سَالم بن علي المشيفري

إنَّه لَيَأتِي فِي مُقدِّمة الشعوب التي يحقُّ لها أنْ تَفْخَر وتُفَاخِر بقَائِدها وَوَليِّ أمرِهَا، وَحَاكِمِها وبَانِي مَسِيْرَتِها، إنَّما هُو الشَّعبُ العُماني، هذا الشعبُ المغبوطُ والمحسودُ في الوقت نفسه، على مَا أَنْعَم اللهُ به عَلَيه من نعمتيْ الأمنِ والأمَان، ونعمة التآخي والاعتصام، وكلُّ ذلك إنَّما يعُوْد بعد فضل الله -عزَّ وجل- للحكمةِ السامية لسُلطان عُمان الفذ، وابنها البار، وبطلها المغوار، وقائدها الملهم، حَضْرة صاحبِ الجلالةِ السُّلطان قابوس بن سعيد المعظَّم حفظه الله وأبقاه، وألبسه لبوس الصحة والعافية، وأطال لنا في عُمره المديد، ومتَّعْنَا في عَهْدِه بالعَيْش الهانئ السَّعيد الرَّغِيْد.

لِذَلِك؛ حُقَّ للعُماني أنْ يَلْهَج بالشكر والثناء للمولى -سُبحانه وتعالى- على هذه النعمة السابغة، والمنَّة الوافية الكافية، وأنْ نَرْفَع جميعنا أكفَّ الضَّرَاعة والدُّعاء بالعافية والشفاء لقائدنا الباسل وسُلطاننا المفدَّى، نرفع ذلك وبلدنا العزيزة عُمان تَرْفُل في ثَوْب العزِّ والأمان، والرِّفْعَة وَعُلو الشأن، والإشادة والثناء، من القريب والبعيد، والعدو والصَّديق، والمُسلِم وغير المُسلِم، وكلُّ ذلك يجعلها تتألَّق بين الأوطان، كتألُّق نجم يهتدي بهَدْيِه الرُّكبان، على مرِّ العصورِ والأزمان، وَمِنْ مُختلف الأنحاءِ والبلدان.

لَقَدْ انطلقتْ مَسِيْرة التعليم في بِلَادي، مُتَسَارِعة الخُطى، مُتبنِّيَة ذلكم الشعار الكبير -الذي يطاول بهمته الجوزاء- “سنعلِّم أبناءنا ولو تحت ظلِّ شجرة”، وإنَّما كان كذلك لأنَّ الإرادة القوية، والعزيمة المتوثِّبة لباني النهضة المباركة، لم تَقْنَع بدون النجوم غاية وتطلعا، كيف لا والقرآنُ دستورُ عُمان، وهل في القرآن أعظم من الأمر بالعلم بعد الإيمان: “يَرْفَعُ اللهُ الذِيْنَ آمَنُوا مِنْكُم وَالَّذِيْنَ أُوْتُوْا العِلْمَ دَرَجَاتٍ”، “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِيْنَ يَعْلَمُوْنَ والَّذِيْنَ لَا يَعْلَمُوْن”، “شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُوْلُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيْزُ الحَكِيْم”.

وَمِنْ أجلِ تنويع التعليم، وفتح أبوابه على مصراعيها، كَانَ هُنَاكَ التعليمُ الحكوميُّ والتعليمُ الخاص، وحيث إنَّ النوعَ الثاني من التعليم أُرِيْدَ به المشاركة والمنافسة، لتعميم التعليم على أوْسَع نِطَاق، وَلِكَي تُقدَّم في التعليم أفضل وأجود خدمة، فقد هبَّ الشعبُ مُلبِّيًا لنداءِ القائدِ والأب، بل والوطن أيضًا، وأصبحتْ المؤسَّسَات التعليميَّة الخاصَّة في مُنَافَسَةٍ شديدة، وأصْبَح السَّعْيُ لاستحداثِ نَوَافِذَ تعليميَّة جديدة، همًّا لا يَكَاد يُفَارِق الأذهان؛ كَوْن التنويع والمنافسة وَجْهَيْن لعُملة واحدة، هذا فَضْلًا عن حِرْص المؤسسات الحكومية الأخرى على فَتْح نَوَافذ تعليمية شبيهة، كوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التنمية الاجتماعية، ووزارة القوى العاملة، بل أصْبَح هُناك من الأنشطة التعليمية ما يَسْتَظِلُّ تَحْت مظلة وزارة التجارة والصناعة مُباشرة.

وَمِنْ حَيْثُ أنَّ التعليم خدمة إنسانية مُعقَّدة -كَوْنَها تُعْنَى بالإنسان، بل وبشتى جوانبه، ومكوناته وعناصره- كان حِمْلُهَا حملاً ثقيلاً يجسم على الصدور، وتنوء به الكواهل، كَيْف لا وجميع المؤسسات تَكَاد تكون حاضرة في صُرُوْح العلم ومحاضن التربية، والأشقُّ من ذلك أنَّ طبَّ العقول والقلوب يفوق طب الأبدان، بل إنَّ الطبيبَ في أيِّ تخصُّصٍ كان، هو تلميذ معلم وخريج مدرسة، وَقِسْ على ذلك كلَّ وظيفة ومهنة وحرفة.

وَاليَوْم، تَسْعَى الدول المتقدِّمة في علوم الدنيا إلى أنْ تَجْعَل أرقى شهادة لمعلم، تقابل أسبق مرحلة في التعليم والتعلم، وفي ذلك ما فيه من التأكيد على أنَّ الرُّقي في الخدمة التي تُقدِّمها المؤسسة التربوية يبدأ من أول مرحلة، روضة كانت أو مدرسة، وهذا يُعْطِينا مؤثرا بارزا في مَدَى كلفة وغلاء الخدمة التعليمية، وَلَيْت الأمر يقف عند هذا الحد، وإنما يجاوزه إلى خدمات وإمكانات أخرى مادية لا يقوم التعليم بدونها، بل لا بُدَّ أنْ توائم رُقيَّه وتطوُّرَه؛ فهناك المبنى بما فيه من إمكانات وخدمات وتجهيزات، وهناك المناهج والحافلات، وهناك الإدارة والإشراف والتربية، وكل ذلك يستلزم أمانا ونظافة وصحة، وحسن عناية ورعاية، وأداء بجودة.

وَعَلَيْهِ، وَلِكُلِّ ذَلِك، ولتزايد أعدادُ المدارس الخاصة مَهْمَا كان نَوْعُها، وتحت أية مظلة كانت، فإنَّ الحملَ الثقيلَ الذي تَنُوْء به كلُّ مدرسة، انعكسَ مُبَاشرة على المؤسسة الحكومية التي تُشْرِف على الأكثر الغالب من هذه المدارس، وتمثل بالنسبة لها المظلة العامة، والمرجعية في الجوانب التربوية والتعليمية، والتي هي بالطبع وزارة التربية والتعليم.

وَفِي هَذَا الوَقْتُ بالذات، ومع الرَّغْبَة الملحَّة لدى وزارة التربية والتعليم لتوسيع رقعة الاستثمار -بنوعيه الوطني والأجنبي- في التعليم الخاص؛ لرفع نسبة مشاركة التعليم الخاص في الخدمة التعليمية، أصبحتْ أعدادُ المدارس الخاصة في توسُّع كَمِّي مُتزايد؛ الأمر الذي يُضَاعِف من حمل المدارس الخاصة القائمة، وعلى وَجْه التحديد المدارس الخاصة الصغيرة منها والمتوسطة، خاصَّة بَعْد توخِّي المرونة في اشتراط مَسَافة مُحدَّدة بَيْن مدرسة جديدة وأخرى قائمة.

وَبِسَبَب هذا الحِمْل الثقيل، والعِبء المتزايد على وزارة التربية والتعليم -بفعل تزايد المدارس؛ سواء الحكومية أو الخاصة- أصْبَح هُناك كثيرٌ من المشكلات والصعوبات والعقبات التي تقفُ حَجَر عَثْرَة في مَسِيْرة التعليم الخاص، وهي إنْ لم تُوْجَد لها حلول مُناسِبة وعاجلة في الوقت نفسه؛ فسوف تظل مع مرور الوقت مُشكلات عالقة، ذات آثار وأعراض عويصة ومزمنة.

وَعَلَيْه، وحتى تُمْسِكُ وزارة التربية والتعليم العَصَا من المنتصف، وهي تَسْعَى لرفع نسبة الطلاب الملتحقيْن بمدارس التعليم الخاص، لتخفيف العبءَ على المدارس الحكومية، فلا بُدَّ من التخطيطِ الإبداعيِّ لاستحداث تطويرات في غاية الذكاء والعبقرية، وليس ذلك بعزيز على عقل عظيم، شَرَّف الله صاحبه بأن يكون خليفة في الأرض.

وَهِذِهِ العبقريَّة والذَّكَاء يكمُنَان في استحداثِ أفكارٍ تطويريةٍ استثماريةٍ، تَجْمَع بَيْن دعم المدارس الخاصة من جهة، وبين تقديم المدارس الخاصة خدمات وطنية تُسْهِم -وبشكلٍ فاعلٍ- في الوقوفِ جَنْبًا إلى جنب مع الخدمات الحكومية لتحقيق المواءمة مع مُستجدَّات العصر وتحدياته. ومن ذلك، تمكن وقدرة المدارس الخاصة القائمة -خاصة الصغيرة منها والمتوسطة- على الوفاء بمتطلبات ومقومات استمرارها وبقائها، في ضَوْء التسارع الكمِّي المتزايد في أعداد المدارس الخاصة، وإلا فإنَّنا سنُفاجَأ بأنَّ الترخيصَ الذي نَمْنَحه لمدرسة خاصة جديدة، يُقَابِله إعلانُ غلق مدرسة قديمة قائمة، مع وجود فارق بين الكفَّتين بين مدرسة قائمة قَطَعتْ شوطا في تقديم الخدمة الوطنية، وأصبحت تُقدِّم خدمةً تعليميةً مُتعدِّدة لأكثر من مرحلة دراسية واحدة، وبَيْن مَدْرَسة تبدأ بشق طريقها بتقديم خدمةٍ تعليميةٍ مُقتصرة بما قبل التعليم المدرسي؛ وبالتالي تباين نسبة أعداد الطلاب المنتفعين بالخدمة التعليمية في المدرستيْن، فضلا عمَّا تُقدِّمه هذه المدارس من فرص عمل؛ سواء كان ذلك لهيئات التدريس، أو لسائقي الحافلات، أو عوائد مالية للمباني المدرسية ومالكي الحافلات، وكلُّ ذلك يعود بالنفع على المؤسسات الحكومية، عن طريق ما يتطلبه كل ذلك من عقود إيجار ورسوم تجديد وتسجيل، ونحو ذلك.

وِمِمَّا يُزِيْدُ الأمرَ تحدِّياً وصعوبةً ما استجدَّ، مُؤخرا، من التأكيد على اشتراط رفع رواتب الهيئات التدريسية في المدارس الخاصة؛ لتكون مُسَاوية لرواتب الموظفين العاملين في المؤسسات والشركات الكبرى الخاصة، رَغْم أنَّ ساعات العمل في مدارس رياض الأطفال لا تُجَاوِز أربع ساعات عمل، وهي نِصْف ساعات العمل في المؤسسات والشركات الخاصة الكبرى، هذا إضافة إلى تدنِّي عَائِدات هذه المدارس مُقارنة بعائدات تلك الشركات، هذا فَضْلًا عن التشديد على تطبيق نظام التأمينات الاجتماعية، وهو تحدٍّ لا يقلُّ صعوبةً عن تحدِّي رَفْع رَوَاتب الهيئات التدريسية، حيث إنَّ عَوَائِدَ مِثْل هذه المدارس -بتطبيق هذين الأمرين- يَجْعَلها في كثيرٍ من المدارس نِصْف تكاليف تشغيلها.

وَنَحْنُ إذا رَجِعْنَا إلى التحدِّيات التي تُعَاني مِنْهَا غالبية المدارس الخاصة، فإنَّنا نَجِد أنَّ هَذه التحديات مُجتمعة يُمكن التغلب عليها واستيعابها من خلال دعم المدارس الخاصة؛ بالسماح لكل مدرسة بتحويل قطعة أرض سكنية مملوكة إلى أرض سكنية تجارية، وهو أمرٌ يُسَاعد هذه المدارس على التغلُّب على مُشكلة إيجار المبنى، خاصة في الإجازات الصيفية، كما قَدْ يُوفِّر لها رِيْعًا شهريًّا يَجْعَلها قادرة على الوفاء بالمتطلبات الإدارية والمالية، فضلا عَنْ مُسَاعدتها على تطوير أدائها، والرُّقي بجودة الخدمة التربوية والتعليمية التي تُقدِّمها، كما أنَّه يمكِّن المدارس من أخذ قروض لإنشاء مبان مدرسية ذات جودة عالية، وفق المواصفات والاشتراطات المُحدَّدة.

وَنَحْنُ إذ ناقشنا هذا المقترح، فَإِنَّنا نَجِدُ فيه مُسَاهمة خدمية للحكومة والمجتمع؛ من حيث استمرار هذه المدارس، والوفاء بالتزاماتها المالية للجهات ذات العلاقة، كما أنَّه لا يضرُّ بأيَّة جِهَة من الجهات؛ سواء كانت حكومية، أو مجتمعية، أو أفرادا من المواطنين.

حَفِظَكُم الله يا مَوْلَانا وَرَعَاكُم، وأطالَ في عُمْرِكم الميمون أعوامًا عَدِيْدَة وأزْمِنَة مَدِيدة، وَأَنْتُم ترفلون في ثَوْب الفخر والسؤدد، ولبوس الصحة والعافية والعمر المديد، وتاج العز والمجد.. إنَّ اللهَ عَلى كلِّ شيء قدير، وبالإجابةِ جَدِيْر، إنَّه نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النصير.

143 total views, 2 views today