والمعرفة فحسب، بل هي روح ونفس إلهية، والتي هي عبارة عن موجود ذاته مجردة ومدبرة للبدن. وهذا الإنسان بفطرته وهويته الإلهية مطلع على نفسه والعالم والله، وهو بعقله السليم مدرك أيضا على معلولية نفسه والعالم، كما هو مدرك فطرته أيضا على فقره الذاتي، وارتباطه المحض بالخالق.

وعليه؛ فلا يُمكن تعريف الإنسان بعنوان أنه موجود مستقل أو موضوع مستقل، بل هو معلول بمسيره الطبيعي والذي هو قانون الفطرة، يصل به إلى القرب الإلهي و الذي هو هدفه الغائي.

الطباطبائي يُطلق على هذا الإنسان “الإنسان المعنوي” أو الفطري، بحيث إذا ما حصل على كمالات عالية، فأنه سوف يصل إلى مقام الإنسان الكامل ويفنى في الحق. و على ضوء الرؤية التوحيدية فأنه سوف يصل إلى الفناء الذاتي والصفاتي والفعلي.

ومثل هذا الإنسان الطالب للمعنى، العارف بالغاية المتوجه إليها، والخالد، والساعي إلى الله، هو عبد الله، وعلاقته بخالقه هي رابطة العبودية والعبادة، وهو لا يدعي الإسقلالية.

أهمية الأبحاث التطبيقية في زماننا الحاضر، ليست من باب تفوق فيلسوف على فيلسوف آخر، بل من أجل تحرير الإنسان المعاصر من الأزمات التي يواجهها.

نوعيَّة الرؤية والتحليل للعلاقة الموجودة بين الإنسان والله، هي مقولة مهمة و موجهة لحياة الإنسان. فدرك الحقيقة الواقعية للإنسان، ومعنى الحياة، وتعامل الإنسان مع نفسه والعالم والحقيقة، وأخيرا درك تكامل سعادة وشقاوة البشر، كلها تعد رهينة تحليل للعلاقة المذكورة.

بالإضافة للتساؤل الأصلي، تطرح عدة تساؤلات فرعية أخرى أيضا؛ مثل:

– هل تحليل ديكارت لعلاقة الإنسان مع الله، يوافق ويتسق مع ماهية وحقيقة الإنسان؟

– هل القبول والالتزام بتحليل ديكارت للعلاقة بين الإنسان والله، يضمن سعادة الإنسان؟

– ما هي نقاط الضعف والمآزق عند ديكارت في بيانه لرؤيته هذه؟ وكيف يُمكن لرؤية الطباطبائي بعنوان كونه فيلسوفا إسلاميا أن تكون مخرجا لهذا؟

ثانيا – علاقة الإنسان مع الله في فلسفة ديكارت

1– أساس معرفة العالم في فلسفة ” ديكارت “:

ديكارت – الذي كان يعدُّ فيلسوفا عقلانيا، في مواجهته مع ترويج الشكاكين ونهج تجريبيِّ زمانه، وفي بيئة عناد المتفكري في العقل و الدين – أنشأ منهجا جديدا في أساس التفكير الفلسفي. تأسيسا على فكره الفلسفي القائم على “أنا أُدرك”، وبإثباته لحقيقة المعرفة، قد غيَّر في أفق ورؤية الفلسفية الرائجة في زمانه.

هو بطرحه لفكرته الأساسية ولهيكل نظامه الفلسفي، يعني “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، زعم أنه قد أقام أول قضية يقينية غير قابلة للشك نحو تأسيس نظامه العلمي.

بدأ ديكارت من الشك، ووصل إلى البداهة، يعني بوضوح وتمايز صفة “الشاك” إلى “أنا أفكر” بالشهود العقلي، ومنه قد وصل إلى إثبات الوجود ووجوده.

يقول ديكارت في كتابه “التأملات”: “أنا موجود أنا لي وجود”، أمَّا إلى متى؟ طالما أفكر؛ لأنه متى ما توقف تفكيري، لربما توقف الوجود ووجودي حينها (ص:28-1361).

إنَّه بخاصية “التفكير” وصل إلى بداهة “الشاك”، ومنه إلى إثبات جوهر النفس (فاعل المعرفة) بعنوان أمر يقيني وحقيقي غير قابل للشك، وجعلها مبنى لتأملاته البعدية ولحقائق أخرى. وبهذه الطريقة قد أثبت جوهريْن آخرين، يعني وصل إلى إثبات الله والجسم.

في المعرفة الفلسفية لديكارت، الوجود اليقيني الأول كان “الأنا” أنا المدركة، وهذه الرؤية، أي إثبات حقانية الوجود على أساس وضوح “الأنا”، كانت بداية ليس لها سابقة في الفكر الفلسفي. بمعنى جعل “وجود الإنسان” مبنيًّا على إثبات نظام الوجود والأشياء، كان ابتكار ديكارت، و بهذا التحليل قد غيَّر مسار التفكير الفلسفي من الحقائق العينية إلى تصورات الذهنية.

 2 – الذاتيانية (الموضوع):

يأخذ “ذهن الإنسان” في معرفة ديكارت معيارًا لوجود نفسه والعالم؛ بمعنى هو الموضوع الوحيد الذي تعتبر كل الأشياء والعالم الخارجي وحتى الله من تمثلاته/تصوراته.

وبعبارة أخرى، فإثبات الوجود وحقيقة أي شيء، يعتمد على تمثل ذلك للذهن. يقول ديكارت: “من حيث أن كل مفهوم هو فعل الذهن، فإن طبيعته هي بحيث هو بنفسه لا يقتضي أن يكون صورة لأية واقعية، سوى أن يكون اقتباسا من الذهن أو التفكر” (ص:45-نفسه).

وطبقا لقوله هذا، يُمكننا تسمية فلسفته من جهة “بأصالة الذهن” في مقابل “أصالة العين”. لأنَّ الذهن هو الوحيد الذي يحصل في فلسفته على “االعينية”. وقد أصبح بيانه هذا مبنى “لمحورية الإنسان” الجديد المنحصر بالفرد فقط؛ بمعنى الاعتماد الذاتي والاستقلال المحض للإنسان، على أساس “أصالة العقل” المبني على الرياضيات والميكانيكا.

وفي هذا التحليل الأنطولوجي، فإنَّ هنالك موضوعا و”فعال المعرفة” واحدا في العالم فحسب، وكل ما سواه يعتبر تمثلات وتصورات له.

“أحيانا يكون الإنسان هو الخالق لنفسه وللعالم، يعطيهما المعنى والاستمرارية؛ بمعنى كل الأشياء تؤول إلى الإنسان؛ بحيث تبدل “المنهج الواقعي” في معرفة العالم قبل ديكارت، إلى “المنهج المثالي”. وفي هذا التحليل الجديد تحصل الذهنية على العينية، ويولد إنسان جديد، وبالتبع الله جديد العالم”.

مقولة “أنا أفكر” الديكارتية، تعدُّ الأنا فيها متعالية واستعلائية؛ بمعنى هي خارجة عن سلسلة العلل والمعلولات، وتحصل على المعرفة بنفسها في مرتبة ذاتها، بالاستقلال ومن دون أية واسطة، وهي خارجة عن “الزمان” بالكامل (مجتهدي،ص:42-1385).

يُمكن لديكارت أن يعتمد صرفا على تصوراته، وأن يحصل على يقين بأنه بحاجة أساسية إلى تأسيس العالم الخارجي، كل ما هنالك هو يجب أن يبنى هذا العمل صرفا على كيفية ظهور التصورات لدى المتصور” الموضوع ” (تامسون،ص:124).

وبعبارة أخرى، حقيقة شيء هي رهن البداهة، ومعيار البداهة هو ذهن الانسان، “بمعنى أن يكون التصور واضحا ويمكن تمييزه؛ فهذا يعتمد على نوعية أثره على الذهن فحسب، أو كيف يمكن إحساسه” (تامسون:125).

وطبقًا لهذا المعنى، يصبح العالم بالكامل إنسانيَّ الصنع، وظاهرا بصبغة الموضوع. فالعالم يصبح عالما بعدما يقوم الذهن المتأثر بقوانيبن الطبيعة والميكانيا بتأطيره وتصميمه.

وبالتبع، يكون مثل هذا العالم فاقدا للغاية، وإذا كانت له غاية، فإنها غير قابلة للمعرفة بالعقل الديكارتي. “طبقا لنظرة ديكارت، فإنه كلما حصلت لأحد معرفة، فإن لهذه المعرفة موضوعا، وهذا الموضوع هو عبارة عن شيء الذي هو داخل ذهن المتفكر” (تامسون:159).

في بيان علم الوجود لدى ديكارت، فإنَّ الذهن كما هو موضوع فهو تصور أيضا، أي أن متعلق التصورات، هي أمور ذهنية أيضا.

وبعبارة أدق: إن محتوى الحالات الذهنية أو التصورات طبقا لهذا المبنى، يجب أن تعرف على أنها كيف توجد كإدراك بوسلية الشخص المدرك -بالكسر- هل يُمكننا إعتبارها رواية عن حالات باطنية للذهن” (نفس المصدر).

بمعنى: تتبدَّل التصورات إلى الأمور الذهنية بالماهية الشخصية، تتبدل إلى الأشياء التي لا يمكن تشخيصها إلا من قبل “الأنا” (أو أي موضوع). بمعنى “ليس من حيث كون هذه التصورات موضوعات لإدراكنا، بل من حيث نحن ندركها” (نفس المصدر، ص:204).

وهذا هو معنى الموضوعية الديكارتيه؛ أي أن “التصورات” ليست هي أشياء نحن ندركها، بل هي عبارة عن نوعية إدراكنا، و بذلك يصبح التشخيص بين التخيل والإحساس والوهم والحقيقة أمرا مشكلا؛ لأن نحو ظهورها للذهن على حسد سواء، كما هي كلها نحو الإدراك وليست كاشفة للعين الخارجية.

ونتيجة هذه النظرة الموضوعية هي المحورية التامة للإنسان تجاه العالم والأشياء؛ لأنَّ كل شيء يأخذ معناه من قبل الإنسان.

يعتقد ديكارت “لا يُمكنني أن أعيش و أجرب و أفكر و أقيم و أعمل في أي عالم آخر، غير ذلك العالم الذي يستمد ويكسب معناه واعتبارية وجوده مني” (هوسرل:1384، ص:57).

وفي مثل محورية الإنسان الديكارتية هذه، والتي يطلب الإنسان فيها التعالي بمقامه، تحول أن تجعل كل شيء إنسانيا وذهنيا، وأن تصل به إلى أعلى المقامات، أي إلى تلك الدرجة من الإدراك الذي (يتصور الإنسان بأن العالم هو أثره وعمله ” (مصلح:1388، ص:25).

بمعنى أن المعرفة الديكارتية عبارة عن بيان وإرائة دور جديد للإنسان في العالم، والذي لا يجيز لأي مفهوم أو مقولة أن يصل إلى مستوى نفسه،  حتى مفهوم وحقيقة الله.

3 – أصل العلية:

مبنى أصل العلية في إطار فلسفة ديكارت هو “الحدوث”؛ بمعنى: “ملاك احتياج المعلول للعة هو الحدوث” (همتي:1384، ص:153).

لأنَّ ديكارت يرى أن بداهة وحقيقة أي شيء هي في وضوح وتمييز تصوره في نفسه هو، ومن جانب آخر يرى أن ثبوت وجوده معلول لله، بعنوان كونه العلة الفاعلية والموجدة والموجود المطلق، ويعتقد “كل أمر حادث لا بد له من علة” (نفسه:159).

وعلى أساس أصل “كل أمر حادث لا بد له من علة”، الذي يعد من أصول فلسفة ديكارت، فإن كل البراهين على الله عنده مبنية على برهان العلية؛ لأنَّ تصور الله في عالم نفسه، يعد عنده معلولا لعلة خارجة عن نفسه.

ما يَرِد من إشكال على برهان العلية لديكارت هنا؛ هو: أن أصل العلية يجب أن تثبت قبل إثبات النفس، لأن النفس “الذهن” عند ديكارت حادثة ومعلولة لله. فطبقا لمبناه هذا، يبتلى إثبات الله بإشكال أيضا؛ لأن مبنى إثبات الله هو النفس والتي هي حادثة بحد ذاتها، وهذا يتنافى مع ادعاء إثبات النفس “الأنا” لدى ديكارت بعنوان كونها أول أصل يقيني “في النظام الفلسفي لديكارت تعد فيه النفس مبدأ، والله هو مقصد” (نفسه، ص:158).

فالقبول بتقدم أصل العلية على “وجود النفس” في فكر ديكارت، يعدُّ مغايرا لأصل الموضوعية لديه. وعليه؛ فكل البراهين التي أقامها على إثبات الجواهره و المبنية على أصل العلية تعتبر مخدوشة.

لأن المبنى في نظامه الفسلفي هو “أنا المتفكر”، وأساس معرفة العالم لديه هو إثبات “أنا” المتعالية الخارجة عن سلسلة العلل والمعلولات؛ بحيث يعد القبول بأصل العلية في إثبات النفس مجددا، مغايرا ومتناقضا لأصل مبناه.

4 – كيفية ولادة وتحقق مفهوم الله:

رأس المال الكامل للعلم اليقيني لدى ديكارت هو تصوراته الفطرية “المفاهيم لدى ديكارت على أقسام ثلاث: خارجية وجعلية وفطرية. القسمان الأولان يراهما فاقدين للاعتبار اليقيني (الوضوح والتمييز)، وما يراها يقينية وغير قابلة للشك وهي ذاتية للنفس (العقل) فهي تلك المفاهيم الفطرية، ويعتقد أنها من حيث هي جواهر يقينية، لها إسهاما أكثر في الوجود” (ديكارت،169-ص:69).

موقف ديكارت في إثبات مفهوم الله ووجوده، هو موقف مسبق. بمعنى “أنه يثبت الله عبر طريق حضور تصوره في علم فاعل المعرفة” (همتي:1386،ص:80).

و بعبارة أخرى، فأن مسلك ديكارت هو شبيه لمسلك “آنسلم” في البرهان الوجودي.. ديكارت في تأمله الثالث في كتاب تأملاته يعتقد أنه لا يمكن تصور الله بعنوان كونه غير موجود. فهو يدعي “بضرورة وجود الله، فهو مستور في المفهوم الكلي لمعرفتنا”!

فالله في هذا التحليل ناشئ من تصورات فاعل المعرفة ومن تمثلاته الذاتية، فضرورة وجوده ناشئة من شرط بداهته ” لأنا” المتفكر.

أمَّا: هل يُمكن الوجود الصرف لمفهوم شيء ما، الكشف عن وجوده الواقعي؟ فذلك محل الترديد. وإن كان ديكارت يصرح “الذهن يكشف وبشكل واضح ومتمايز أن الوجود الضروري وأبدي الذات، تصور يمتلكه عن موجود كامل، فيصل بذلك إلى نتيجة مفادها أن تصور الوجود المطلق الكامل هو عبارة عن عين وجوده” (ديكارت:1364،ص:48).

وفي موقف ديكارت تجاه معرفة العالم، ليس الله وجودا عينيا واقعيا ومؤثرا وخلاقا، بل منشأه ذهني داخلي فحسب. لكنه يعتقد بما أن الله هو خالقنا، فإنه قد وضع ختما على وجودنا، ومن أجل ذلك فإن معرفتنا لماهيته الكاملة هو أمر فطري لنا.

حينما يستخدم ديكارت مفهوم الفطرة، فهو عنده عبارة عن الذهن بشكل صِرف، وليس النظرية الإسلامية في الفطرة. وعليه، فلو لم يكن لدى الذهن أو العقل تصور واضح ومتميز عن الله، لم يكن لدى ديكارت أهمية وضرورة إثبات وجود الله.

ما لدى ديكارت من مفهوم الفطرة هو ذهني صرف، ولا يطابق للنظرية الإسلامية في الفطرة. لذا إن لم يكن لدى الذهن و العقل مفهوما واضحا و متمايزا عن الله، فإن إثبات وجود الله لم يكن مهما و ضروريا لدى ديكارت.

“جميع إستدلالات الثلاثة لديكارت على إثبات وجود الله من برهان الوجودي وبرهان العلية وبرهان ختم الله على نفوسنا، تبدأ من “أنا”. بمعنى “أنا المتفكر” الذي يشخِّص لنا مفهوم الكمال المطلق، معلولية مفهوم الله لعلة خارجة عنا، وختم تأييد الله على معلوليتنا” (همتي:1384، ص:157).

في رؤية ديكارت، فإنَّ النفس “الإنسان” لها خاصية الولادة الداخلية. فهو يقول: “إذا ما كان للنفس       -الإنسان- نسبة إيجاد لشيء ما، فإنَّ لها نسبة إيجاد ذلك الشيء في الذهن أيضا. بمعنى أن نفسنا قد أوجدت ذلك الموجود في الذهن، وليس مصداق ذلك الموجود في الذهن” (نفسه، ص:160).

وإنْ كان ديكارت يحاول بهذه العبارة تعريف مفهوم الله في نفسه، وجعله معلولا لعِلة أعلى من نفسه، ولكن من حيث أنَّ منشأ ولادة هذا التصوًّر هو مِثل سائر التصورات هو الذهن نفسه؛ فليس بالمقدور إثبات متعلقه في الخارج بتلك السهولة.

لأن مفهوما يكون خالقه هو الذهن، لا توجد أي نوع من الضرورة أن يكون مطابقا للخارج، كذلك الحال بالنسبة لمعيار الحقيقة لديه، فهو عنده في داخل العقل، فهو لا يحتاج للتطابق الخارجي أيضا. و بهذا الوصف، فإن الله ديكارت هو موجود نفساني، وليس له إلا جنبة معرفية صرفة. لأن نحو ظهور المفاهيم لدى ذهن ديكارت متساوية.

 و نتيجة ذلك تكون أنه في فلسفته ( مفهوم الله ليس له وضوح ولا تمايز، ليس واضحا لأننا لا يمكننا إدرك مصداقه بوضوح، و ليس متمايزا لأنه مختلط مع بعض مفاهيم أخرى، مثل ” الطبيعة ” عند أولئك الذين يعتبرون مفهوم الطبيعة و الله واحدا، و منهم مثل ديكارت نفسه ) نفسه – ص – 167.

هنالك ما هو بديع ومهم في رؤية ديكارت في مورد الله وكل فلسفته، وهو أنه “لا يؤكد على القطع واليقين، بل تأكيده على الذهنية، على أفكار الفرد وتجربته قبل كل شيء آخر” (سالمن وهيكينز:1387، ص:120).

في نظر ديكارت، فإنَّ الإقتدار الفلسفي ليس في متون المقدس والحكماء؛ بل هو في ذهن الفيلسوف، لذا نرى أن فلسفة ديكارت تبدو متناقضة؛ بمعنى أنها ترى العينية في الذهنية.

“فهو يعتقد أن كلَّ واحد منا هو الذي يثبت الحقيقة لنفسه ويعتقد بها” (المصدر نفسه). فلدى ديكارت المفهوم الفلسفي لله تابع لفكر وإرادة الأنسان، وليس أن الفكر هو تجلي من العالم الإلهي.

“طبقا لموضوعية “فاعل المعرفة” في فكر ديكارت، فإنَّ استقلالية الله هي بحيث يمكن إنكارها بسهولة” (مددبور:1381، ص:346).

فبالنتيجة، وإنْ كان ديكارت قد صرح بـ “أن مفهوم الله هو مثل مفهوم “أنا”؛ فقد وجد معنا في نفس اللحظة التي وجدنا فيها” (ديكارت:1369، ص:57). بمعنى أنه مفهوم فطري، ولكن هذا الإدعاء لا يلائم مع “االموضوعية” في نظريته. ومن جهة أخرى، لا يتمكن من إثبات المفاهيم الفطرية “الذاتية” للعقل.

وعليه، فمنشأ ولادة مفهوم الله عنده ذهني ومثالي بالكامل؛ بمعنى أنَّ الله له حكم ما بعد الطبيعة، الذي يتلاءم مع نسق عقل وتصورات ديكارت نفسه فحسب.

5 – مكانة و دور الله في ميتافيزيقيا ديكارت:

الله في فلسفة ديكارت هو كما مرَّ ذكره، له شأن معرفي صرفا، وليس معرفة الوجود؛ لأنه على الرغم من كون مبنى العلم اليقيني عنده هو التصورات الفطرية، ولكن من حيث أنه يرى أن وجوده معلول لله والخارج، فمن أجل إثبات حقانية وصحة نظرياته، يستند إلى أن الله غير مخادع، لأنه هو كمال مُطلق.

وفي الواقع، فهو مجبورٌ في تأسيس واعتبارية نظامه الفلسفي والعلمي على أن يقبل بالله؛ لأنه بدون التوسل بوجود الله، سوف تتزلزل اعتبارية نظامه العلمي و يصير معلقا.

وعليه، فالله هو صانع التصوُّرات الواضحة والمتمايزة لديكارت، وخالق للقوانين الميكانيكية للطبيعة، وضامن لاعتبارها وبقائها. وفي نهاية الأمر، هو يُقلل شأن الله بالنسبة للطبيعة. فهو يقول “مرادي بالطبيعة بنحو عام، في الوقت الحاضر هو نفس الله فحسب، أو الإنتظام المقبول الذي وضعه بين مخلوقاته” (نفسه:1362، ص:91).

الله لدى ديكارت في الواقع هو عبارة عن مهندس ميكانيكي، وهو قد أوجد قوانين الطبيعة والعالم، ووهبها الاستمرارية، على حسب ما أرادها ديكارت نفسه.

وعليه، فاليقين بما بعد الطبيعة يعني الاتكاء على فيض ورحمة الله، والذي هو عمليًّا عبارة عن قاعدة لليقين النسبي في حدود إمكانية المعرفة لدى الإنسان.

6 – نسبة الله مع الإنسان:

العالم لدى ديكارت عبارة عن وحدة ميكانيكية، الحاوي للإمتداد والحركة فسحب. ومثل هذا العالم إمَّا أن يكون فقدا للغاية، وإذا ما كانت له غاية، فهي غير قابلة للكشف للإنسان.

في مثل هذا النظام يكون الوجود فيه فاقدا للمراتب التشكيكية؛ لأن فلسفة ديكارت من جهة هي فلسفة “ماهوية” وليست “وجودية”.

الإنسان في مثل هذا النظام الميكانيكي هو عبارة عن ماكينة صرفة، له روح تفكر، و هي لا تتفاوت عن الجسم كثيرا. إذا ما تقرَّر أن يكون الله هو الطبيعة أو قوانينها العامة، وأن يكون الإنسان موجودا طيعيا أيضا، و لإنهارت الفاصلة بين الألوهية والإنسانية؛ بمعنى أن الله لا يكون جزما حقيقة ما وراء الإنسان.

وإنْ كان الله في نظامه المعرفي هو خالق ومطلق وغير نهائي وسرمدي، لكنه حينما يؤخذ مرادفا للطبيعة المادية، فإنَّه لم يكن حينها منزها؛ لأنَّ الله في زعم ديكارت هو في سيطرة قدرة الإنسان وفي محدودية تصرفه.

ومن أجل ذلك، فإن “معرفة الحياة هي شعبة من الحكمة الطبيعية، وتابعة لقواعد علم الحركات” (ديكارت:1385، ص:53). وهذا يعني أن “معرفة الوجود” تابعة لعلم الميكانيكا أيضا.

وفي رؤية هذا الفيلسوف “فمثلما أن الفلسفة الأولى تستند إلى أسلوب العلوم الجديدة، فإنَّ هذا الأسلوب بدوره يجعل من أصول هذه الفلسفة متيقنة أيضا” (مجتهدي:385، ص:12).

وطبقًا لنظرة ديكارت، فإنَّ الطبيعة عبارة عن آلية معقدة، وتعتبر الحيوانات وحتى الإنسان قسم منها. فهو يقول: “أحاول تقديم تقرير كامل عن الماكينة الجسمانية الإنسانية ككل، حتى لا يبقى هنالك مكان لهذا الفكر القائل بأنَّ الحركات غير الإرادية لنا ناشئة من نفسنا، مثلما ليس لنا دليل على أن نعتقد بأن الساعة لها نفس تُعلن لنا بها الوقت”.

وبناءً عليه، فإنَّ الإنسان هو عبارة عن ظاهرة طبيعية بين سائر الأشياء الأخرى أيضا، إذا ما تقرَّر أن يكون الله هو نفس الطبيعة أو قوانينها العامة، فإنَّ الإنسان هو أيضًا واحد من هذه الظواهر الطبيعية وقوانين هذا النظام الميكانيكي الذي أوجده وخلقه الله، وليس له أية رابطة أخرى وراء سائر الأشياء والموجودات مع الله.

“توصية ديكارت للحفاظ على عشق الله وجعله حيًّا؛ أي إيجاد علاقة معه. بمعنى أن يتلقاه بعنوان كونه روحا وفكرا محضا؛ فبهذه الصورة يمكننا إقامة نوع من الرابطة القريبة بينه وبين أنفسنا” (مجتهدي:1380، ص:202).

فمن حيث أن الله يُعد في فلسفته مبدأ لحركات كمية ومكانيكية صرفا (قوانين العالم)، وليس فقط للطبائع وذوات الأشياء والموجودات، فطبيعيًّا سيُلاحظ ويحلل الفكر فيها على نحو ميكانيكي ورياضي أيضا، وستتلقى الروح أو النفس الإنسانية في هذه المحاسبة كشيء، وستنفصل عن ناحية معرفة الوجود بالكامل.

وإنْ كان ديكارت يرى أنَّ الله هو علة موجودة مبقية له، التي تهب لوجوده الإستمرارية في كل لحظة، ولكن على مبناه الموضوعي، فإن وجود الله في فلسفته يؤدي إلى مسألة الدور. لأنه من ناحية يعتبر الله ضامنا لاعتبارية علمه اليقيني وعلة وجوده، ومن ناحية أخرى يعد الله نفسه عنده إحدى التمثلات والتصورات الفطرية له (أي هو معلول له).

وعليه، فكما أُشير إليه من قبل، فإن “ما بعد الطبيعة” لديكارت ضروري لتأسيس علمه اليقيني صرفا؛ وذلك أيضا مقتصرعلى الشأن المعرفي وليس معرفة الوجود.

وعليه، فالله هو أصل فلسفي صرف، الضامن لمعقولية نظام علمي للديكارت، وليس هو بإله حقيقي و عيني.

على أساس مباني فلسفية ديكارت، ليست هنالك علاقة ذي معنى بين الله والإنسان، غير أن الإنسان هو واحد من القوانين العامة للعالم والمخلوقات الطبيعية التي صنعها الله، و الله هو مسؤول على حفظه وإستمرارية حياته وبقائه فحسب.

وفي هذه الرؤية، كما لا يوجود تفاوت يُعتد به بين الإنسان وسائر الظواهر، فإنَّه لا يوجد مثل هذا التفاوت بين نسبة الإنسان مع الله ونسبة العالم معه أيضا. بمعنى قد غيبت فيها جميع الكمالات الروحية والمعنوية الخاصة بالإنسان؛ بكونها الفطرة الإلهية والبُعد الروحي له، وتم تأويلها بالطبيعة الجسمانية.

‭*  ‬يتبع‭ ‬بالجزء‭ ‬الثاني‭ ( ‬ثالثا‭: ‬نقد‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬ديكارت‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬رؤية‭ ‬مُحمَّد‭ ‬حسين‭ ‬الطباطبائي‭ )‬

479 total views, 2 views today