د. حسن أحمد جواد اللواتي

قبل أن تبدأ مباراة كرة القدم يلقي الحكم بعملة معدنية في الهواء ليحدد أي فريق سيختار جهة الملعب في الشوط الأول وأي فريق سيبدأ بركل الكرة عند صافرة البدء والسبب في استعمال العملة المعدنية هو أنها وسيلة عشوائية لتحديد القرارات التي لا يمكن فيها استعمال وسيلة عادلة تماما لإعطاء الميزات في أية عملية يتساوى فيها الطرفان بالحقوق، ولكن هل إلقاء العملة المعدنية عشوائي حقا؟

عمليا نعم، فالذي يلقي بالعملة في الهواء بيده لا يستطيع التحكم في قوة الدفع وزاويته وسرعة الهواء وكثافته وقوة الجاذبية في تلك البقعة وهندسة العملة المعدنية ووزنها والعوامل الفيزيائية الأخرى المحددة لحركة العملة، ولكن نظريا فإن العملية ليست عشوائية حيث يمكن التنبؤ بنتائج العملية عند احتساب تلك العوامل رياضيا، لذلك لا زلنا نستطيع الاعتماد على تلك الوسيلة لتلك الأغراض البسيطة، وقد طور العلماء وسائل أخرى للحصول على نتائج عشوائية تتناسب مع الغرض المرجو استخدامها فيه من قبيل الضوضاء الكونية وهي عبارة عن إشعاعات فضائية تنبع من مختلف الأجسام الفلكية ويظهر لنا بعضها على شاشة التلفاز القديم كنقاط بيضاء وسوداء عندما لا يكون مثبتا على محطة معينة ويستفاد من الأرقام العشوائية في استخدامات مثل إيجاد خوارزميات التشفير وإيجاد نماذج حاسوبية لظواهر معقدة واختيار العينات العشوائية للبحوث والدراسات الإحصائية.

وفي المقابل فإن لدينا مفهوم النظام وهو أمر أساسي في الوجود والحياة والبيئة من حيث أنه العمود الفقري الذي تتأسس عليه القوانين في الطبيعة وفي النظم الاجتماعية، ففي الطبيعة إن لم يكن هناك نظام فلا يمكننا صياغة قانون يقدم لنا تنبؤات عن سلوك الأشياء في الطبيعة، وبطبيعتنا الباحثة عن تفسير للأشياء وحاجتنا الماسة للتنبؤ بالمستقبل فإننا نبحث بشكل فطري عن وجود النظام في كل الظواهر حولنا ثم نقوم بتأطيرها بقوانين تسهل علينا التنبؤ بما قد يحصل في المستقبل، وبالطبع فإن فوائد اكتشاف الأنظمة والقوانين لا حصر لها منذ القدم.

عندما نواجه ظاهرة معينة فإن الافتراض التلقائي لدينا هو أن عملية اكتشاف النظام وتحديد القوانين الحاكمة في تلك الظاهرة هو نتاج طبيعي للبحث العلمي والمنطقي في تلك الظاهرة، بل إن هذا هو الدافع الأساسي في البحث العلمي وهو اكتشاف الأنظمة وتحديد القوانين التي تحكم الظواهر المختلفة، وعليه فإن العشوائية حسب هذا الافتراض هو مجرد حالة مؤقتة توصف بها الظاهرة إلى أن يتم اكتشاف أنظمتها وقوانينها، وإن لم نكن قد استطعنا سبر أغوار تلك الظاهرة للآن فكل ما علينا هو الاستمرار بالبحث عن طرق ووسائل تمكننا من اختراق جدار الغموض في تلك الظاهرة وربط النقاط بخطوط منطقية لرسم اللوحة المعرفية المنشودة، وبعبارة أخرى فإن مصطلح العشوائية في الظواهر الكونية هو طريقة أخرى للقول أننا لم نبحث في تلك الظاهرة بما يكفي إلى الآن أو أننا بحثنا ولم نجد الحل بعد وكل ما نحتاجه هو المزيد من الجهد والوقت والذكاء وربما الحظ لاكتشاف النظام الكامن في أعماق تلك الظاهرة.

وحيث أن الطبيعة المادية الاعتيادية مكونة من مجموعة محددة من الجسيمات (حسب النموذج المعياري في فيزياء الجسيمات[1]) فإنه يفترض أننا بدراسة تلك الجسيمات نستطيع دراسة كل ظواهر الطبيعة والتنبؤ بسلوكها، ولا يقف الأمر عند هذا الحد لأننا كموجودات مفكرة وذات إرادة حرة مكونون كذلك من تلك الجسيمات، فيفترض أننا بدراسة تلك الجسيمات بشكل كاف وتحويل العشوائية فيها إلى نظام وقوانين فإنه يمكننا أن نتنبأ بسلوكياتنا الحالية والمستقبلية وعليه لا يظل مكان بعد ذلك لما نسميه للإرادة الحرة، لأننا سنكون أشبه بالروبوتات التي يمكن فهم سلوكها بفهم برمجياتها المتحكمة فيها، فهل الأمر فعلا كذلك؟

الفيزياء لم تتح لنا هذه الرفاهية في المعرفة، ففي عام 1927 استطاع الفيزيائي الألماني ورنر هايزنبرغ الكشف عن مبدأ الشك أو الريبة أو اللايقين أو اللاتحديد [حسب الترجمة] الرياضي الذي ينص على أن هناك حدودا ذاتية في إمكانية دقة معرفة موضع الجسيم الأولي وسرعته في نفس الوقت، فكلما ازدادت دقتنا في معرفة موضع الجسيم قلت دقة معرفتنا بسرعته وكلما ارتفعت دقة معرفتنا بسرعة الجسيم انخفضت دقة معرفتنا بموضعه، وبالطبع فإن المتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن ذلك القصور يمكن علاجه باستخدام أجهزة أفضل أو تقنيات أحدث ولكن ذلك ليس صحيحا فمبدأ الشك لا يسمح بتلك المعرفة الدقيقة لموضع الجسيم وسرعته  بغض النظر عن مقدار معلوماتنا الأخرى عن الطبيعة والجسيمات، أو بعبارة أخرى أن هناك مقدارا من العشوائية الذاتية غير قابلة للاختزال في صميم الطبيعة [2] بحيث لا يمكن صياغة قانون يحدد لنا موقع الجسيم وسرعته في نفس الوقت بدقة متناهية (وفي صيغة مشابهة لا نستطيع تحديد الطاقة الموجودة في موقع معين من الفراغ مع مقدار الزمن لاستمرار تلك الطاقة)، وعليه فإنه يتوجب علينا أن نتعايش في حياتنا العلمية مع هذا المقدار من العشوائية، وبالفعل فقد كان لدى العلماء من المرونة النفسية ما مكنهم أن يصيغوا قوانينهم حول تلك الخصائص من الجسيمات أو الفراغ بصيغة الاحتمالات، أي أنه يمكنهم القول أن هناك احتمالا محددا لوجود طاقة معينة في الفراغ لزمن معين أو أن هناك احتمالا محددا لأن تكون سرعة الجسيم بمقدار معين في موقع معين أو احتمالا محددا أن تقوم ذرة معينة في المادة المشعة بإصدار الإشعاع في لحظة معينة ولكن لا يمكن تحديد قيم الخصائص نفسها بدقة كافية ولكن ذلك المقدار من المعلومات كان كافيا لهم للتعامل العملي مع التقنيات والاستفادة منها على أقل تقدير، ولذلك فبالنسبة لعلماء الطبيعة فإن القلق الناتج من مواجهة العشوائية قد خف بدرجة كبيرة واستطاعت علوم الطبيعة أن تتعايش مع هذا المقدار من العشوائية وغياب النظام، ولكن نفس الشيء لم يكن ممكنا على مستوى الفلسفة.

العشوائية والسببية

كثير من الأمور في العلوم الطبيعية لها انعكاسات فلسفية وفكرية مما يجعلها وقودا للحوارات والإسقاطات الفلسفية، وفي موضوعنا هذا فإن النظام والعشوائية لهما انعكاساتهما المهمة في الفلسفة، ففي فهم العلوم الطبيعية فإن تعاقب الشيء ونتيجته زمانيا “بشكل منتظم” بحيث أن الشيء الأول أنتج الشيء الثاني هو السببية أو العلية، لاحظ أن “بشكل منتظم” شرط أساسي في فهم العلية وفي غياب الانتظام وحلول العشوائية بدلا منه فإن مفهوم السببية لا يقوم له أساس، ولذلك فإن وجود أي مقدار من العشوائية في حركة الجسيمات أو الطاقة يمنع جريان مبدأ السببية على تلك الجسيمات والطاقة وحيث أن السببية في الفلسفة هي نظام عام وشامل في الوجود ويجري على كل أمر حادث فإن هذا الاستثناء لحركة الجسيمات والطاقة من قانون السببية الفلسفي ليس بأمر مقبول إطلاقا في عالم الفلسفة ويستدعي نظرة عن كثب ومعالجة أكثر دقة.

ولنفعل ذلك لا بد لنا من فهم السببية كما يفهمها الفلاسفة بعد أن رأينا فهم الطبيعيين لها، ففي الوقت الذي يرى العالم الطبيعي السببية كأمر محصور على النطاق العملي في المختبر والطبيعة المادية فقط فإن الفيلسوف يراها تشمل بالإضافة إلى ذلك ما هو أكثر وأكبر، وذلك ببساطة لأنه يرى أن الوجود لا ينحصر بالطبيعة المادية التي لا تشكل إلا جزءا من الوجود.

السببية أو العلية كما يفضل الفلاسفة تسميتها ليست مسألة تعاقب بين شيئين مستقلين وليست شبيهة بولادة الطفل من رحم أمه، فذلك الفهم الشائع للسببية غير صحيح وهو مصدر من مصادر الخطأ والمغالطة في هذا الموضوع الهام للغاية، العلة التامة الفلسفية هي التي يلزم من وجودها وجود المعلول ويلزم من عدمها عدم المعلول، والسببية الفلسفية ليس فيها تعاقب زمني بين العلة والمعلول (السبب والنتيجة) فمتى ما تحققت العلة التامة فإن وجود المعلول أمر ضروري في ذات الآن بلا تأخر إطلاقا لأن فرض وجود لحظة تتحقق فيها العلة التامة ولا يتحقق فيها المعلول مخالف لجوهر العلية، ولذلك فإنه ينظر إلى المعلول كتجل وظهور للعلة أو بعبارة أخرى فإن العلة تظهر وتتجلى لنا من خلال المعلول، وأيضا يمكن القول أن المعلول هو مرتبة نازلة من وجود العلة وأن العلة هي مرتبة صاعدة من وجود المعلول، ومتى ما تحقق العلم بالعلة التامة تحقق العلم بالمعلول مباشرة، سأكرر العبارة الأخيرة لأهميتها، متى ما تحقق العلم بالعلة التامة تحقق العلم بالمعلول مباشرة لأنه كما أسلفنا المعلول ليس إلا مرتبة نازلة من وجود العلة والعلم بالمرتبة العليا من الشيء يستلزم العلم بالمرتبة النازلة منه بالضرورة بداهة.

ولنرجع لموضوع العشوائية في حركة الجسيمات والطاقة، ما الذي يجعلنا نجهل مسار تلك الحركات (عجزنا عن التنبؤ بها) بالرغم من أننا استفرغنا الوسع في معرفة الظروف المادية الطبيعية المحيطة بتلك الجسيمات وأشبعناها بحثا نظريا وتجربة عمليا؟ هل السبب في ذلك هو أن السببية لا تعمل هنا؟ ولكن ذلك كلام مضحك جدا لأن نفس العبارة تعزي (السبب في جهلنا) إلى (تعطل السببية) فكيف نستعمل السببية لتفسير جهلنا ثم نصفها بالمتعطلة؟ أليس ذلك من التناقض الواضح؟

إذن السبب في عجزنا عن التنبؤ بحركات الجسيمات ليس بسبب تعطل السببية، بل بسبب أننا لم نحط علما بالعلة التامة لتلك الحركات ولم نضع اليد على أسبابها التامة ولو فعلنا لكنا قد علمنا بها بوضوح تام، ولكن مهلا، ألم نقل قبل قليل أننا استفرغنا الوسع في دراسة الظروف المادية الطبيعية المحيطة بتلك الجسيمات؟ نعم قلنا ذلك، ولكن سبق وأن قلنا أيضا أن الفلاسفة لا يحصرون الوجود بالطبيعة المادية ولهم في إثبات ذلك أدلتهم التي قد نتعرض لها في مقالة أخرى، وعلى ذلك فإن الوجود يشمل العالَم الطبيعي المادي ويشمل أيضا العالم فوق المادي ولنسمه عالم التجرد أو عالم المجرد والعالَمان ليسا منفصلين أو مستقلين عن بعضهما بل هما خط واحد متصل ذو نهايتين، فمن جهة واحدة ينتهي الوجود بالعالم المادي الطبيعي، ومن جهة أخرى ينتهي بالعالم المجرد التام وبينهما تدرجات مختلفة من المادة والتجرد، وهذا أمر نلمسه وجدانا في أنفسنا حين نجد في أنفسنا أجساما مادية مكونة من جسيمات وطاقة ونجد أيضا جانبا غير مادي كامن في وعينا بذواتنا وقوانا النفسية وإرادتنا الحرة ومعرفتنا بالأشياء (وكما أسلفت فإن طرح أدلة تجرد النفس والعلم يستدعي بحثا آخر في وقت آخر).

وعلى هذا فإن العلم بمعطيات الوجود الطبيعي المادي ليس إلا علما بجزء من الوجود المحيط بتلك الجسيمات الذرية والطاقة ولا يشكل علة تامة منتجة للعلم بنظامها وقوانينها التي يمكن أن تتنبأ بحركاتها وسلوكياتها، ولو قدر لنا أن نعلم بالقدر الكافي من المعطيات الوجودية (المادية والمجردة) لاستطعنا أن ندرك النظام الكامن فيها والقوانين المتحكمة في حركاتها وسلوكها، وبعبارة صريحة فإن مدعانا الفلسفي هو أنه لا يوجد في الوجود عشوائية إطلاقا حتى على مستوى الجسيمات الذرية، وما نلاحظه من عشوائية ظاهرية فيها فهو ناتج من علمنا القاصر بجزء من الوجود والذي لم يتمكن من اختراق حواجز الوجود المجرد بالوسائل العلمية المخبرية وإلا فإن الوجود نظام صرف لا يخالطه أية شائبة من العشوائية إطلاقا ونرجع لنقول أن العشوائية هي عنوان جانبي معبر عن جهلنا بالمعطيات الوجودية في الظاهرة التي نتفحصها.

لا أعتقد أن هذا الاستنتاج سيسر علماء الطبيعة كثيرا، وسيثير اعتراضات أكثر من محبي العلوم الطبيعية الذين يرون أن الوجود منحصر بالمادة والطبيعة، وهنا لا بد لي من القول أنني من محبي العلوم الطبيعية وعشاقها ولكني لا أكتفي بالنظر للأشياء من زاوية العلوم الطبيعية المادية التي تحصر الوجود في الجزء المادي الطبيعي فقط.

الهوامش:

[1] النموذج المعياري في فيزياء الجسيمات هو نظرية تختص بالتفاعلات الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة والقوية للجسيمات تحت الذرية وتشمل النظرية ثلاثة أجيال من المادة (لبتونات تشمل الإلكترون والميون والتاو وجسيمات النيوترينو لكل منها، وستة كواركات، وأربعة بوزونات حاملة للطاقة) ومجموع الجسيمات هي اثنا عشرة جسيما ماديا وأربعة بوزونات لحمل الطاقة.

[2] قد يتبادر إلى الذهن أن مبدأ هايزنبرغ في الشك هو مبدأ تجريبي يمكن أن يتغير مع استحداث تجارب جديدة ولكن المبدأ هو اشتقاق رياضي وليس نابعا من نتائج تجريبية يمكن استبدالها بتجارب أخرى، كما أن التفسير الشائع لهذا الاضطراب في قياس سرعة الجسيم وموضعه عن طريق القول أن عملية القياس تستعمل فوتونات تضيف طاقة للجسيم عند القياس فتسبب تغيرا في كمية الطاقة فيه هو تفسير غير دقيق أو لنقل غير كامل فإن مقدار الاضطراب الذي يحدث بسبب عملية القياس أقل مما تتنبأ به المعادلات الرياضية لمبدأ هايزنبرغ، وهذا يرجعنا للقول أن ذلك الاضطراب لا يمكن اختزاله على صعيد التجربة أو المتغيرات المادية في التجربة.

4,354 total views, 8 views today