مُحمد‭ ‬بن‭ ‬رضا‭ ‬اللواتي

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

لماذا‭ ‬هذا‭ ‬البحث؟

الغرض‭ ‬الأساس‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬هو‭ ‬تقديم‭ ‬فكرة‭ ‬جلية‭ ‬عن‭ ‬التطوُّر‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬بالبدن‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي،‭ ‬عندما‭ ‬تمَّ‭ ‬للملا‭ ‬صدرا‭ -‬صاحب‭ ‬مدرسة‭ ‬الحكمة‭ ‬المتعالية‭- ‬اكتشاف‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬العالم‭. ‬وتروم‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ -‬بهذا‭ ‬الغرض‭- ‬منح‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬المسائل‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬المتأخرة‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬وذلك‭ “‬لأن‭ ‬معلوماتنا‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬الحاصل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاسلامية‭ ‬تُعد‭ ‬محدودة‭ ‬جدا‭” ‬وفقا‭ ‬لبعض‭ ‬الباحثين‮١‬‭. ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬محاسن‭ ‬هذا‭ ‬الاطلاع‭ ‬شحذ‭ ‬هِمم‭ ‬الفكر‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬التصورات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؛‭ ‬لأجل‭ ‬سبر‭ ‬غور‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬حتى‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬ذاته‭.‬

وليست‭ ‬هنالك‭ ‬طريقة‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ “‬الانطلاق‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭”‬،‭ ‬وعلى‭ ‬حد‭ ‬تعبير‭ “‬هوسرل‭”:  “‬كل‭ ‬مشاهدة‭ ‬أصيلة‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬صحيح‭ ‬لمعرفة‭”‬‮٢‬‭.‬‭ ‬وجاء‭ ‬اختيار‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬الكبير‭ ‬رينه‭ ‬ديكارت‭ ‬لعرض‭ ‬تصوراته‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬بالبدن؛‭ ‬كونه‭ ‬يُمثل‭ ‬حُقبة‭ ‬متطورة‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سنقوم‭ ‬بالتدليل‭ ‬عليه‭ ‬خلال‭ ‬السطور‭ ‬التالية‭.‬

أهمية‭ ‬هذا‭ ‬البحث

كان‭ ‬الاهتمام‭ ‬باكتشاف‭ ‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬بالبدن،‭ ‬بعد‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬وجودها،‭ ‬على‭ ‬مرِّ‭ ‬العصور‭ ‬الأسطورية،‭ ‬وورثت‭ ‬الفلسفة‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬حتى‭ ‬جعله‭ ‬كبار‭ ‬الفلاسفة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مسؤوليات‭ ‬التحقيق‭ ‬الفلسفي‭ ‬وللميتافيزيقا‭.‬

الديانة‭ “‬الأورفية‭” ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬النفس‭ ‬تنتقل‭ ‬بالموت‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأجسام،‭ ‬وتستمرُّ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكفِّر‭ ‬عن‭ ‬آثامها‮٣‬‭.. ‬وقبلها،‭ ‬كانت‭ “‬الهرمسية‭” ‬تعتقد‭ ‬بأن‭ ‬الجسد‭ ‬ليس‭ ‬غير‭ “‬قيد‭” ‬أو‭ “‬سجن‭” ‬للنفس،‭ ‬التي‭ ‬تتحرر‭ ‬عبر‭ ‬الموت‮٤‬‭. ‬وعندما‭ ‬نتخطَّى‭ ‬العصر‭ ‬الأسطوري‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الفلسفة،‭ ‬وفي‭ ‬أثينا‭ ‬تحديدا،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ “‬انبادوقليس‭” ‬جعل‭ ‬كل‭ ‬عنصر‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الأرض‭ ‬بمثابة‭ “‬نفس‭”‬‮٥‬،‭ ‬والفيثاغورسيون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬كذلك،‭ ‬جعلوا‭ ‬الأبدان‭ ‬ملابسَ‭ ‬للنفس‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬واحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬حتى‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬نحو‭ ‬الطهارة‭ ‬والتحرُّر‭ ‬والخلود‮٦‬‭.‬

ولنقف‭ ‬قليلاً‭ ‬مع‭ ‬سقراط،‭ ‬الذي‭ ‬يُرجع‭ ‬طبيعة‭ ‬النفس‭ ‬إلى‭ “‬الإله‭”‬؛‭ ‬بوجود‭ ‬يجعلها‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬مُغاير‭ ‬تمامًا‭ ‬للبدن،‭ ‬تقوم‭ ‬بتدبيره‭ ‬والعناية‭ ‬به‭. ‬وعليه،‭ ‬فالنفس‭ ‬هي‭ ‬الإنسان‭ ‬بذاته‮٧‬‭. ‬ثمَّ‭ ‬نقف‭ ‬مع‭ ‬تلميذه‭ ‬الفذ‭ ‬أفلاطون‭ ‬لنرى‭ ‬ذات‭ ‬الفكرة‭ ‬تعود‭ ‬مجددًا،‭ ‬ولكن‭ ‬بشكل‭ ‬جمالي‭ ‬أكثر؛‭ ‬فهو‭ ‬يقرر‭ ‬أنَّ‭ ‬النفس‭ ‬كان‭ ‬سُكْنَاها‭ ‬عالمًا‭ ‬قدسيًّا‭ ‬رفيعًا‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬الإله،‭ ‬كانت‭ ‬تتنعم‭ ‬فيه‭ ‬بسعادة،‭ ‬لكنها‭ ‬هبطت‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتكابها‭ ‬إثمًا‭ ‬ما؛‭ ‬فكان‭ ‬العقاب‭ ‬الذي‭ ‬تستحقه‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭ ‬عليها‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬فانٍ،‭ ‬وتظل‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬حتى‭ ‬تتخلص‭ ‬من‭ ‬معاصيها،‭ ‬فتعود‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الحقيقة‭ ‬والنور‭ ‬والسرور،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬أفلاطون‭: “‬عالم‭ ‬المثل‭”‬،‭ ‬وشرط‭ ‬العودة‭ ‬والطهارة‭ ‬والخلاص‭ ‬هو‭ “‬المعرفة‭”‬،‭ ‬وليس‭ ‬أية‭ ‬معرفة،‭ ‬بل‭ “‬الفلسفة‭” ‬تحديدا،‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تتكفل‭ ‬باكتشاف‭ ‬الحقيقة‭. ‬وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬التركيز‭ ‬فحسب‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬الخالدة‭ ‬بالبدن‭ ‬الفاني‭ ‬عند‭ ‬أفلاطون،‭ ‬فهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬هي‭: “‬النفس‭ ‬عِلة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬البدن،‭ ‬وهي‭ ‬مُشاركة‭ ‬في‭ ‬مثال‭ ‬الحياة،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تموت،‭ ‬فهي‭ ‬إذن‭ ‬أزلية‭ ‬وأبدية‭”‬‮٨‬‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬أرسطو‭ ‬تحديدا،‭ ‬هو‭ ‬الأشد‭ ‬تحقيقا‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬النفس،‭ ‬والممارس‭ ‬الحقيقي‭ ‬للفلسفة‭ ‬معها‭ ‬لأجل‭ ‬كشف‭ ‬حقيقتها؛‭ ‬فقد‭ ‬أنزلها‭ ‬من‭ ‬البرج‭ ‬السماوي‭ ‬العاجي،‭ ‬ومن‭ ‬عالم‭ ‬الإله‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أفلاطون‭ ‬قد‭ ‬وضعه‭ ‬فيها،‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ومحى‭ ‬عنها‭ ‬كل‭ ‬أوصاف‭ ‬الخلود‭ ‬والأبدية‭ ‬والأزلية‭. ‬فلقد‭ ‬انطلقَ‭ ‬مُحقِّقا‭ ‬في‭ “‬المادة‭” ‬و‭”‬الصورة‭”‬؛‭ ‬فطبيعة‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬تتألف‭ ‬منه‭ ‬سائر‭ ‬الأشياء‭ “‬مادة‭”‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تصلح‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬أيَّ‭ ‬شيء،‭ ‬وما‭ ‬يحددها‭ ‬فيجعلها‭ ‬شيئا‭ ‬معينا‭ ‬هو‭ “‬الصورة‭”‬؛‭ ‬فالصورة‭ ‬مانحة‭ ‬المادة‭ ‬وجودا‭ ‬محددا‭ ‬وفعلية‭ ‬ما‭. ‬إذن؛‭ ‬الصورة‭ ‬عنده‭ “‬كمال‭” ‬المادة،‭ ‬والمادة‭ ‬غُموض‭ ‬بحت‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتلبَّس‭ ‬بصورة‭ ‬ما،‭ ‬فتتحدد‭ ‬وتتحقق‭ ‬هويتها‭.‬

الجسد‭ ‬والبدن‭ ‬مادة‭ ‬الإنسان،‭ ‬والنفس‭ ‬صورته،‭ ‬ومن‭ ‬المحال‭ ‬فصل‭ ‬المادة‭ ‬عن‭ ‬الصورة؛‭ ‬ففصل‭ ‬النفس‭ ‬عن‭ ‬البدن‭ ‬مُحال‭ ‬قطعا‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬نفس‭ ‬بعد‭ ‬البدن؛‭ ‬إذ‭ ‬يلحقها‭ ‬الفساد‭ ‬بفساد‭ ‬البدن‮٩‬‭.‬

يُثبت‭ ‬أرسطو‭ ‬للنبات‭ ‬نفسًا‭ ‬نامية،‭ ‬وللحيوان‭ ‬نفسًا‭ ‬حاسة،‭ ‬وللإنسان‭ ‬نفسًا‭ ‬عاقلة؛‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬تحديدا‭ ‬تمتلك‭ ‬بشكل‭ ‬مُنفرد‭ ‬القدرة‭ ‬العقلية‭. ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬يؤسس‭ ‬أرسطو‭ ‬نظريته‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يهمنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬هو‭ “‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬بالبدن‭” ‬التي‭ ‬تناولها‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ ‬في‭ ‬النفس،‭ ‬والكتاب‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬الميتافيزيقا،‭ ‬وكتاب‭ “‬الأخلاق‭ ‬النيقوماخية‭”‬،‭ ‬وكتاب‭ “‬السياسة‭”‬،‭ ‬وخلاصة‭ ‬ما‭ ‬انتهت‭ ‬إليه‭ ‬تحليلاته‭.. ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المحققين؛‭ ‬هي‭:‬

‭- ‬أن‭ ‬أرسطو‭ ‬قد‭ ‬تردَّد‭ ‬بين‭ ‬رؤيتين؛‭ ‬الأولى‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬النفس‭ ‬تعيش‭ ‬وحدة‭ ‬تامة‭ ‬مع‭ ‬البدن،‭ ‬ولا‭ ‬يتصور‭ ‬وجودها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬البدن،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬وحدة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المادة‭ ‬والصورة‭.. ‬فهذان‭ ‬الجوهران‭ (‬البدن‭ ‬والنفس‭) ‬يُؤلفان‭ ‬الكائن‭ ‬الحي،‭ ‬فإن‭ ‬خرب‭ ‬البدن‭ ‬وفسد،‭ ‬زالت‭ ‬النفس‭ ‬وتلاشت‭. ‬والرؤية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬أودعها‭ ‬كتابه‭ “‬السياسة‭”‬،‭ ‬ذهب‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النفس‭ ‬هي‭ ‬الفاعل،‭ ‬والبدن‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬الأداة،‭ ‬يخضع‭ ‬دائما‭ ‬للنفس؛‭ ‬فالأول‭ (‬النفس‭) ‬المحرك‭ ‬والبدن‭ ‬المتحرك؛‭ ‬فحياة‭ ‬البدن‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬النفس‮١٠‬‭.‬

‭-‬‭ ‬يرى‭ ‬حامد‭ ‬إبراهيم‭ ‬أن‭ “‬الثنائية‭” ‬بين‭ ‬النفس‭ ‬والجسد‭ ‬تعود‭ ‬مجددا‭ ‬مع‭ ‬تردُّد‭ “‬أرسطو‭” ‬في‭ ‬حسم‭ ‬وحدة‭ ‬النفس‭ ‬مع‭ ‬البدن،‭ ‬بإرجاع‭ ‬تأثير‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الثاني،‭ ‬وهكذا‭ ‬تتحقَّق‭ ‬المباينة‭ ‬مُجددا‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الجوهرين‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬سبقه‮١١‬‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬المحققين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الكبير‭ ‬قد‭ ‬ذهب‭ ‬آخر‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النفس‭ ‬تبقى‭ ‬بعد‭ ‬موت‭ ‬البدن،‭ ‬ولا‭ ‬يلحقها‭ ‬قانون‭ ‬الكون‭ ‬والفساد‮١٢‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬المعضلة‭ ‬تظل‭ ‬قائمة،‭ ‬وهي‭ ‬تفسير‭ ‬علاقة‭ ‬اتصال‭ ‬جوهريين‭ ‬أجنبيَّيْ‭ ‬الطبيعة‭ ‬مع‭ ‬بعضهما‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬حميمة‭.‬

وعندما‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬أفلوطين،‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬كذلك‭ ‬إلا‭ ‬الطائر‭ -‬النفس‭- ‬الذي‭ ‬يعشق‭ ‬عشه‭ ‬البدن،‭ ‬بل‭ ‬أعشاشا‭ ‬عِدة‭.. ‬وبحسب‭ ‬قوله‭: “‬إذا‭ ‬قتلت‭ ‬أمك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا،‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬التالية‭ ‬امرأة‭ ‬ليقتلك‭ ‬ابنك‭”‬‮١٣‬‭. ‬وهكذا‭ ‬نتأكَّد‭ -‬بما‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬للشك‭ ‬فرصة‭-  ‬مدى‭ ‬الاهتمام‭ ‬الذي‭ ‬حَظيت‭ ‬به‭ ‬مسألة‭ ‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬بالبدن‭ ‬لدى‭ ‬العهد‭ ‬الأسطوري،‭ ‬وما‭ ‬بعده،‭ ‬حتى‭ ‬ذروة‭ ‬العقل‭ ‬الفلسفي‭.‬

ديكارت

‭”‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬جوهر‭ ‬توجد‭ ‬صفة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تكوِّن‭ ‬طبيعته‭ ‬وماهيته،‭ ‬وعليها‭ ‬تتوقف‭ ‬سائر‭ ‬صفاته‭. ‬وأنا‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬ذاتي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفعال،‭ ‬كالشك،‭ ‬والفهم،‭ ‬والتصور،‭ ‬والإيجاب،‭ ‬والنفي،‭ ‬والإرادة‭…‬إلخ،‭ ‬وهي‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تُحد‭ ‬إلا‭ ‬بالفكر؛‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬جوهر‭ ‬النفس‭ ‬هو‭ ‬الفكر‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تتميز‭ ‬النفس‭ ‬تميُّزا‭ ‬تامًّا‭ ‬عن‭ ‬الجسم‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الجسم،‭ ‬وصفته‭ ‬الأساسية‭ ‬الامتداد،‭ ‬لا‭ ‬يتضمن‭ ‬التفكير،‭ ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬النفس،‭ ‬وصفتها‭ ‬الأساسية‭ ‬التفكير،‭ ‬لا‭ ‬تتضمن‭ ‬الامتداد‭”‬‮١٤‬‭.‬

إذن؛‭ ‬ديكارت‭ ‬يرى‭ ‬أنَّ‭ ‬ثمة‭ ‬جوهرين‭ ‬متميزين‭ ‬للغاية؛‭ ‬الأول‭: ‬صفته‭ ‬الرئيس‭ ‬وبالتالي‭ ‬شغله‭ ‬الأساس‭ ‬التفكير،‭ ‬وهو‭ “‬النفس‭”‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الآخر‭ ‬صفته‭ ‬الرئيس‭ ‬وبالتالي‭ ‬شغله‭ ‬الأساس‭ ‬الامتداد‭ ‬فحسب،‭ ‬هو‭ “‬البدن‭”. ‬ولكنْ،‭ ‬هذان‭ ‬الجوهران‭ ‬المتمايزان،‭ ‬كيف‭ ‬فسَّر‭ ‬لنا‭ ‬اتحادهما؟‭ ‬

ينقل‭ “‬بدوي‭” ‬في‭ ‬موسوعته،‭ ‬أنَّ‭ ‬الأميرة‭ “‬أليصابت‭” ‬بعثت‭ ‬له‭ ‬تستوضحه‭ ‬هذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬كيف‭ ‬يتم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التميز‭ ‬التام‭ ‬بين‭ ‬جوهر‭ ‬النفس‭ ‬وبين‭ ‬جوهر‭ ‬البدن،‭ ‬كيف‭ ‬للإرادة‭ ‬تحريك‭ ‬المادة؟‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬الجسم‭ ‬تُحْدِث‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬ألما؟‭ ‬في‭ ‬التأمل‭ ‬السادس‭ ‬أظهر‭ ‬ديكارت‭ ‬تحيرًا‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬ولم‭ ‬يقدم‭ ‬إجابة‭ ‬عنها؛‭ ‬إذ‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬قرَّر‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬بينهما‭ ‬ليس‭ ‬بنحو‭ ‬الاتحاد‭ ‬بين‭ “‬الربان‭” ‬وبين‭ “‬سفينته‭”‬؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يتألم‭ ‬الربان‭ ‬إن‭ ‬أصيبت‭ ‬السفينة‭ ‬بعطب،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬تحرير‭ ‬المسألة‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الإجابة‭ ‬الشافية‮١٥‬‭.‬

فما‭ ‬الذي‭ ‬حدا‭ -‬والحال‭ ‬هذه‭- ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬الكبير‭ ‬لاستعراض‭ ‬تصوُّراته‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬النفس‭ ‬بالبدن؟‭ ‬

ديكارت‭ ‬الذي‭ ‬أَظْهر‭ ‬اهتمامًا‭ ‬بالغًا‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬النفس،‭ ‬فكتب‭ ‬رسالة‭ “‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬الطبيعة‭” ‬عام‭ ‬1628م؛‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬العاقلة‭ ‬وخالقها،‭ ‬وعاد‭ ‬يحقق‭ ‬فيها‭ ‬مجددا‭ ‬في‭ ‬أولى‭ ‬تأملاته‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬باللاتينية‭ ‬عام‭ ‬1641م؛‭ ‬سطر‭ ‬فيها‭ ‬برهانًا‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الله‭ ‬وخلود‭ ‬النفس،‭ ‬لقد‭ ‬تلقَّى‭ ‬المجتمع‭ ‬الأوروبي‭ ‬فلسفته‭ ‬باعتبارها‭ “‬صرعة‭”‬‮١٦‬‭ ‬العصر‭. ‬فلقد‭ ‬تعلَّق‭ ‬به‭ ‬الجانسينيون،‭ ‬وتعاطف‭ ‬معه‭ ‬الأوراتوريون،‭ ‬وناصبه‭ ‬العداء‭ ‬اليسوعيون،‭ ‬وعدَّه‭ ‬اللاهوتيون‭ ‬والمشاؤون‭ ‬خطرًا‭ ‬على‭ ‬مواقعهم‭ ‬المكتسبة؛‭ ‬فتمكنوا‭ ‬من‭ ‬إقناع‭ ‬السلطة‭ ‬الملكية‭ ‬والمحكمة‭ ‬العليا‭ ‬لأجل‭ ‬حظر‭ ‬فلسفته‮١٧‬‭.‬

تعدَّى‭ ‬الأمر‭ ‬ذلك‭ ‬الصخب‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تبنِّي‭ ‬عدة‭ ‬توجهات‭ ‬لفلسفته‭.. ‬ففي‭ ‬هولندا،‭ ‬روَّج‭ ‬لها‭ ‬كتاب‭ “‬أدلة‭ ‬الفلسفة‭ ‬الديكارتية‭”‬،‭ ‬وكتاب‭ “‬مفتاح‭ ‬الفلسفة‭ ‬الطبيعية‭”‬،‭ ‬وكتاب‭ “‬الموازاة‭ ‬بين‭ ‬الفلسفتين‭ ‬الأرسطو‭ ‬طاليسية‭ ‬والديكارتية‭”‬،‭ ‬وكتاب‭ “‬الرد‭ ‬على‭ ‬اسبينوزا‭”. ‬أما‭ ‬في‭ ‬إنجلترا،‭ ‬فروَّج‭ ‬لها‭ ‬كتاب‭ “‬التعاليم‭ ‬الفلسفية‭”. ‬وفي‭ ‬ألمانيا،‭ ‬ظهر‭ ‬كتاب‭ “‬الرد‭ ‬الصريح‭ ‬حول‭ ‬الفلسفة‭ ‬الديكارتية‭”. ‬وفي‭ ‬إيطاليا‭ ‬روج‭ ‬لها‭ ‬كتاب‭ “‬الفلسفة‭ ‬الشاملة‭”‬‮١٨‬؛‭ ‬مما‭ ‬يُؤكد‭ ‬سعة‭ ‬انتشارها‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الأوروبي‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬أتى‭ ‬اختيارنا‭ ‬لهذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬تحديدا،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬حلًّا‭ ‬صريحًا‭ ‬يفسر‭ ‬اندماج‭ ‬جوهرين‭ ‬متمايزين‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬واحدة؛‭ ‬ليكون‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬مؤشرًا‭ ‬ساطعًا‭ ‬على‭ ‬غُموض‭ ‬المسألة،‭ ‬وتعاليها‭ ‬عن‭ ‬الحل‭ ‬المرضي‭ ‬لدى‭ ‬أعتى‭ ‬وأشهر‭ ‬اتجاهات‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬الأوروبي‭.‬

إلى‭ ‬هنا،‭ ‬انتهينا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬ظلَّت‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬لم‭ ‬تتقدَّم‭ ‬قيد‭ ‬أُنملة؛‭ ‬فحتى‭ ‬وإن‭ ‬اعتنقنا‭ ‬اتحاد‭ ‬النفس‭ ‬مع‭ ‬البدن‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬واحدة؛‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬بعد‭ ‬البدن‭ ‬أو‭ ‬قبله،‭ ‬وفقا‭ ‬لقراءات‭ ‬مُعينة‭ ‬لأرسطو‭.. ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬كما‭ ‬هو؛‭ ‬وهو‭: ‬جوهران‭ ‬مختلفان‭ ‬ومتمايزان؛‭ ‬أحدهما‭ ‬حادث‭ ‬وفانٍ‭ ‬يقبع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ويحيط‭ ‬به‭ ‬الزمان،‭ ‬والآخر‭ ‬أزلي‭ ‬أبدي‭ -‬وعلى‭ ‬أقل‭ ‬التقديرات‭- ‬باق‭ ‬بعد‭ ‬البدن‭ ‬أو‭ ‬فان‭ ‬معها‭ ‬يُؤثر‭ ‬في‭ ‬الأول،‭ ‬وهو‭ ‬سبب‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬وحيوية‭ ‬وإبداع‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬البدن،‭ ‬تُرى‭ ‬كيف‭ ‬أمكنهما‭ ‬أن‭ ‬يُسافرا‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬الزمان‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬والأُلفة‭ ‬العجيبة‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬جميعنا؟

الفلاسفة‭ ‬المسلمون

يستند‭ ‬القائلون‭ ‬بقِدَم‭ ‬وجود‭ ‬النفس،‭ ‬إلى‭ ‬حُجَج‭ ‬عِدَّة؛‭ ‬أهمها‭:‬

‭-‬‭ ‬إنْ‭ ‬كانت‭ ‬النفس‭ ‬حادثة‭ ‬فسوف‭ ‬تكون‭ ‬مادية،‭ ‬وإذا‭ ‬غدت‭ ‬مادية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الأدلة‭ ‬على‭ ‬تجرُّدها‭ ‬متينة‭ ‬للغاية،‭ ‬والمجرد‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬فيكون‭ ‬مادة‭ ‬لأنه‭ ‬مجرد،‭ ‬والمادي‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬نسخ‭ ‬المجرد‭ ‬حتى‭ ‬يقبل‭ ‬المجرد‭ ‬أن‭ ‬ينقلب‭ ‬إليه‭.‬

‭-‬‭ ‬إنْ‭ ‬فرضنا‭ ‬أنَّ‭ ‬النفس‭ ‬حادثة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬مادية؛‭ ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬لها‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬البقاء‭ ‬بعد‭ ‬بقاء‭ ‬البدن‭. ‬فالفناء‭ ‬والدثور‭ ‬سيكونان‭ ‬من‭ ‬لوازمها‭ ‬الأكيدة‭.. ‬وهو‭ ‬مُخالف‭ ‬أيضا‭ ‬لقاعدة‭: “‬كل‭ ‬أزلي‭ ‬أبدي‭”‬؛‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬المحال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ “‬كل‭ ‬حادث‭ ‬أزليًّا‭”!‬

الفلاسفة‭ ‬المسلمون‭ ‬ذهبوا‭ ‬لتبني‭ ‬موقف‭ ‬المانع‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬النفس‭ ‬قبل‭ ‬البدن،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬نسب‭ ‬للحكيم‭ ‬الفارابي‭ ‬تردُّدا‭ ‬تجاه‭ ‬ذلك‮١٩‬‭. ‬يقول‭ ‬الشيخ‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭: “‬النفس‭ ‬تحدث‭ ‬كلما‭ ‬يحدث‭ ‬البدن‭ ‬الصالح‭ ‬لاستعمالها‭ ‬إياه‭”‬‮٢٠‬‭. ‬وردوا‭ ‬على‭ ‬حجج‭ ‬القائلين‭ ‬بقدم‭ ‬النفس‭ ‬بالقول‭ ‬بأن‭ ‬النفس‭ ‬حدثت‭ “‬مع‭ ‬الأبدان،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الأبدان‭”. ‬وعليه،‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬أمر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجردة‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬بمادية‭ ‬ولم‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬الأبدان‭.. ‬غاية‭ ‬الأمر‭ ‬أنها‭ ‬حدثت‭ ‬معها،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬نوعها‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مادية‭ ‬فلا‭ ‬يمنع‭ ‬أمر‭ ‬خلودها‭ ‬وبقائها‭ ‬بعد‭ ‬دثور‭ ‬البدن‭.‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬تفسير‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما؟‭ ‬

العلاقة‭ ‬بَيْن‭ ‬جوهر‭ ‬مجرد،‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬البدن،‭ ‬ويبقى‭ ‬بعدها،‭ ‬بالبدن،‭ ‬الجوهر‭ ‬المادي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬خارج‭ ‬الزمان‭ ‬بتاتا؟‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬نهاية‭ ‬عصر‭ ‬الشيخ‭ ‬الرئيس،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاسلامية‭ ‬تمتلك‭ ‬إجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭.‬

صدر‭ ‬المتألهين

يَرَى‭ ‬جمع‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬أنَّ‭ ‬الحكمة‭ ‬المتعالية‭ ‬التي‭ ‬أرسى‭ ‬قواعدها‭ ‬صدر‭ ‬المتألهين،‭ ‬تعدُّ‭ “‬دورة‭ ‬جديدة،‭ ‬واستشرافا‭ ‬لأفق‭ ‬إبداعي‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬تراكم‭ ‬التقاليد‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الإسلامية‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬الوهن‭ ‬الفكري‭ ‬والجمود‭ ‬النسبي‮٢١‬،‭ ‬و‭”‬ثورة‭ ‬تجديدية،‭ ‬صُححت،‭ ‬وابتُكرت،‭ ‬وقُلبت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭”‬‮٢٢‬،‭ ‬و‭”‬وثبة‭ ‬معرفية‭ ‬كبرى‭ ‬لفلسفة‭ ‬وجودية‭ ‬حلت‭ ‬بها‭ ‬أحجية‭ ‬الوجود‭ ‬حلًّا‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬قبله‭ ‬أن‭ ‬يحلها،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬‭”‬هيدغر‭” ‬في‭ ‬روائعه‭ ‬الزمانية،‭ ‬و‭”‬سارتر‭”‬،‭ ‬اللذان‭ ‬لم‭ ‬يقدما‭ ‬شيئا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬مضمار‭ ‬الوجود،‭ ‬بخلاف‭ ‬الشيرازي‮٢٣‬‭.‬

وسواءً‭ ‬أتفقنا‭ ‬معهم‭ ‬أو‭ ‬لا،‭ ‬فمن‭ ‬الإنصاف‭ ‬أن‭ ‬نعترف‭ ‬بأن‭ ‬اكتشاف‭ “‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭” -‬والذي‭ ‬عده‭ ‬فيلسوف‭ ‬معاصر‭ “‬بأعظم‭ ‬منتوج‭ ‬عقلي‭”‬‮٢٤‬‭- ‬قد‭ ‬رفد‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬بحلولٍ‭ ‬لعدَّة‭ ‬أزمات‭ ‬فكرية،‭ ‬ظلت‭ ‬عالقة‭ ‬سنين‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬حلولا‭ ‬لها؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬معضلة‭ ‬علاقة‭ “‬الحادث‭” “‬بالقديم‭”‬،‭ ‬و‭”‬المادي‭” “‬بالمجرد‭”‬،‭ ‬و‭”‬النفس‭” “‬بالبدن‭”.‬

الوجود‭ ‬وإعادة‭ ‬موقع‭ ‬الحركة‭ ‬فيه‭.. ‬الخطوة‭ ‬الأولى

إنَّ‭ ‬أول‭ ‬عمل‭ ‬قام‭ ‬به‭ “‬الملا‭ ‬صدرا‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬بصدد‭ ‬تقديم‭ ‬حل‭ ‬لعلاقة‭ “‬النفس‭” “‬بالبدن‭”‬،‭ ‬أن‭ ‬نقل‭ ‬مبحث‭ ‬الحركة‭ ‬إلى‭ ‬مبحث‭ ‬الوجود،‭ ‬وعد‭ ‬البحث‭ ‬فيها‭ ‬بحثا‭ ‬في‭ ‬الوجود‭. ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الألوهية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬الوجود،‭ ‬وبالوجود‭ ‬وإلى‭ ‬الوجود،‭ ‬كذلك‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تدبرا‭ ‬خالصا‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬فحسب‭. ‬وسبب‭ ‬هذه‭ ‬النقلة‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬أقام‭ ‬قاعدة‭ “‬أصالة‭ ‬الوجود‭”‬،‭ ‬والتي‭ ‬انفرد‭ ‬بإثباتها،‭ ‬مُغيِّرا‭ ‬وجه‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تبنت‭ -‬منذ‭ ‬نشأتها‭- ‬مبدأ‭ ‬أصالة‭ ‬الماهية‭. ‬لقد‭ ‬أضحت‭ ‬قاعدة‭ “‬أصالة‭ ‬الوجود‭ ‬ووحدته‭ ‬وتشككه‭” ‬قوام‭ ‬مدرسة‭ ‬الحكمة‭ ‬المتعالية‮٢٥‬‭.‬

‭”‬تدخل‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬الوجود‭ ‬وبنيته‭ ‬الداخلية،‭ ‬لا‭ ‬صفاته‭ ‬وأعراضه‭ ‬فحسب‭ ‬كما‭ ‬التزم‭ ‬أسلافه‭. ‬وتقوم‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬لدى‭ ‬فيلوسفنا‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ “‬أصالة‭ ‬الوجود‭”‬،‭ ‬وأنه‭ ‬هو‭ ‬المتحقق‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬وليست‭ ‬الماهية‭ ‬إلا‭ ‬انتزاعا‭ ‬عقليا‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬انعكاسا‭ ‬ذهنيا‭ ‬له،‭ ‬والمتحرك‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬هو‭ ‬الوجود‭ ‬الشخصي‭ ‬للشيء،‭ ‬وللشخص‭ ‬أثناء‭ ‬تحركه‭ ‬حدود‭ ‬ومراتب‭ ‬تزول‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الشخص‭ ‬نفسه،‭ ‬والمتبدل‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬خصوصيات‭ ‬تلك‭ ‬الحدود؛‭ ‬فموضوع‭ ‬الحركة‭ ‬لا‭ ‬يزول‭ ‬بحصولها‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬أهم‭ ‬اعتراض‭ ‬وجَّهه‭ ‬المشاؤن‭ ‬والإشراقيون‭ ‬إلى‭ ‬وقوع‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬الجوهر،‭ ‬وإفضائه‭ ‬إلى‭ ‬انقلاب‭ ‬الماهيات‭. ‬لذا؛‭ ‬عنى‭ ‬الشيرازي‭ ‬بالرد‭ ‬عليه‭ ‬بالبرهان‭ ‬والقرآن‭ ‬وبأقوال‭ ‬أئمة‭ ‬العرفان‭.. ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬مواجهتهم‭ ‬كلَّ‭ ‬أدوات‭ ‬الحكمة‭ ‬المتعالية‭”‬‮٢٦‬‭.‬

لم‭ ‬يلغِ‭ ‬الشيرازي‭ ‬الكثرة،‭ ‬ليرتمي‭ ‬في‭ ‬المثالية‭ ‬المنكرة‭ ‬للواقع‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬كلا،‭ ‬وإنما‭ ‬أعاد‭ ‬تفسيرها‭ ‬بأطوار‭ ‬الوجود‭ ‬ومراتبه‭. ‬الوجود‭ ‬واحد‭ ‬بالوحدة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬ولكن‭ ‬له‭ ‬شؤون‭ ‬وأطوار‭ ‬ذاتية،‭ ‬فمن‭ ‬مراتبه‭ ‬الكمال‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬فوق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتناهى‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يتناهى‭ ‬مدة‭ ‬وعدة‭ ‬وشدة،‭ ‬ومن‭ ‬مراتبه‭ ‬الانحدار‭ ‬الشديد‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬درجات‭ ‬النزول؛‭ ‬حيث‭ ‬عالم‭ ‬الصيرورة‭ ‬والحركة‭. ‬ومع‭ ‬هذا،‭ ‬تبقى‭ ‬حقيقة‭ ‬الوجود‭ ‬واحدة،‭ ‬وإن‭ ‬تعدَّدت‭ ‬أطوارها،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬حقيقة‭ ‬النور‭ ‬ووقوع‭ ‬الدرجات‭ ‬فيه‭.‬

عالم‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬الوجود،‭ ‬وله‭ ‬حركة‭ ‬اشتدادية‭ ‬ينتقل‭ ‬عبرها‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬حال،‭ ‬مُحتفظا‭ ‬بهُويته‭ ‬وسط‭ ‬التحولات‭.. ‬فالثنائية‭ ‬المتطرفة‭ ‬بين‭ ‬الوجود‭ ‬المادي‭ ‬والوجود‭ ‬المجرد‭ ‬عند‭ ‬أفلاطون،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تخفيف‭ ‬عند‭ ‬أرسطو‭ ‬وأتباعه،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يخرجها‭ ‬من‭ ‬الثنائية‭. ‬الفلسفة‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ -‬كما‭ ‬نرى‭ ‬ذلك‭ ‬جليًّا‭ ‬لدى‭ “‬ديكارت‭”- ‬والفلسفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ -‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬لدى‭ ‬الرئيس‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭- ‬ظلت‭ ‬ترزح‭ ‬تحت‭ ‬ثقل‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬أمكن‭ ‬لفيلسوفنا‭ ‬أنْ‭ ‬يُبرهن‭ ‬على‭ ‬أصالة‭ ‬الوجود،‭ ‬ووقوع‭ ‬التشكك‭ ‬فيه؛‭ ‬وبذلك‭ ‬فقد‭ ‬ألغى‭ ‬الفواصل‭ ‬بين‭ ‬أطوار‭ ‬الوجود‭ ‬نهائيا‭.. “‬إننا‭ ‬أمام‭ ‬فهم‭ ‬متصل‭ ‬للوجود‭ ‬لا‭ ‬ثغرات‭ ‬فيه‭”‬‮٢٧‬‭.‬

لم‭ ‬يعُد‭ ‬مبحث‭ ‬الحركة‭ -‬بناءً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭- ‬من‭ ‬الطبيعيات‭. ‬إذ‭ ‬نقله‭ ‬صدر‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬الماورائيات،‭ ‬وعدها‭ ‬بحثا‭ ‬ميتافيزيقيا‭. ‬وبذلك‭ ‬فقد‭ ‬أرجع‭ ‬نوع‭ ‬التأمل‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬بمعونة‭ ‬الحس‭ ‬إلى‭ ‬المستند‭ ‬للتأمل‭ ‬العقلي‭ ‬فحسب،‭ ‬وسد‭ ‬كل‭ ‬الطرق‭ ‬إلى‭ ‬بلوغ‭ ‬حقيقة‭ ‬الحركة‭ ‬باستثناء‭ ‬طريق‭ ‬البحث‭ ‬الفلسفي‭.. “‬فالحركة‭ ‬عنده‭ ‬كسائر‭ ‬المعقولات‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬التي‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬الذهن‭ ‬عبر‭ ‬تحليل‭ ‬المدرك‭ ‬الحضوري‭”‬‮٢٨‬‭.‬

الحركة‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬الطبيعة

أَرْجع‭ ‬صدر‭ ‬الدين‭ ‬الحركات‭ ‬الظاهرية،‭ ‬والتي‭ ‬تعصف‭ ‬بمتن‭ ‬العالم،‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬في‭ ‬عُمق‭ ‬العالم‭ ‬وكيانه،‭ ‬وعد‭ ‬حركة‭ ‬الأعراض‭ ‬دون‭ ‬حركة‭ ‬الجوهر‭ ‬مستحيلة‭ ‬فلسفيًّا‭. ‬وبذلك؛‭ ‬أطاح‭ ‬فهما‭ ‬ظل‭ ‬الإرث‭ ‬الفلسفي‭ ‬يحمله‭ ‬ويحافظ‭ ‬عليه‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬أرسطو‭. ‬وبسريان‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬عُمق‭ ‬العالم،‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬العالم‭ ‬مكانا‭ ‬للثبات‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬بل‭ ‬سيغدو‭ ‬مُجمعا‭ ‬هائلا‭ ‬لحركة‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬العالم‭ ‬موجودا‭.‬

ساق‭ ‬الشيرازي‭ ‬براهينَ‭ ‬عِدَّة‭ ‬لأجل‭ ‬إثبات‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬الجوهر،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬نُفضِّل‭ ‬أن‭ ‬نستعرض‭ ‬هنا‭ ‬برهانين‭ ‬فحسب؛‭ ‬أولهما‭ ‬يقودنا‭ ‬لصلب‭ ‬مسألة‭ ‬صلة‭ ‬المتغيِّر‭ ‬بالثابت،‭ ‬والآخر‭ ‬يقودنا‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬الزمان‭.‬

البرهان‭ ‬الأول‭ ‬هو‭:‬

أ‭-‬‭ ‬إن‭ ‬الأعراض‭ ‬الظاهرية‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الأجساد‭ ‬في‭ ‬تبدُّل‭ ‬وتغيُّر‭ ‬مستمرين‭.‬

ب‭-‬‭ ‬الأعراض‭ ‬مُتوقفة‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬على‭ ‬حامِل‭ ‬تعرض‭ ‬له،‭ ‬نسميه‭ ‬الجوهر‭.‬

ج‭-‬‭ ‬لا‭ ‬بُد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الطبيعة‭ ‬الحاملة‭ ‬لهذه‭ ‬الأعراض‭ (‬الجوهر‭) ‬مُتغيرة؛‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬عِلة‭ ‬المتغير‭ ‬متغيرة‭.‬

والنتيجة‭:‬‭ ‬عُمق‭ ‬العالم‭ ‬متغيِّر‭.‬

أما‭ ‬البرهان‭ ‬الآخر،‭ ‬فهو‭:‬

1-‭ ‬كل‭ ‬جسم‭ ‬فهو‭ ‬زماني‭.‬

2-‭ ‬الزمان‭ ‬أمرٌ‭ ‬تدريجيٌّ‭ ‬وسيال‭.‬

والنتيجة‭:‬‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الجواهر‭ ‬الجسمانية‭ ‬وسيالة‭. ‬وبثبوت‭ ‬زمانية‭ ‬الجواهر،‭ ‬ثبتتْ‭ ‬حركتها‭.. ‬و‭ ‬الاطوار‭ ‬قربا‭ ‬وبعدا‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‮٢٩‬‭.‬

حلَّت‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬يكتنف‭ ‬علاقة‭ ‬المادة‭ ‬بالمجرد،‭ ‬والجسم‭ ‬بالروح‭. ‬ورسمت‭ ‬خارطة‭ ‬لسير‭ ‬المادي‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬التجرد‭ ‬والروحانيات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭. ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬ألغى‭ ‬الشيرازي‭ ‬الفواصل‭ ‬بين‭ ‬مراتب‭ ‬الوجود‭ ‬باستثناء‭ ‬فواصل‭ ‬الشدة‭ ‬والضعف،‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬ثمَّة‭ ‬موجودين؛‭ ‬أحدهما‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭ ‬يُعرف‭ ‬بالروح،‭ ‬والآخر‭ ‬من‭ ‬الأسفل‭ ‬يُعرف‭ ‬بالبدن‭.. ‬التقيا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ميعاد‭ ‬مسبق،‭ ‬ليعيشا‭ ‬غربة‭ ‬غريبة‭ ‬فيما‭ ‬بينهما،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يفترقا‭ ‬عند‭ ‬مِفرق‭ ‬الموت‭. ‬كلا‭.. ‬وإنما‭ ‬هنالك‭ ‬كائن‭ ‬واحد،‭ ‬ذو‭ ‬شخصية‭ ‬واحدة،‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬التكامل‭ ‬من‭ ‬أسفل‭ ‬العوالم‭ ‬إلى‭ ‬أعلاها‭ ‬وجودا،‭ ‬كائن‭ “‬جسماني‭ ‬الحدوث‭ ‬روحاني‭ ‬البقاء‭”‬‮٣٠‬‭.‬

ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬الكائن‭ ‬المادي‭ “‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬في‭ ‬سيره‭ ‬التكاملي،‭ ‬وليست‭ ‬الروح‭ ‬شيئا‭ ‬آخر‭ ‬يحل‭ ‬في‭ ‬البدن‭ ‬حال‭ ‬وجوده،‭ ‬ويغادره‭ ‬حال‭ ‬موته‭. ‬تبدأ‭ ‬الحركة‭ ‬التكاملية‭ ‬الجوهرية‭ ‬للنفس‭ ‬من‭ ‬أدنى‭ ‬مراتبها‭ ‬المادية‭ ‬الجسمانية،‭ ‬حتى‭ ‬تبلغ‭ ‬أعلى‭ ‬مراتبها‭ ‬العقلية‭ ‬التامة؛‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬تعلُّق‭ ‬بالعقل‭ ‬المفارق؛‭ ‬فالحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬ترى‭ ‬العالم‭ ‬صيرورة‭ ‬متواصلة،‭ ‬وترى‭ ‬النفس‭ ‬جوهرا‭ ‬متسعا‭ ‬باستمرار،‭ ‬وأن‭ ‬المعرفة‭ ‬هي‭ ‬شأن‭ ‬وجودي‭ ‬محض‭. ‬وعليه؛‭ ‬فالتراكم‭ ‬المعرفي‭ ‬الوجودي‭ ‬للنفس‭ ‬هو‭ ‬حصيلة‭ ‬التغيير‭ ‬الجوهري‭ ‬فيها؛‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الإضافات‭ ‬المعرفية‭ ‬ليست‭ ‬إضافات‭ ‬عارضة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ذاتية‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬أصالة‭ ‬الوجود؛‭ ‬فالمعرفة‭ ‬صيرورة‭ ‬الأنا‭ ‬وتطوُّر‭ ‬الوجود؛‭ ‬فهي‭ ‬كالوجود،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عَيْن‭ ‬الوجود‭.. ‬إنَّ‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الصيرورة‭ ‬الوجودية‭ ‬هذه‭ ‬هو‭ ‬بلوغ‭ ‬النفس‭ ‬لنشأتها‭ ‬العقلية‭ ‬التامة‭ ‬بعد‭ ‬تقلُّبها‭ ‬في‭ ‬الأطوار‭: ‬قُربا،‭ ‬وبُعدا‭”‬‮٣١‬‭.‬

ننقل‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬المذهلة‭ ‬بلسان‭ “‬مطهري‭” ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬أساتذة‭ ‬الحكمة‭ ‬المتعالية،‭ ‬يقول‭: “‬الروح‭ ‬نفسها‭ ‬نتاج‭ ‬لقانون‭ ‬الحركة،‭ ‬وهذا‭ ‬القانون‭ ‬مبدأ‭ ‬لتكون‭ ‬المادة‭ ‬نفسها،‭ ‬والمادة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تربي‭ ‬في‭ ‬حجرها‭ ‬موجودا‭ ‬يُضاهي‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬حائلٌ‭ ‬يحول‭ ‬بين‭ ‬المادة‭ ‬وما‭ ‬وراء‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ولا‭ ‬مانع‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المادة‭ ‬بعد‭ ‬اجتيازها‭ ‬لمراحل‭ ‬الرُّقي‭ ‬والتكامُل‭ ‬إلى‭ ‬موجود‭ ‬غير‭ ‬مادي‭”‬‮٣٢‬‭. ‬

‭”‬هكذا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الشيرازي‭ ‬ثنائية‭ ‬الخالق‭ ‬والمخلوق،‭ ‬وهذا‭ ‬مُهمٌّ‭ ‬جدًّا؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬انبعاث‭ ‬كائن‭ ‬أرضي‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬مُتعال؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأنَّ‭ ‬الشيرازي‭ ‬يرى‭ ‬حسب‭ ‬نظريته‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬الوجود‭ ‬أنَّ‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬التشكيك‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الوجود‭ ‬والموجود؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أنَّ‭ ‬الوجود‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬مُتعددة‭ ‬الظهور؛‭ ‬فهو‭ ‬مع‭ ‬الجوهر‭ ‬جوهري،‭ ‬ومع‭ ‬العرض‭ ‬عرضي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الأطار،‭ ‬تأخذ‭ ‬الروح‭ ‬العاقلة‭ ‬بُعدا‭ ‬ماديًّا‭ ‬مع‭ ‬المادة،‭ ‬وعقلانيا‭ ‬مع‭ ‬العقل‭.. ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نظرية‭ ‬الشيرازي‭ ‬للوجود‭ ‬والحركة‭ ‬الجوهرية‭. ‬وتحظى‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬إذن‭ ‬بمكانة‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الشيرازي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نظرية‭ ‬الوجود‭. ‬تهدف‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬أولا‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬مُتعالية‭: ‬إنها‭ ‬تربط‭ ‬العالم‭ ‬الأرضي‭ ‬بالعالم‭ ‬السماوي،‭ ‬إنها‭ ‬تقود‭ ‬المادة‭ ‬للعقل،‭ ‬وتقود‭ ‬المتعدد‭ ‬للوحدة،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬الظهور‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعية،‭ ‬وتنقل‭ ‬بالنقص‭ ‬إلى‭ ‬الكمال‭. ‬وهي‭ ‬بكل‭ ‬هذا‭ ‬تربطُ‭ ‬بين‭ ‬الطبيعة‭ ‬المتوترة‭ ‬وبين‭ ‬الحياة‭ ‬الأبدية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تجديد‭ ‬متواصل‭. ‬إنها‭ ‬وسيلة‭ ‬جعلها‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬لكي‭ ‬تقوم‭ ‬بإخراج‭ ‬خلق‭ ‬جديد‭. ‬لكن‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬والخلق‭ ‬المتواصل‭ ‬ليس‭ ‬لهما‭ ‬مفهوم‭ ‬أخروي‭ ‬فقط‭ ‬بالمعنى‭ ‬الضيق،‭ ‬إنهما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.. ‬ففي‭ ‬فلسفة‭ ‬الشيرازي‭ ‬يُشكلان‭ ‬علاقة‭ ‬صلة‭ ‬الكائن‭ ‬غير‭ ‬الكامل‭ ‬والمتغير‭ ‬وبين‭ ‬الكائن‭ ‬المطلق‭. ‬الكائن‭ ‬الناقص‭ ‬والرهين‭ ‬بالعدم‭ ‬يستطيع‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تجديد‭ ‬متواصل‭ ‬وتنمية‭ ‬ذاتية‭ ‬أن‭ ‬يأمل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أبدية‭. ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬هي‭ ‬إذن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬التقلب‭ ‬الإنساني‭. ‬وأيضا‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬ذاتيته‭ ‬عبر‭ ‬أطوار‭ ‬الوجود‭ ‬التي‭ ‬عبرها،‭ ‬والسبب‭ ‬كذلك،‭ ‬في‭ ‬الانقلاب‭ ‬الكلي‭ ‬والرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬الإنسان‭ ‬الجديد‭.. ‬إنها‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬رمزٌ‭ ‬للتغيير‭”‬‮٣٣‬‭.‬

وبذلك،‭ ‬وَقفنا‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬لا‭ ‬تَعْتَقد‭ ‬باندماج‭ ‬جوهريْن،‭ ‬بل‭ ‬ثمَّة‭ ‬جَوْهر‭ ‬واحد‭ ‬فحسب،‭ ‬بالحركة‭ ‬ينال‭ ‬بُعدا‭ ‬ميتافيزيقيا‭ ‬ينقله‭ ‬من‭ ‬الوسط‭ ‬المادي‭ ‬المحبوس‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬الزمان‭ ‬والمكبل‭ ‬بأغلال‭ ‬الزمان،‭ ‬إلى‭ ‬أفقٍ‭ ‬أعلى،‭ ‬يكتسبُ‭ ‬به‭ ‬رونقَ‭ ‬التجرُّد‭.‬

—————————————————-

المراجع‭:‬

  1. بور،‭ ‬رضا‭ ‬حاجت‭: ‬ماهية‭ ‬الكمال‭ ‬وفكرة‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬عند‭ ‬الشيرازي‭: ‬ضمن‭: ‬نظرات‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ ‬وملا‭ ‬صدرا‭ ‬الشيرازي‭ ‬ص230‭. ‬راجعه‭: ‬مقداد‭ ‬عرفة‭ ‬منسية‭. ‬سلسلة‭ ‬العلوم‭ ‬الاسلامية،‭ ‬المجمع‭ ‬التونسي‭ ‬للعلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭: ‬تونس‭ ‬1983‭. ‬
  2. سايفرت،‭ ‬يوسف‭: ‬البرهان‭ ‬الفينومينولوجي‭ ‬الواقعي‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الله‭. ‬ترجمة‭ ‬وتقديم‭: ‬حميد‭ ‬لشهب‭. ‬ص26‭.‬
  3. بشور،‭ ‬وديع‭: ‬ديانات‭ ‬الأسرار‭: ‬دار‭ ‬المرساة‭. ‬دمشق‭. ‬ص157‭.‬
  4. ‭ ‬المصدر‭ ‬السابق‭ ‬ص116
  5. الأهواني،‭ ‬أحمد‭ ‬فؤاد‭: ‬فجر‭ ‬الفلسفة‭ ‬اليونانية‭ ‬قبل‭ ‬سقراط‭. ‬دار‭ ‬إحياء‭ ‬الكتب‭ ‬العربية‭. ‬ص176
  6. ديانات‭ ‬الأسرار‭ ‬ص177‭ ‬مصدر‭ ‬سابق‭.‬
  7. قاسم،‭ ‬محمود‭: ‬في‭ ‬النفس‭ ‬والعقل‭ ‬لفلاسفة‭ ‬الاغريق‭ ‬والاسلام‭. ‬القاهرة‭. ‬ص23‭.‬
  8. حرب،‭ ‬حسين‭: ‬أفلاطون‭. ‬لبنان‭: ‬ص97‭.‬
  9. إبراهيم،‭ ‬حامد‭: ‬نظرية‭ ‬النفس‭ ‬بين‭ ‬أرسطو‭ ‬وابن‭ ‬سينا‭. ‬المجلد‭ ‬19،‭ ‬مجلة‭ ‬جامعة‭ ‬دمشق‭. ‬ص205‭.‬
  10. اأرسطوطاليس‭: ‬كتاب‭ ‬النفس‭. ‬ترجمة‭: ‬أحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬الأهواني،‭ ‬1949،‭ ‬ص42‭. ‬أيضا‭ ‬يُراجع‭: ‬كتاب‭ ‬السياسة‭: ‬أرسطوطاليس‭: ‬ترجمة‭: ‬أحمد‭ ‬لطفي،‭ ‬القاهرة،‭ ‬ص382‭.‬
  11. نظرية‭ ‬النفس‭ ‬بين‭ ‬أرسطو‭ ‬وابن‭ ‬سينا‭. ‬مصدر‭ ‬سايق‭ . ‬ص210‭.‬
  12. أرسطو،‭ ‬مصطفى‭ ‬غالب‭: ‬ص21
  13. الجبوري،‭ ‬عماد‭ ‬الدين‭: ‬الله‭ ‬والوجود‭ ‬والانسان‭. ‬ص211‭.‬
  14. بدوي،‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭: ‬موسوعة‭ ‬الفلسفة‭ ‬ج1ص497‭.‬
  15. ‭ ‬موسوعة‭ ‬الفلسفة‭ : ‬بدوي‭. ‬مصدر‭ ‬سابق‭ ‬ج1ص497‭.‬
  16. برهييه،‭ ‬اميل‭: ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭. ‬ترجمة‭ ‬جورج‭ ‬طرابيشي‭. ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬ص136
  17. تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬ص136‭ ‬مصدر‭ ‬سابق‭.‬
  18. تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬ص137‭ ‬مصدر‭ ‬سابق‭.‬
  19. آل‭ ‬ياسين،‭ ‬جعفر‭: ‬فيلسوفان‭ ‬رائدان‭. ‬ص31‭.‬
  20. ابن‭ ‬سينا‭: ‬الشفاء‭. ‬ص210
  21. الشافعي،‭ ‬حسن‭ ‬مجمود‭ ‬عبداللطيف‭: ‬نظرية‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬عند‭ ‬الملا‭ ‬صدرا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الفكر‭ ‬الاسلامي‭. ‬ورقة‭ ‬ألقيت‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬الملا‭ ‬صدرا‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬كيش‭ ‬الايرانية،‭ ‬ضمن‭ “‬الملا‭ ‬صدرا‭ ‬والفلسفة‭ ‬العالمية‭” ‬ص291‭ .‬
  22. أنظر‭ ‬مقدمة‭ ‬الدكتور‭ ‬صلاح‭ ‬الجابري‭ ‬على‭ “‬أصالة‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬الشيرازي‭ ‬من‭ ‬مركزية‭ ‬الفكر‭ ‬الماهوي‭ ‬الى‭ ‬مركزية‭ ‬الفكر‭ ‬الوجودي‭” ‬للمؤلف‭ ‬كمال‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الشلبي،‭ ‬ص8،‭ ‬دار‭ ‬صفحات‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر،‭ ‬ط1،‭ ‬دمشق،‭ ‬2008‭.‬
  23. هاني،‭ ‬ادريس‭: ‬مفهوم‭ ‬الوجود‭ ‬المتعالي‭ ‬تأسيس‭ ‬عريق‭ ‬لرؤية‭ ‬مبتكرة‭. ‬ضمن‭: ‬مساءلة‭ ‬الوجود‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬الواقعية‭ ‬الصدرائية،‭ ‬ص180،‭ ‬دار‭ ‬المعارف‭ ‬الحكمية،‭ ‬ط1‭ ‬بيروت،‭ ‬2015‭.‬
  24. المصباح،‭ ‬محمد‭ ‬تقي‭: ‬تعليق‭ ‬على‭ ‬نهاية‭ ‬الحكمة‭ ‬للعلامة‭ ‬الطباطبائي‭.‬
  25. بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬يقرأ‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬بنحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬مبادئ‭ ‬هي‭ ‬أصال‭ ‬الوجود،‭ ‬ووحدته،‭ ‬وتشككه‭. ‬أنظر‭ ‬مثلا‭ ‬مراتب‭ ‬المعرفة‭ ‬وهرم‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬الملا‭ ‬صدرا‭ ‬للكاتب‭ ‬كمال‭ ‬إسماعيل‭ ‬ص379‭.‬
  26. الشافعي،‭ ‬حسن‭ ‬محمود‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭: ‬نظرية‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬عند‭ ‬ملا‭ ‬صدرا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الفكر‭ ‬الاسلامي،‭ ‬ص295‭. ‬ضمن‭: ‬الملا‭ ‬صدرا‭ ‬والفلسفة‭ ‬العالمية‭ ‬المعاصرة‭.‬
  27. الشلبي،‭ ‬كمال‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭: ‬أصالة‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬الشيرازي‭ ‬من‭ ‬مركزية‭ ‬الفكر‭ ‬الماهوي‭ ‬الى‭ ‬مركزية‭ ‬الفكر‭ ‬الوجودي‭. ‬ص161،‭ ‬دار‭ ‬صفحات‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر،‭ ‬ط1،‭ ‬دمشق،‭ ‬2008‭.‬
  28. حلباوي،‭ ‬علي‭ ‬أسعد‭: ‬أصالة‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬صدر‭ ‬الدين‭ ‬الشيرازي‭ ‬ص156‭.‬
  29. الشيرازي،‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬إبراهيم‭: ‬الحكمة‭ ‬المتعالية‭ ‬في‭ ‬الأسفار‭ ‬العقلية‭ ‬الأربعة‭ ‬ج7ص290‭.‬
  30. الشيرازي،‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬إبراهيم‭: ‬الحكمة‭ ‬المتعالية‭ ‬في‭ ‬الاسفار‭ ‬العقلية‭ ‬الاربعة‭ ‬ج8ص334‭.‬
  31. لزيق،‭ ‬كمال‭ ‬اسماعيل‭: ‬مراتب‭ ‬المعرفة‭ ‬وهرم‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬ملا‭ ‬صدرا‭. ‬دراسة‭ ‬مقارنة‭. ‬ص389،‭ ‬مركز‭ ‬الحضارة‭ ‬لتنمية‭ ‬الفكر‭ ‬الاسلامي‭. ‬بيروت،‭ ‬ط1،‭ ‬2014
  32. مطهري،‭ ‬مرتضى‭: ‬أصالة‭ ‬الروح،‭ ‬ترجمة‭: ‬محسن‭ ‬علي‭. ‬ص18
  33. بور،‭ ‬رضا‭ ‬حاجت‭: ‬ماهية‭ ‬الكمال‭ ‬وفكرة‭ ‬الحركة‭ ‬الجوهرية‭ ‬عند‭ ‬الشيرازي‭. ‬مقالة‭ ‬ضمن‭: ‬نظرات‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ ‬وملا‭ ‬صدورا‭ ‬الشيرازي‭. ‬راجعه‭ ‬وأعده‭ ‬للنشر‭: ‬مقداد‭ ‬عرفة‭ ‬منسية‭. ‬ص250‭. ‬دار‭ ‬الحكمة،‭ ‬تونس،‭ ‬ط1‭ ‬،‭ ‬2014‭.‬

454 total views, 2 views today