سمرا‭ ‬علي‭ ‬زليخه – كاتبة‭ ‬وباحثة

      يبدو العرفان، بوصفِهِ مصطلحاً ناجزاً في الثقافة، محيلاً إحالةً مباشرةً إلى الطّريقة الصوفية في المعرفة والسلوك، وما يتأتّى عن ذلك من نتاجٍ أدبيٍّ معرفيّ، وهذا صحيحٌ على مستوى الرؤية الثقافية الإسلامية، غير أنّ العرفان لم يكن ليوجد في الأدب بصورةٍ خاصة، والدين بصورةٍ عامة، على هذا النَّحو من التَّجلي والوضوح، من دون أن يكون له سابق حضورٍ في التَّاريخ والثَّقافة، من هنا نبدأ هذه الرِّحلة الاسترجاعيَّة للاطِّلاع على تاريخ العرفان وبداياته الأولى.

 (في المفهوم والجذور):

      العرفان لغةً: « العلمُ. مصدرٌ للفعلِ عرفَ، عرفاناً أو معرفةً»[1]، وقد أدرج ابن منظور في اللّسانِ، العرفان بوصفه مصطلحاً مرادفاً للعلم؛ غير أنَّه أشار إلى أنَّ العلم نقيضُ الجهل، ومن صفات اللهِ عزَّ وجلَّ العالم والعليم والعلّام، فهوَ الله العالم بما كان وما يكون قبل كونه، وبما يكون، ولـــَّما يكنْ بَعْدُ قبل أنْ يكون[2]. واصطلاحاً: ورد العرفان بوصفه مصطلحاً مرادفاً لكلمة الغنوصيَّة  gnosis اللَّاتينيَّة الَّتي تعني المعرفة[3].

    فبذلك لا اختلاف بين المعنى اللُّغويِّ للعرفان والمعنى الاصطلاحيِّ، غير أنَّ مفردة العرفان أخذت معنىً أكثر تخصُّصاً وعمقاً من حيث إشارتها إلى المعارف العليا.

     تكوَّنتِ البذور الأولى للمعرفة بمعناها الاصطلاحيِّ في حضن الدِّين غير السَّماويِّ، وتطوَّرت حتَّى أصبحت تعني اصطلاحاً إسلاميَّاً معرفة الله « والتَّوصُّل بنوعٍ من الكشفِ إلى المعارف العليا، أو هي تذوُّقُ المعارف تذوُّقاً مباشراً دونما حاجةٍ لاستدلالٍ أو برهنةٍ عقليَّةٍ»[4].

     إنَّ العرفان ” المعرفة”، بوصفِهِ مفهوماً كليّاً، له مقدِّماتٌ وجذورٌ تطوَّر منها حتَّى وصل إلى ما هو عليه الآن. ولم يأت فجأةً إلى الأدب والفلسفةِ؛ فالمعرفةُ، بالوصفِ الدِّينيِّ للكلمةِ، نشَأَت مع البدايات الآدميَّة. إذ امتلك الإنسان البدائيُّ معرفةً، وإن لم تكن ناضجة، بعد انفصاله عنِ الطَّبيعة، فـ«حين كان يعير انتباهه حجرةً أو صنوبرةً أو ماءً؛ لم يكنْ يرى أبداً الصّفات الموضوعيَّةَ لهذه الأشياء، وإنَّما يرى تأثيرها النَّافع والضَّار بالنّسبة إليه هو عندما يلامسها»[5]؛ بمعنى أنَّ الإنسان الأوَّل في اتِّصالِه مع الطَّبيعة لم يكن بوسعه التَّفكير في حاجاتٍ وجوديَّة بسببٍ من غلبة الدَّوافع الأساسيَّة للبقاء، وبعد إكمال هذه الحاجات الأساسيَّة، تبدأ الحاجاتُ الأخرى؛ الَّتي فرضَتْها مرحلةُ الانفصالِ عنِ الطَّبيعة، بالظُّهورِ.

     من هنا يبدأ الحديث عن النُّشوء المعرفيِّ المرتبط بالغيبيَّات غير المدركةِ مباشرةً عن طريقِ الحواسِّ، فالأشياء لا تكتسب تحديداتها الخاصَّة، بحيث تتحوَّلُ إلى “فِتشاتٍ* ذاتِ المفهوم الصَّنميِّ. والفِتشُ؛ لا يكون بالضَّرورة شيئاً ملموساً يُعبَدُ أو يُصنَعُ، ويعبِّر عن قدسيّةٍ ما؛ أي أنْ تصبح الأشياء حاملة قوىً سريَّة؛ فالفِتشُ إذاً؛ صورةٌ نموذجيَّةٌ، أي هو هذه الشَّجرة أو هذا الحجر، وفي الوقت نفسه لا هو بهذه ولا هو بذاك، إنَّ الفِتشَ كيانٌ متميِّزٌ، يتكوَّن من جسمٍ ماديٍّ واحدٍ (جزء/خاص)، ومن مغزىً كلّيٍّ يختفي وراءه، هو المضمون الروحيُّ والاجتماعيُّ. لذلك فهو ليس مادّةً جامدةً، بل  فعلٌ سحريٌّ، إنَّه يعيش بفضل عمليَّة تقديسه والخضوع له، ويمكن أن نجد في الخرافات والأساطير آثاراً تدلُّ على الوعي البشريِّ في تلك المرحلة، ففي الفِتشِ وما يتَّصل به من خطوات الوعي الأوَّل، في التَّجسُّد بخاصَّةٍ، يتجلَّى أمامنا جوهر الصُّورة في طوره الأدنى[6]، ويمكن أن تُعدَّ هذه المرحلة من الوعي الإنسانيِّ الطَّور الأوَّل للمعرفةِ الطَّبيعيّة، قبل أن تخضع لعمليات التَّسخير والتَّطويع الَّتي اكتملت في المراحل اللَّاحقة للحياة الإنسانيَّة، مع مجيء الفلسفة، وسائر أنواع العلوم والفنون الَّتي تحاكي الطَّبيعة، من ثُمَّ لتتجاوزَها نحو الماورائيَّات والغيبيات، فقد « لعبتِ الأسطورةُ في المجتمعات البدائيَّة القديمة الدَّورَ نفسَهُ الَّذي لعبته الميتافيزيقا فيما بعد،وهي، على الرّغمِ من عدم

عنايتِها بتكوين المفاهيم والمصطلحات الَّتي اشتهرت بها الميتافيزيقا وبقيَّةُ موضوعات الفلسفة، إلا أنَّها تدور حول المفاهيم والمصطلحات نفسها متوسّلةً بالرَّمزِ، مستكملةً ذلكَ كلَّه بالأفعال الطقسيَّة ذات المعنى والمؤدّى العميقِ»[7]، فالمعرفة المنشودة من تلك النظرة التاريخية غير متبلورة،  ولأنَّنا لا نستطيع رصد الملامح المعرفيَّةِ الأولى في التَّاريخ البشريِّ؛ فإنَّ الحديث عن الفكر المعرفيِّ المتَّصل بالوعي الدِّينيِّ مباشرةً، سيكون مقتصراً على ما هو مثبتٌ في التَّاريخ، وإذ يُنبئُ التَّاريخ عنِ الجذور الأولى للمعرفة، يربطها بالفلسفة، كأنَّ المعرفة، وإنْ كانت دينيَّةً في مضمونها الاجتماعيِّ والرُّوحيِّ، إلاّ أنَّها كانت قرينة النَّشاط الفلسفيِّ.

      في الفلسفة اليونانيَّة، مع أرسطو و أفلاطون، خضعتِ الطَّبيعة لفلسفةٍ أُقيمت على مبادئ ميتافيزيقيَّةٍ، وأصبحت تكوِّن نظرةً شاملةً في الوجود، ولم يقتصرِ النَّظر على النّاحيةِ الماديَّة من الطَّبيعة، بل اعْتُرِف بوجود ثنائيَّةٍ مطلقةٍ لا سبيل للقضاءِ عليها داخل نظام الوجود، وهي ثنائيّةُ الرُّوح والمادَّة، أو الهيولى والصُّورة، ونظريَّةُ المعرفة أخذتْ وضعَها الصَّحيحَ وأضيفَ إليها, عندَ أرسطو خاصةً، تحديدٌ دقيقٌ لمعاني الألفاظِ، ونُظِرَ إلى كثيرٍ من المشاكل الميتافيزيقيَّة نظرةً ثابتةً واسعةً تقوم على أساس الإدراك العقليِّ الصَّرف لظواهر الوجود، وما يخضع له من قوانين. ثمَّ أضيف في الفلسفة البحث العلميُّ بمعناه الدَّقيق إلى جانب فلسفة التَّصوّرات الَّتي بدأت بـسقراط وبلغت نهايتَها عند أرسطو، لنجدَ أنَّ المنهج العلميَّ القائم على الملاحظة، بل وعلى شيءٍ من التَّجربة، قد أخذ مكانه إلى جانب منهج التَّصوُّرات[8].

     بناءً على ما سبق، يمكن القول: إنَّ الوعي المعرفيَّ لظواهر الوجود استقى مادَّته الأولى من نبع الفلسفة حين أخضع الطّبيعة لسلطان الفكر، فكانتِ المعرفة تتطوَّر من خلال اقترانها بالفكر الفلسفيِّ، وإنَّ أوّل منْ أنتج التّصوُّرات المعرفيَّة هم الفلاسفة، ويمكن أن نجد عندهم الإرهاصات الفكريَّة الأولى للمعرفة، من دون أن يكونَ للحديث اتِّصالٌ بفكرة التَّأثُّرِ والتَّأثيرِ، وإنَّما الغايَةُ هنا، الإشارةُ إلى أنَّ المفهوم المعرفيَّ الإسلاميَّ ليس حدثاً طارئاً في الثّقافة الدّينيَّة والأدبيَّة والإسلاميَّة، بل هو أمرٌ مشتركٌ بين العقائد جميعها من دون تبيان فضلٍ أو أثرٍ.

    تنهض نظريَّة المعرفة عند الرّواقيين(*) من  البحثِ عن الأسس الَّتي تقوم عليها المعرفة ومصادرها. ومصدر المعرفة عند الرّواقيين يقوم على التَّمييز بين الصُّور الحسّيَّة والإدراك الحسّيِّ، فالمحسوسات هي الأصل في كلِّ معرفةٍ[9]، ويمكن أن نستنتج من هذا أنَّ المعرفة، وإن بدأَت طبيعيَّةً، لم تكن غايتها الطَّبيعة بوصفِها وجوداً مادّيّاً محضاً، بل بالوصف الحسيِّ المنبئ عمَّا وراء الطَّبيعةِ.

        ويمكن أنْ نجد (لله) بالاسمِ المعروف إسلاميّاً، حضوراً في الفلسفة اليونانيَّة، مع الرَّواقيّةِ، إذ بدأَ أفلاطون(*) القولَ إنَّ الوجود الحقيقيَّ هوَ الَّذي يؤثِّر ويتأثَّر، ورأى أنَّ الشَّيء الَّذي يقبل التَّأثير والتّأثُّر هو وحده الجسمانيّ فابتداءً من الله حتّى الصّفات الموغلة في التَّجريد، هذه الأشياء الأخرى كلُّها مادّيَّةٌ، وتقبل التَّفسير على نحوٍ مادِّيٍّ خالصٍ[10]، ممَّا يعني أنَّ أساس النَّظريَّة المعرفيَّة الرَّواقيَّة ينهض على الماديَّة التي قال بها أفلاطون، بذلك يمكن القول إنَّ المعرفة في الفكر الفلسفيِّ بدأت حسِّيَّة وانتهت مجرَّدةً، والمعرفة الحسّيَّة موجودةٌ عند الأبيقوريّين(*)، فـأبيقور يقول: إنَّ الأصل في كلِّ معرفةٍ هو الحسُّ، فعن طريقه وحده تتمُّ المعرفة، والحسُّ لا يخطئ، وإنَّما الَّذي يحدث هو أنَّه تأتي إلى الحواسِّ عن الشَّيء الواحد صورٌ متعدِّدةٌ، والنَّاس تختلف في التقاطها هذه الصّور، مع أنَّ الموضوع واحدٌ باستمرارٍ، والإحساس هو الأصل في كلِّ معرفةٍ. آمن  أبيقور بالآلهة على نحوٍ خاصٍّ يتفِّق مع مذهبه في المعرفة والطّبيعة، فمن النَّاحية النَّظريَّة يتصوَّر أبيقور الآلهة وكأنّهم موجودون في نفوس النّاس، أو في الهواء على شكل صورٍ أثيريَّةٍ يدركها النَّاس. من هذه النّاحية النّظريَّة آمن أبيقور بوجود الآلهة[11]. ويمكن أن نجد لهذه الفلسفة الإيمانيّة نظيراً مقابلاً في الفكر الإسلاميِّ، فالصوفيّون، بوصفهم مذهباً أو طريقةً في المعرفة، يؤمنون بوجود إلهٍ خالقٍ للكون؛ لكنهَّم يؤمنون بهذا الإله إيماناً خاصّاً يتَّفق ونظريّاتهم المعرفيَّة.

     في المعرفة تتطوَّر النّظريَّات على أساس أنَّها لا تقوم على يقينٍ مطلقٍ، ممّا يترك الباب مفتوحاً لاحتمالاتٍ شتَّى، والاختلاف في المعتقدات وفي ما هو سائدٌ ومتعارفٌ عليه بين النّاس أمرٌ طبيعيٌّ تفرضه الضّرورة التَّعاقبيّة، هكذا يبدأ فيلون بوضع الحقيقة الدّينيّة في صيغةٍ فلسفيّةٍ، فقد سادت نزعةٌ صوفيَّةٌ تفكيره، فقد فسَّر النّصوص الدينيَّةَ تفسيراً رمزيّاً، وهو يشبِّه النّصَّ بالجسم، والمعنى الرّمزيَّ بالرّوح، ويميل إلى الأخذ بالمعنى أو الرُّوح على حساب الأصل الّذي يؤخذ مباشرةً من النّص بحروفه، وفيلون(*) شخصيّةٌ لاهوتيّةٌ قبل كلِّ شيءٍ، بدأ من الدِّين واستعان بالفلسفة لا العكس[12]، كما كان سائداً عند من سبقه، فالفلاسفة أنتجوا التَّصوراتِ اللاهوتيةَ ابتداءً من الفلسفة المادية أو الطبيعية وصولاً إلى الوصف الدِّينيِّ المجرد أو اللاهوتي للمعرفة، مثلما جاء به سقراط وأفلاطون وسواهما سابقاً.

        وعند فيلون لا تُقصَدُ المعرفة والفلسفة من أجل ذاتها؛ بل من أجل تفسير نزعةٍ دينيّةٍ خاصّةٍ، والمعرفة اليقينيّة متعذِّرة المسالك، والعالم وهمٌ، والذّات الإنسانيّة فانيةٌ؛ لذلك لا بُدَّ من الخلاص الَّذي يحصل عن طريق فناء الإنسان بنفسه باللهِ، من أجل أن يتخلّص من الحال الّتي هو عليها، وهذا الفناء يتمُّ عبر التّصوّف، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بإدراكه إدراكاً مباشراً، لأنَّ الله سيظهر أمام الإنسانِ مباشرةً دون حاجةٍ للوسائط، عن طريق التّجربةِ الصُّوفيّةِ، ففي حالة الوجد الصّوفيِّ يستطيع المرء أن يعايِنَ الله. والسَّبيل إلى هذا السّلوك ثلاثيُّ المراحل، الأولى: عن طريق المجاهدة، والثانية عن طريق العلم، والثّالثة عن طريق اللّطف الواهب للقداسة. ويخصُّ المريدين والسَّالكين بالدَّرجتين الأولى والثّانية، و(الكُمَّل) بالثالثة[13]، وعليه، يمكن عدُّ التَّصوُّف وسيلةً في الوصول إلى العرفان، بمفهومٍ إسلاميٍّ وغيرِ إسلاميٍّ.

    وأوَّل مفردةٍ في متوالية المفردات المؤدِّية إلى العرفان، الزُّهد؛ وهي مفردةٌ لصيقةٌ بالدِّينِ، وبتتبُّع أثر المفردة وتاريخ ظهورها يتبيَّن أنَّ بذورها الأولى موجودةٌ في كلِّ دينٍ سماويٍّ أو غير سماويٍّ، في التّوراة والإنجيل والزّبور والقرآن، وهناك اختلافاتٌ كثيرةٌ في إرجاع الصُّوفيَّة إلى أصولها الأولى، فمن قائلٍ إنَّ التَّصوُّف الأوّل بدأ تقشُّفاً وزهداً، وتطوَّر الزُّهد حتّى أخذ شكلاً آخر دُعِيَ تصوُّفاً، إلى قائلٍ إنَّ الصُّوفيَّة ترجع بجذورها إلى الأُمَّة الآريّة، أي إلى الدّيانتين الهنديَّة والفارسيَّة، في حين يرى آخرون أنَّ الصّوفيّة امتدادٌ للأفلاطونية[14]المحدثة نسبةً إلى أفلوطين المصري صاحب (فلسفة الإشراق).

      غيرَ أنَّ الدِّراسات الحديثة أوضحت، بما لا يقبل الشَّكَّ، أنَّ العرفان وجد قبل المسيحيَّة، وأنَّه يرقى إلى القرن الأوَّل قبل الميلاد، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، ما عاد مؤرِّخو الأديانِ في أوروبا اليوم ينظرون، كما كانوا يفعلون من قبل، إلى العرفانيَّة بوصفها حركةً مرتبطةً بالمسيحيَّة وحدها، بل لقد صار من المسلَّم به اليوم، أنَّ العرفان والعرفانيَّة ظاهرةٌ عامَّةٌ عرفتها الأديان السَّماويَّة الثّلاثة، اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام، كما عرفتها الدِّيانات الوثنيَّة[15]، فإذا قلنا إنَّ بذور الزّهدِ الأولى موجودةٌ في القرآن وجودها في التّوراة، وجودها في الإنجيل، وجودها في البوذيَّة، والفيدا والمندائيّة والزرادشتيّة والعقائد الفرعونيّة، كان لنا أن نثبت خطأ الحكم القائل بنسبة الزُّهد الإسلاميِّ إلى الرَّهبنةِ المسيحيَّة وسواها[16].

      فالقول بوجود تلاقٍ بين الأفكار أمرٌ منطقيٌّ، بحكم الامتداد الزّمنيِّ، ومن المعروف أنّ اللّاحق يتأثّر بالسَّابق، ولكن بما أنَّ الزُّهد والتَّصوُّفَ أمران مشتركان بين العقائدِ جميعِها، يمكنُ أن يدخل التَّصوف والعرفان على هذا المعنى، بما هو متشابهٌ بين الأديان؛ والإسلام بما هو الدِّين الختاميُّ، وبما فيه من الإخبار عن أقاصيص الأوَّلين، من الطّبيعيِّ أن نجد فيه أفكاراً تكون صدى متطوّراً عن أفكارٍ وسلوكيَّاتٍ دينيَّةٍ سابقةٍ.

        لذلك فإنَّ الجزم بتحديد أصلٍ ومصدرٍ واحدٍ للتّصوُّف غير ممكنٍ؛ وسوى أنَّ التَّصوُّف طقسٌ دينيٌّ، كانتِ العقائد على امتداد الأديان الرّئيسة في العالم « تعبيرَ الإنسان عن إيمانه بقوّةٍ أعظم منه، وإجلاله لها، بوصفها خالقة هذا الكون ومسيِّرته، وكثيراً ما يتّخذ الدّين شكل المحاولة الجادّة لتفسير أصل الكون وطبيعته، والهدف الذي من أجله كانتِ الحياة، والدّين هو كلُّ مجموعةٍ متكاملةٍ من الشّعائرِ والطّقوسِ المبنيَّة على أساسٍ من هذا الإيمان»[17].

       وقد كانتِ الطّقوس الدينيَّة موجودةٌ في الهند ومصر، وبلاد ما بين النّهرين، وبلاد فارس وفي الصِّين، ثمّ في اليونان، وبما أنَّ الطُّقوس كانت سابقةً النّظرَ الفكريَّ الخالص، وكانت ذات فعلٍ مباشرٍ، لم يكن هناك بحثٌ في العلل والأسباب، وعندما أصبحتِ الطُّقوس موضع جدلٍ، وحين صار أصحابها يعملون الفكر فيها ويتساءلون عن جدوى العمل فيها، تحوَّل الدِّين إلى فلسفةٍ معرفيّةٍ تكوَّن من خلالها تصوُّف[18]. بناءً عليه، تكون الصُّوفية تعني المسلك الدِّيني في الحياة، مضافاً إليه المسلك المعرفيّ؛ الَّذي ليس من الضَّروري أن يكون مطابقاً الطقوس والشرائع.

          إسلامياً؛ عرَّف الجرجاني التصوف بأنّه « مذهبٌ كلّه جدٌّ بلا هزلٍ»[19]، ومعناه اقتران الاعتقاد والنَّشاط العقليِّ بالعمل والسُّلوك، وقد قال واصفاً التّصوف لتبيان سموُّهِ: « إنّه تصفية القلب عن موافقة البريَّة، ومفارقة الأخلاق الطبيعيّة، وإخماد الصّفات البشريّة، ومجانبة الدّعاوى النفسانيّة، ومنازلة الصّفات الرّوحانيّة، والتَّعلّق بعلوم الحقيقة»[20]؛ فلا فرق بهذا المعنى بين التَّصوُّف والعرفان الَّذي هذا شأنه. وهذا التَّعريف للتَّصوف وإيضاحه عند الجرجاني لصيقٌ بالإسلام، ولكنَّ القائلين بلا إسلاميَّة منشأ العرفان ومسلكه، بدعوى قدومه من الدِّيانات السَّابقة يرون أنَّ « الجيل الأوَّل في الإسلام لم يكنْ يعرف العرفان، وأنَّ مصطلح العرفان لم يردْهُ. ولم يُعثرْ على أثرٍ للصوفيَّةِ على مدى المئة العام الأولى من التّاريخ الإسلاميِّ، وأنَّ الصوفيَّة بدأت بالظّهور في العام الأخير من القرن الثَّاني الهجريِّ»[21]، لذلك قال هؤلاء إنَّ العرفان مستوردٌ ولا أصل له في الإسلام، أمَّا أهل العرفان من المسلمين فيقولون إنَّ العرفان من صميم الإسلام ومشارٌ إليه في صميم القرآن وإنْ لم نجدْ له اسماً في بداياتِ الإسلامِ؛ فالاسمُ ليس مهمَّاً كأهميَّة حقيقة المسمَّى، فالجيل الأوَّل، وإن لم يكنْ يعرف هذا المصطلحَ، فإنَّه كان يعرف حقيقةَ مفهومه[22]، دليلهم في ذلك الحديث القدسيِّ: «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أُعرفَ فخلقتُ الخلق لكي أعرفَ فبي عرفوني»[23]، وقد رسم منهج المعرفة النبيُّ محمّدٌ(ص) حيث قال: « أنا أعلمكم (أعرفكم) باللهِ وأنَّ المعرفة فعلُ القلبِ[24]، لقولِه عزَّ وجلَّ:﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذْكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبَكُمْ﴾ البقرة (225)»، وقد قال الإمام عليٌّ عليه السلّام في نهجه:« أوّلُ الدِّين معرفته»[25].

       ولكنّ تعريف العرفان هذا كما جاء إسلاميَّاً، لا يثبت القول بإسلاميّة منشئه، فهو مصطلحٌ قديم سقت بذوره الدّيانات السّماويّة وغير السَّماويَّة، منذ بدايات النُّشوء المعرفيِّ. لكن يمكن القول إنَّ العرفان في الإسلام قد أصبح منهجاً واضح المعالم والطَّريقة، ووضعت له حدود ومعايير من حيث إنَّه طريقة في الحياة والمعرفة تميِّزه عن سائر أنواع المعرفة في العصور السَّابقة، فالعارف السّالك إلى الله يسعى بدافع من فطرته، دأبه البحث عن الحقيقة، لذلك كان العرفان، على المفهوم الإسلاميِّ، هو التَّصوّف الفلسفيّ غير المشوب بشائبة، لأنّ للعرفان معنى لا يعرف الذّمّ، ولا يمكن أن يتّصف بغير الصّفاء والنّقاء، وقد ارتبط هذا المعنى بظهوراتٍ سلوكيّة وأدبيّة، وأكثر ما شاعت في الشِّعر، فغدا الشعر المعبّر الأصدق عن انفعالات النفس حين بلوغها لحظة الكشف أو المعرفة الحقيقية، وهذا مبحثٌ آخر سنأتي عليه في دراسةٍ لاحقة.

[1]-ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، مادة (عرف).

[2]-المصدر السابق، مادة (علم).

[3]– ينظر، محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، دراسة تحليلية في فهم نظم المعرفة في الثقافة العربية، دراسات دار الوحدة العربية، بيروت،ط6، 2006، را:ص253- 254. ينظر أيضاً، عبد القادر محمود: الفلسفة الصوفية في الإسلام، مبادئها، نظرياتها، مكانتها من الدين والحياة، دار الفكر العربي، د.ت، را: ص5-13.

[4] – عبد القادر محمود: الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص4.

[5]– غيورغي غاتشف: الوعي والفنّ، ترجمة: د. نوفل نيوف، مراجعة: د. سعد مصلوح، عالم المعرفة، الكويت، 1990، ص20.

* -(fetshism) لعل في كلمة عبادة الفتش شيئاً يقربها من كلمة الصنمية، لكن الفتش لا يكون بالضرورة شيئاً ملموساً يعبد أو يصنع بغاية التعبير عن قدسيةٍ ما. (ينظر المرجع السابق، هامش ص19).

[6]-ينظر: المرجع السابق، ص19-26.

[7]– إِ. أُ. جيمس: الأساطير والطقوس في الشرق الأدنى القديم (مصر، ما بين النهرين، آسيا الصغرى، سوريا، الهند، إيران، إيجة، اليونان، البحر المتوسّط)، ترجمة: يوسف شلب الشام، دار التوحيدي للنشر، حمص، ط1، 1998.

[8]-ينظر: عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط4، 1970، ص3.

(*)_الرواقيون: نسبة إلى المدرسة الرواقية التي أسسها زينون القبرصي في نهاية القرن الرابع ق. م. ولد 333 ق.م، وتوفي 262 ق.م. فيلسوف يوناني أسس مدرسته المسماة الرواقية نسبةً إلى الرواق (البهوذي الأعمدة)، الذي كانت تحفظ فيه التحف الفنية في أثينا، والرواقية فلسفة مادية تردّ كلَّ أصلٍ في المعرفة إلى الحس، ومذهب الرواقية في الوجود يقول بأنه ليس في الوجود غير المادة، حتى الروح والله، والنار هي القوة التي تعطي المادة حركتها، وعنها ينشأ العالم، والله هو النار الأولى، ونفس الإنسان صدرت عن النار الإلهية. (ينظر: حسين صالح حمادة: دراسات في الفلسفة اليونانية، دار الهادي للنشر، بيروت، ط1، 2005، ص339-347).

[9]-ينظر: عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، ص16-17.

(*)-را: مصطفى حسن النشار: فكرة الألوهية عند أفلاطون وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2، د.ت، (التصورات المختلفة للإله الأفلاطوني، ص97-132، نظرية الخلق عند أفلاطون، ص195-240)

[10] – ينظر: عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، ص23.

(*)-الأبيقوريون: نسبةً إلى أبيقور341-270 ق.م؛ فيلسوف أثيني، تقوم فلسفته على ثلاث شعب: 1-المذهب المنطقي، 2-رأيه في الوجود أو مذهبه الطبيعي، ويدخل ضمن دائرة اللاهوت، 3-مذهبه الخُلُقي. أخذ الفلسفة عن ديمقريطس وأفلاطون وأرسطو وسقراط. له نظرية في النفس إذ تتحدد مهمة النفس عنده بالشعور والفكر والإرادة، وله مذهب في الإلهيات يختصره القول بوجود آلهة بأشكالٍ بشرية يأكلون ويشربون، وأجسامهم من عنصر الضوء، ويدلل على وجودهم، ويقدّم وصفاً لطبائعهم.(ينظر، حسين صالح حمادة: دراسات في الفلسفة اليونانية، ص303-330).

[11]-ينظر: عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني،ص23-59.

(*)_فيلون الإسكندري: 30 ق.م_50 بعد الميلاد، من المدرسة اليهودية، ويعدّ الفيلسوف اليهودي الأكبر في ذلك العصر، مزج بين الثقافة اليهودية واليونانية، عنوان مذهبه هو التوفيق بين اليهودية والفلسفة، ويتميّز بالتأويل الرمزي للتوراة وفكرته في الخلق أنّ الله خلق العالم من لا شيء، ويقول بوحدانية الله، ولم يعرف عنه أنه قال بالثالوث أو غيره من ألوان الشرك. ينظر: حسين صالح حمادة، دراسات في الفلسفة اليونانية، ص385-404.

[12]-ينظر: عبد الرحمن بدوي، خريف الفكر اليوناني، ص90-93.

[13]-ينظر: المرجع السابق، ص101-105-106.

[14]-ينظر: د. عبد القادر محمود، الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص3-5.

[15]-ينظر: مجمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص253.

[16]-ينظر: د. عبد القادر محمود، الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص4.

[17]-د. كامل فرحان الصالح، الشعر والدين (فاعلية الرمز الديني المقدّس في الشعر العربي)، دار الحداثة، بيروت، ط1، 2005، ص21.

[18]-ينظر: د. عبد القادر محمود، الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص5-7.

[19]-عبد القاهر الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2009، ص63.

[20]-المرجع السابق، ص6.

[21]-فريد الدين العطار النيسابوري، منطق الطير، إعداد وترجمة: د. محمد بديع جمعة، د.ت، ص35.

[22]-ينظر: د. عبد القادر محمود، الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص14

[23]-ابن خلدون، المقدّمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، 1967، ص452.

[24] -صحيح البخاري، م1، تقديم فضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الجيل، بيروت. د.ت، ص16.

[25]-الإمام عليّ: نهج البلاغة، شرح الأستاذ الشيخ: محمد عبده، دار المعرفة، ج1، د.ت، ص14.